ثم عاد - الفصل الثالث - بقلم صبري محمد رجب - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: ثم عاد
المؤلف / الكاتب: صبري محمد رجب
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الثالث

الفصل الثالث

ثــم عــــاد الفصل الثالث ضربة البداية نصف ساعة انقضت بعد عصر يوم من أيام رمضان المبارك، هاتفي النَّقَّال يعلن عن تلقي اتِّصال، إنَّه أحمد، السَّلام عليكم، كيف حالك يا أحمد؟ وعليكم السلام، الحمد لله بخير، أعتذر عن الاتِّصال إنْ كان الوقتُ غير مناسب، قلت: ابدأ يا أخي، قال: هل من الممكن أن تتقبَّل دَعوتي على الإفطار اليومَ؟ قلت مداعبًا: أنا أعرف سِرَّ هذه الدعوة، قال ضاحكًا: وما هو؟ قلت: أنت مُتعجِّل ضربةَ البداية، قال: صحيح، قلت: آتيك إن شاء الله. صلينا المغرب، ثم صعدنا إلى بيت أحمد الذي لا يبعد عن المسجد كثيرًا، وقبل أن نأخذ مقاعدنا، بادرني: أنْ هيا نقوم بضربة البداية، حَدِّثْنِي عنها، قلت: ضربة البداية هي الأساس في كل ما ستَبنيه في طريقك إلى الله - عزَّ وجلَّ - فإذا صَحَّت ضربة البداية يصحُّ ما بعدها إن شاء الله، وكل مقدمة ولها نتيجة، والنَّحلة إذا أفرزت لا تفرز إلاَّ العسل، ودودة القز إذا نسجت لا تنسجُ إلاَّ الحرير. إنَّ هذه الضربة - أعني ضربة البداية - هي التوبة، "وهي أول المنازل وأوسطها وآخرها، فلا يفارقها العبد السالك، ولا يزال فيها إلى الممات، وإن ارتَحَل إلى منزل آخر، ارتحل بالتوبة واستصحبها معه، فالتَّوبة هي بداية العبد ونِهايته، ويلازم التوبة". ولا بُدَّ أن يُلازمها العزم، والعزم هو الحرص والتصميم الجازم على فعل شيء ما، ومن أهميته كان العزم حجرَ الزَّاوية في التوبة، فهو شرط من شروط التوبة، بل إنَّ الله - عزَّ وجلَّ - جَعَل أفضلَ رسله - عليهم الصلاة والسلام - هم أولي العزم؛ ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: 35]، فالعزم لازم إذًا في كل مراحل السير إلى الله، كلزوم التوبة لا ينفكُّ عنها، قاطعني: ولكنك تحدثني عن التوبة كأني لم أتب، وإلاَّ لماذا أنا في المسجد؟ أجبني، قلت: يا أخي، الله - عزَّ وجلَّ - أمر كل المؤمنين بالتوبة؛ فقال: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: 31]، ألم أقل لك: إنَّ التوبة لا تنفكُّ عن العبد بحال من الأحوال، فالتوبة درجات، كما سُئِلَ الحسين المغازلي عن التوبة، فقال: تسألني عن توبة الإنابة أم توبة الاستجابة؟ قال السائل: وما توبة الإنابة؟ قال: أن تخافَ من الله من أجل قُدرته عليك، قال: فما توبة الاستجابة؟ قال: أن تستحي من الله لقُربه منك. واعلم - يا أحمد - أنَّك اتَّخذت موقِعَك من التوبة، نعم ولكن في أيِّ درجة من درجات التوبة، فالنوع الأول من التوبة - الذي هو توبة الإنابة - لا يكون إلاَّ بعد مقام اليقظة، يقظة الإنسان من غفلته واكتشافه أنَّه غارق في مُستنقع الشهوات والمعاصي، فيشتاق إلى لحظة سعيدة مع الطاهرين، والثانية هي توبة العبد المستقيم السالك إلى الله إذا أصابه الشيطان في طريقه ببعض الطلقات والنَّخسات. ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 135]، فليس شرط ذلك التائب العصمة، ولكن الطبيعة البشرية لازمة، فالله - عزَّ وجلَّ - يثني على المؤمنين وذكر أنَّهم من الممكن أنْ تصدرَ منهم أعمال سيئة كبيرة، أو ما دون ذلك، ولكنهم يُبادرون بالرجوع والاستغفار، فسألوه المغفرة لذنوبهم، والستر لعيوبهم مع ندمهم الشديد. إنَّ التوبةَ - يا أيها التائب - هي شلال الجمال المتدفِّق من كوثر الرَّحمن، الفواح بأريح عطاء الله وكرمه، التوبة يا أيها التائب هي وضوء النفس وطهورها تَمامًا، كما أنَّ الأعضاء البدنية وضوءها وطهورها الماء، فأَنْ تتوبَ إلى الله يعني: أنَّك تتطهر، وأنك تُجرِّد نفسك من خبائثها تجريدًا، التوبة - يا أيها التائب - ترتقي بصاحبها عبر الأمواج الدافقة نحو السماء، إنَّها جمال الطهور المفضي إلى بحر المحبة الإلهي؛ قال جَلَّ جلاله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222]، وبذلك كان سيد التائبين  يدعو على إثر الوضوء: ((اللهم اجعلني من التوَّابين، واجعلني من المتطهرين))، فقرن بذلك بين طهورين في سياق واحد: طهور النفس، وطهور البدن. قال أحمد: ما أجملَ هذه المعاني في تنفيذ التوبة، لكن هناك إشكال في جانب من جوانب التوبة، والعَودة إلى الله، وهو أنِّي مثلاً على سبيل المثال قرَّرت قبل ذلك أنْ أتركَ الذنوب، ثم أعود، ثم أشعر بالألم، فأتوب، ثم أذنب، ومن الممكن أنْ تصلَ إمَّا إلى اللامبالاة بالذنب، ويأس من المغفرة، وإمَّا إن كان هناك عزيمة أعودُ مرة أخرى إلى التوبة، فما الحل؟ أجبته: سبحان الله! يا أحمد، ما أشبه الليلة بالبارحة! قال: وما ذاك؟ قلت: "عن عقبة بن عامر  قال: إنَّ رجلاً جاء إلى النبي  فقال: يا رسول الله، أحدنا يُذنب، قال: ((يكتب عليه))، قال: ثم يستغفر منه ويتوبُ، قال: ((يغفر له ويُتاب عليه))، قال: فيعودُ، فيذنب، قال: ((فيكتب عليه))، قال: ثم يستغفر منه ويتوب، قال: ((يغفر له ويتاب عليه، ولا يَمَلُّ الله حتى تَمَلُّوا))"، فالباب إذًا مَفتوح لا يغلق، ليس هذا فحسب، بل ربنا يُقرِّر لعباده ويُناديهم كما في الحديث القدسي: ((يا عبادي، إنَّكم تُخطِئون بالليل والنَّهار، وأنا أغفر الذُّنوب جميعًا، فاستغفروني أغفر لكم...)). أحمد يا أخي، "هنا في ظلال الله لا قنوط ولا يأس، وإنَّما أبواب السماء تنفتح بنور منهمر، وينادي سبحانه على عباده الغارقين في أوحال الذُّنوب: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53]، إنَّها لتعجز الكلمات البشرية عن وصف ما ينفتح عنه هذا الباب السماوي الفسيح من خيرات ورحمات؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: 53]، فما لهؤلاء اليائسين المعرضين؛ ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: 104]، إنَّ على المؤمن السالك أنْ يعرف أنَّ الله يُعطي بغير حساب عندما تذوق ذلك ذوقًا، تَجد له في قلبك ظلاًّ جميلاً يَمتد في الآفاق إلى ما لا نهاية، تستغفر الله، تطرقُ بابَ كرمه المفتوح أبدًا، ثم تدخل لتشاهد كيف أنَّه - سبحانه - يغفر الذُّنوب جميعًا، ترى شلال الرَّحمة تنهمر أنواره عليك واردات من الفرح الإلهي. قاطعني أحمد: وهل يفرح الله؟ أجبته: هذا نص النبي  يُحدثنا: ((لَلَّه أشد فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه وعليها طَعَامه وشرابه، فآيس منها، فأتى شجرة فاضجع في ظلها ينتظر الموت، فبينما هو كذلك إذا بها قائمة عند رأسه، فأخذ بخطامها، ثم قال: اللهم أنت عبدي، وأنا ربُّك أخطأ من شِدَّة الفرح)) ، عندما تصل ربَّك فيصلك وتُحِبُّه ويُحِبُّك وتقترب منه، فيقربك، ولك أن تعلمَ يا أحمد أن أعظمَ نية في قلب التائب أنه يفرح ربُّه - سبحانه - بتوبته، ثم يُجازيك بأن يفرحك ويسعدك، ما أكرمه! أظن أنَّ الوقت مر سريعًا، هل دخل وقتُ العشاء؟ قال: بقيت دقيقة، قلت: إذًا نذهب إلى المسجد، ونكمل بعد التراويح إنْ شاء الله، قال: أشعر كأنِّي عروس في يوم عُرسه من شدة فَرحتي، أجبته: حُقَّ لك ذلك، فأنت تائب. تبادلنا الضحكات، وهرعنا إلى الصَّلاة. ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ [التوبة: 112] أخي القارئ، بينما نصلي العشاء والتراويح أتركك مع تائب كبير هو ابن الجوزي - رحمه الله - وتحليقٍ في سماء قوله - تعالى -: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ [التوبة: 112]. "سُبحان من وَفَّق للتوبة أقوامًا، ثبَّت لهم على صراطها أقدامًا، كفُّوا الأكفَّ عن المحارم احترامًا، وأتعبوا في استدراك الفارط عظامًا، فكفر عنهم ذنوبًا وآثامًا، ونشر لهم على ما عملوا أعلامًا، فهم على رياض المدائح بترك القبائح يتقلَّبون. ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ [التوبة: 112] كشف لهم سخف الدُّنيا فرَأَوا عيوبَها، وألاح لهم الأخرى، فتلمَّحوا غيوبها، وبادروا شمس الحياة يَخافون غيوبها، وأسبلوا دموعَ الأجفان على تلك الأشجان غروبها، واستغلوا الطاعات فحصلوا مرغوبها، وحَثَّهم الإيمان على الخوف فما يأمنون؛ ﴿ التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ [التوبة: 112]. - نظروا إلى الدُّنيا بعين الاعتبار، فعلموا أنَّها لا تصلحُ للقرار، وتأمَّلوا أساسها، فإذا هي على شفا جُرُف هارٍ، فنغصوا بالصيام لَذَّة الهوى بالنهار، وبالأسحار يستغفرون. "التائبون العابدون" - يا ربِّ، سِرْ بنا في درب النَّجابة، ووفقنا للتوبة والإنابة، وافتح لنا أبواب الإجابة، يا من إذا سأله المضطر أجابه، يا من يقول للشيء كن فيكون؛ "التائبون العابدون". *** ** *