غيرة؟
أخذ جاد والدته إلى المشفى بسرعة،بمجرد وصولهم، أسرع الأطباء بفحص هدى، وبعد انتظار بدا كأنه ساعات، خرج الطبيب ليطمئنهم:
"مفيش داعي للقلق، هي مجرد مضاعفات طبيعية لحالتها الصحية، لكن لازم تفضل تحت الملاحظة يومين عالأقل."
تنفست ريم الصعداء، بينما ظل جاد عابسًا، لا يطمئن إلا إذا رأى أمه بنفسه. سمح لهم الطبيب بالدخول، فاقتربت ريم من السرير، أمسكت يد هدى برفق وهمست:
"ماما هدى، انتي كويسة؟"
ابتسمت هدى رغم ضعفها، وربّتت على يد ريم: "أنا بخير يا حبيبتي، بس شكلي هغلبكم معايا الأيام الجاية."
هز جاد رأسه، وقال بجدية: "متقوليش كده، أهم حاجة صحتك."
جلست ريم على الكرسي بجانب السرير، بينما ظل جاد واقفًا، يراقب أمه بصمت. كان يشعر بالضيق، لكنه لم يُرد أن يُظهر ذلك أمامهما لذا خرج . أما ريم فقد لاحظت ذلك استأذنت هدى ثم تبعته
وجدت ريم جاد جالسًا على أحد المقاعد في الممر، يضع كوعيه على ركبتيه ويديه في رأسه، وكأنه يحاول جمع أفكاره. لم تره بهذه الحالة من قبل، رغم أنه دائمًا يبدو قويًا ومتماسكًا أمامها وأمام هدى.
اقتربت بخطوات هادئة وجلست بجواره، نظرت إليه قليلًا قبل أن تهمس بصوت رقيق:
"ماما كويسة دلوقتي، الدكتور قال إنها تحت المراقبة بس، يعني إن شاء الله هتبقى بخير."
لم يرد جاد فورًا، فقط أخذ نفسًا عميقًا وأراح رأسه على ظهر المقعد، ثم قال بصوت منخفض:
"عارفة يا ريم… أنا فاكر أول ما ابويا مات، كنت بحاول أبقى قوي، عشان امي متحسش إن الدنيا وقعت علينا كنت دايما اشوف أبويا وهو بحاول يفرحها حاولت اعمل كدا وكنت مرات بنجح ومرات لا … بس دلوقتي، لما بشوفها تعبانة كده، بحس بالخوف… خايف أفقدها زي ما فقدت بابا."
شعرت ريم بانقباض في قلبها، لم ترَ جاد بهذا الضعف من قبل، وكأن قناعه القوي تصدّع للحظة. ترددت قليلًا، ثم مدّت يدها وأمسكت بيده برفق، كأنها تخبره أنها هنا بجانبه.
"مش هتفقدها، إن شاء الله هتكون بخير… وإنت مش لوحدك يا جاد، أنا معاك."
نظر إليها جاد للحظة، ثم شدّ على يدها قليلًا وكأن لمستها أعطته بعض الطمأنينة. ابتسم ابتسامة خفيفة، ثم قال بهدوء:
"عارف… عشان كدة مش خايف كن من حاجة "
نظرت ريم إلى جاد بارتباك عندما سمعت كلماته، كان ينظر إليها نظرة هادئة لكنها تحمل شيئًا مختلفًا هذه المرة، شيء جعل قلبها ينبض أسرع.
"ممكن أحضنك شوية؟" قالها بصوت هادئ لكنه كان جادًا تمامًا.
اتسعت عينا ريم قليلًا قبل أن تنظر سريعًا حولها، وكأنها تخشى أن يراهما أحد في الممر. ابتسم جاد بخفة وقال بمزاح:
"إنتِ بتبصي كأننا بنعمل حاجة غلط!"
احمرّ وجهها قليلًا، عضّت شفتها بتوتر، ثم همست: "إحنا في مستشفى، الناس رايحة جاية…"
رفع جاد حاجبه، ثم قال بمرح وهو يفتح ذراعيه قليلًا: "وإيه يعني؟ هو محدش بيحضن مراته ولا إيه؟"
ترددت للحظة أخرى، لكن عندما رأت نظرته التي تحمل شيئًا من التعب والاحتياج، تنفست بعمق ثم اقتربت منه قليلًا، لتجد نفسها بين ذراعيه، حيث تشعر بالدفء والراحة أكثر مما كانت تتخيل.
