ثم عاد - الفصل الثاني - بقلم صبري محمد رجب - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: ثم عاد
المؤلف / الكاتب: صبري محمد رجب
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الثاني

الفصل الثاني

ثــم عــــاد الفصل الثاني يا ليتنا ما تركناها غربت شمسُ يوم من أيام رمضان، أشرق معها ليلُ القائمين القانتين، اجتمع المصلُّون في مساجدهم لصلاةِ التراويح، وصلتُ إلى مسجدنا، أَرْمُقُ أحمدَ من بعيد يتلفَّت يَمْنَةً ويَسْرةً، التقت حدقاتنا، فتهلل وجهُه كأنَّه كان يتلفت باحثًا عنِّي، سررت بتهلل وجهه، لم ينتظر حتى أصل إليه ولكن قام من مكانه تاركًا سواكَه النحيل يَحفظ له مكانه حتى يرجع، استقبلني بالعناق في لهجة المستبشر: أعدَدْتَ نفسَك، ذاكرت جيدًا قائمة التساؤُلات الطويلة والمُتشعبة، أجبته بنحو من حماسَتِه: أنْ نعم، المهم أن تكون أنت مستعدًّا، قال بشغف: لم أنَم البارحةَ لأُرتب كلَّ ما يدور في رأسي من أسئلة مُتناثرة، لطالما أتعبتني حتى وصلت إلى حالتي التي رأيتني فيها بالأمس. قلت: والحال اليومَ؟ قال وهو يتنفس الصُّعَدَاء: بِمُجرد أن بدأت أرتب - لا أقول - أوراقي بل أسئلتي، بدأتِ الراحةُ تتسلل إلَيَّ، قلت: الحمدُ لله الذي بنعمته تَتِمُّ الصالحات، ولكن يا أحمد لا بُدَّ أن يكون بيننا مِساحة واسعة من الوقت، حَتَّى تتم راحتك، قال: اليومَ سيبدأ التهجُّد، ما رأيك لو جلسنا من التراويح حتى موعد التهجُّد، قلت: لا بأس نَجلس إنْ شاء الله. انشغل أحمد في قراءة القرآن حتى أقيمت الصَّلاة، ثم جاءني تلقاءَ وجهي قائلاً بلهجة قوية: أليس العيشُ في الجنة أفضل من هذه الدُّنيا المليئة بالفتن والآهات والآلام والمحن، قلت: بلى، يا أحمد جمعنا الله بها، قال: لم أقصد هذا، ولكن أقصد بقاءنا مع أبينا آدم - عليه السَّلام - دون أن نَهبط إلى الأرض، يا ليتنا ما تركناها، قلت: حسنًا يا أخي، ألَسْتَ تعلمُ أنَّ الله حكيمٌ، قال: بلى، إنِّي من ذلك على يقين، سبحانه! قلت: فاعلم يا أحمد أنَّ الله – سبحانه - لما أهبطَ آدمَ من الجنة، كان له في ذلك من الحكم التي تعجز العقولُ عن معرفتها، والألسن عن صفاتها، وكان إهباطه منه عين كماله؛ ليعود فيها على أحسن أحواله، فأراد – سبحانه - أن يذيقه وولده من نَصَبِ الدُّنيا وهمومها ما يعظم به عندهم مِقْدار دُخُولهم إليها في الدار الآخرة، فإنَّ الضِّدَّ يُظهر حسنَه الضدُّ. ولو تربَّوا في دار النعيم، لم يعرفوا قَدْرَها، كذلك يا حبيبي، فإنه – سبحانه - أراد أمره ونهيه، وليست الجنة دارَ تكليف فأهبطهم إلى الأرض وعرَّضَهم بذلك لأفضل الثَّواب الذي لم يكن ينال من دون الأمر والنهي؛ ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2]، وأظنك يا أحمد تعلم أنه - سبحانه وتعالى - يُحب الصابرين، ويُحب المحسنين، ويُحِب المتطهرين، ويُحِب الشاكرين، واقتضت حكمته أن يُسْكِن آدمَ وبَنيه دارًا يأتون فيها بهذه الصِّفات التي ينالون بها أعلى الكرامات، فكان إنزالهم إلى الأرض من أعظم النعم عليهم؛ ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: 105]، قال أحمد: سبحان الله! الهبوط من الجنة من أعظم النِّعَم؟! فعلاً لله الحكمة البالغة، قلت: نعم، يا أحمد، إنَّ من أفعال الله - عزَّ وجلَّ - التي ملؤها الحكمة ما هو ظاهر الحكمة مَعلوم، ومنها ما يَخفى علينا؛ لحكمةٍ يَعلمها وَحْده سبحانه، قال أحمد: آمنت بالله، والله لقد أثَّرت في قلبي رَغبة شديدة في أن أتعرَّف على ربِّي أكثر، فهل من الممكن أن نتحدث عن الله قليلاً، قلت: لا، بل نتحدث كثيرًا إن شاء الله، ما أجمل الحديثَ عن الله! أتدري يا أخي أنَّ أعظم زينة يُضفيها العبدُ على حياته خطوات يَخطوها في طريق معرفةِ الله - سبحانه وتعالى - بل كما قال ابن القيم - رحمه الله -: من عرف الله - تعالى - صفا له العيشُ، وطابتْ له الحياة، وهابه كلُّ شيء، وذهب عنه خوفُ المخلوقين، بل والله، يا أخي، مَن عرف ربَّه حقًّا، استمرأ المُرَّ، واستعذب العذاب في رضاه سبحانه. قال متلهفًا: زدني عن ربِّي زدني، قلت: يا أخي، الله - عزَّ وجلَّ - له الخلق والأمر، وهو وحْدَه الذي يَملك هذا الكون بكل ما فيه؛ ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ﴾ [المائدة: 120] كل ما تراه أمامَك، وكل ما يوجد خلفك ملك ذاتي لله - جل ثناؤه؛ ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ [النمل: 91]. كلُّ شيء في هذه الحياة يَستمدُّ احتياجاته منه - سبحانه - جميع احتياجات الخلائق من خزائنه سبحانه؛ ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [المنافقون: 7]، الإمداد بالنوم واليقظة والشُّعور بالراحة والتعب، والقيام والقعود، والضحك والبكاء، كل هذا وغيره يستمد فاعليته من الله - عزَّ وجلَّ - ولا يُوجد أي مصدر في هذا الكون يقوم بذلك إلاَّ من خزائنه؛ ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾ [الحجر: 21]، وكُلُّ آثارٍ لقوة تراها في الوجود، فهي مُستمدة منه سبحانه؛ ﴿لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: 39]، وعندما قالت عاد: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت: 15]، كان الرد الإلهي: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: 15]، فله سبحانه القُوَّة المطلقة والفاعليَّة المطلقة - سبحانه - الذي يَحملنا في البحر والبر والجو، وما السيارة وما أرجلنا إلا أسباب شكليَّة لا قيمةَ لها من دون المدد الإلهي؛ ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [يونس: 22]، وتأمَّل معي أخي في بيان هذه الحقيقة وتجليتها في قِصَّة نَجاة نوح - عليه السَّلام - بعد ركوبه السَّفينة، والتي مكث طويلاً يصنعها؛ ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ [القمر: 13]، نعم أخي، فالذي حمل نوحًا - عليه السَّلام - هو الله - سبحانه - وما السفينة إلاَّ ألواح خشبية ومسامير لا قيمةَ لها من دون المدَدِ الإلهي؛ ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس: 41]. هنا قال أحمد - وكأنَّه عصفور يضرب بجناحيه فرحًا -: لا أكتُمُكَ قولاً: وأنت تُحدِّثني عن ربِّي كانت نبضات قلبي تزداد رويدًا رويدًا، ومشاعري تنطق: أحبه نعم، نعم أحب ربي، ليس لي سواه، فأجبته وقد انتقل إليَّ فيضٌ من أحاسيسه -: وكيف لا تُحبه يا أحمد، وكلُّ جميل في الوجود هو قد جمَّله لك، وكل حسن في الحياة هو قد حسنه من أجلك، كيفَ لا تُحبه وهو طيب سبحانه، جميل، حليم، رؤوف، رفيق، عفو، غفور سبحانه؟! "عفوه يستغرق الذُّنوب، فكيف رضوانه ورضوانه يستغرق الآمال؟! فكيف حبه وحبه يدهش العقول؟! فكيف وُدُّه ووده ينسي ما دونه؟! فكيف لطفه؟!"، يبشر مَن آمن وعمل صالِحًا بوُدِّه؛ فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: 96]، يضحك سبحانه من قنوت عباده وقرب خيره عن أبي سعيد الخدري  قال: قال رسول الله : "((ضحك ربنا من قنوط عباده وقرب خيره))، وقال أبو رزين: لن نعدم من رب يضحك خيرًا". قال أحمد: ربِّ ما أحلمك! رب ما أحكمك! ربِّ ما أرأفك! رب ما أجملك! والله لا أدري أين كنت من هذه الأسماء الحسنى والصِّفات العُلى، حقيقة أشعر أنَّني كنت في ظلام، وأنا الآن ألمح النُّور كضوءِ الفجر ساعة ينشق، ألمح هذا النُّور ينصب عليَّ، قلت: صدقت يا أحمد، فالله يقول: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور: 35]. أتدرى يا أحمد؟ "في قوله - تعالى -: ﴿مثل نوره﴾؛ يعني: نور الإيمان والقرآن في قلوب المؤمنين"، وكلما ازداد القُرب من القرآن مع زيادة مَنسوب الإيمان يَزداد هذا النور في القلب، حتى إذا امتلأ القلبُ بالنُّور، فاضَ على مَن حوله حتى ينيرَ الدنيا بأسرها، فقال أحمد مندهشًا: ما شاء الله، والله إنَّ الدين جميلٌ، ولكن للأسف لقد فاتني كل هذا الخير فيما مضى من عمري للأسف. أجبته: عَلَى رِسْلِكَ؛ أيُّ عمرٍ قد مضى؟ لقد بدأت حياتك الآن، استقبل عمرَك الجديد يا أخي، ودع عنك هذه الأوهام، فالعبرة ليست بمن سَبَقَ، ولكن العبرة بمن صدق، بادرني قائلاً: ولكن... قاطعته: من غير ولكن... استقبل عمرَك، أنت الآن استيقظت من سُباتِك، فما الذي تفعله في مرحلة (اليقظة)؟ أشار إلِيَّ مستفهمًا؟ قلت: قل: الحمد الله الذي أحيانًا بعد ما أماتنا وإليه النُّشور، ثم ابدأ في العملِ، ولا تلتفت إلى ما كان، فالأيَّام ثلاثة: يوم مضى بما فيه ولن يعود، ويوم قادم لا ندري ما فيه، ويوم أنت فيه، فانشغل بالعمل وأحْيِه، قال: ما العمل إذًا؟ وما الخطوة التالية في هذا الطَّريق المشرق المنير، قلت: ضربة البداية، قال مبتسمًا: وما ضربة البداية؟! قلت: بَقِيَ خمسُ دقائق على الصلاة، غدًا - إن شاء الله - نشترك سويًّا في ضربة البداية فما رأيك؟ قال متحسرًا: الوقت الجميل يَمُرُّ سريعًا، قلت: الوقت الجميل في طاعة الله باقٍ ببقاء طاعتنا له سبحانه. خرج الإمام، قمنا للصلاة. حافز قبل ضربة البداية عن أبي طويل شطب الممدود  قال: أتيتُ النبي  فقلت: أرأيت مَن عَمِلَ الذنوب كلها، ولم يترك منها شيئًا، وهو في ذلك لم يترك حاجة ولا داجة إلاَّ أتاها، فهل لذلك من توبة؟ قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((فهل أسلمت؟))، قال: أما أنا فأشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، قال: ((تفعلُ الخيرات، وتترك السيئات، فيجعلهن الله لك خيرات كلهن)). قال: وغدراتي وفجراتي؟ قال: ((نعم)). قال: الله أكبر، فما زال يكبر حتى تَوَارى. *** ** *