شدّ جاد ذراعيه حولها، أسند ذقنه فوق رأسها، ثم همس بهدوء: "أهو كده، أحسن بكتير."
لم ترد ريم، فقط أغمضت عينيها للحظة، تستمع إلى صوت نبضه الهادئ، وتشعر لأول مرة أن هذا المكان—بين ذراعيه—قد يكون أكثر الأماكن أمانًا لها.
.
.
بعد أن هدأت الأوضاع قليلًا، قرر جاد الذهاب إلى العمل، رغم قلقه على والدته. وقف عند باب الغرفة، ينظر إلى هدى النائمة، ثم إلى ريم التي كانت تجلس بجوارها، تضع كمادة باردة على جبهتها بحرص.
"هتقدري تتصرفي لوحدك؟" سألها بصوت منخفض، حتى لا يوقظ هدى.
رفعت ريم رأسها ونظرت إليه بثقة: "طبعًا، متقلقش… أنت روح شغلك، وأنا هكون جنب ماما."
نظر إليها للحظة، وكأنه متردد، لكنه في النهاية أومأ برأسه وقال: "لو حصل أي حاجة، كلميني فورًا."
ابتسمت ريم طمأنته: "حاضر، روح وانت مطمن."
تنهد جاد، ثم اقترب وربّت على رأسها بخفة قبل أن يغادر. بقيت ريم في مكانها، تنظر إلى والدته بحنان، وتواصل الاعتناء بها، تشعر بمزيج من القلق والامتنان… فهذه المرأة كانت لها أمًا أكثر مما كانت تحلم يومًا.
.
مرّ اليومان أخيرًا، ولم تفارق ريم هدى للحظة، مصممة على البقاء بجانبها طوال الوقت، حتى إنها رفضت تمامًا الذهاب للراحة رغم إلحاح جاد المتكرر. والآن، بعدما استعادت هدى بعضًا من عافيتها، رجو الى المنزل .....جلست العائلة في غرفة المعيشة.
ابتسمت ريم وهي تنظر لوجه هدى الذي بدا أكثر إشراقًا من قبل، ثم قالت بحنان: "نورتِ بيتك يا ماما."
ضحكت هدى بخفة وردّت بمزاح: "هو أنا كنت مطفية؟"
قهقه جاد وهو يضع كوب الشاي أمام والدته: "كنتي شبه النور اللي بيقطع ويرجع."
نظرت له ريم بحدة، لكنه فقط رفع حاجبيه بمكر، ليزيد استفزازها. أما هدى، فهزّت رأسها باستسلام وهي تتابع مشاغبات ابنها وزوجته، تشعر بالدفء الذي افتقدته في المستشفى.
جلست العائلة تدردش قليلا وفي لحظة صمت قصير نظرت هدى إلى ريم بتأمل، ثم قالت بلطف: "أنا عمري ما شوفتك بتخرجي مع أصحابك، لازم يبقى عندك صحاب يا بنتي، مش معقول تفضلي كده طول الوقت جوه البيت."
ابتسمت ريم بحب وهي تمسك يد هدى برفق: "وانتي مش صاحبتي؟ مش محتاجة حد تاني طالما انتي معايا."
هزّت هدى رأسها بضيق خفيف، ثم قالت بجدية: "يا حبيبتي، أنا مش هفضل لك على طول."
قطبت ريم حاجبيها فورًا، ووضعت يدها على فم هدى بسرعة: "بعد الشر عليكِ! متقوليش الكلام ده تاني."
ضحكت هدى بخفة ومسحت على رأس ريم، ابتسمت ريم وهي تنهض لتجلب الأدوات، ثم نظرت إلى هدى وقالت بحنان: "يلا يا ماما، جه وقت الحقنة."
تنهدت هدى بتذمر خفيف: "مش ممكن تأجليها شوية؟"
ضحكت ريم وهزّت رأسها: "اتفقنا قبل كده إننا مش هنأجل العلاج، وبعدين أنا بقيت شاطرة فيها خلاص، مش هتحسي بحاجة."
منذ سنوات، كانت ريم تتعلم كل ما يتعلق بالإسعافات الأولية من جارتهم المسنة التي كانت تعمل ممرضة سابقًا، فقط لتكون قادرة على العناية بهدى. لم يكن الأمر سهلًا، لكنها صممت على إتقان كل شيء، لأن هدى كانت بمثابة عائلتها الوحيدة.
أخذت ريم الحقنة برفق، ثم جلست بجانب هدى وأمسكت يدها بحنان: "متقلقيش، هخلصها بسرعة."
نظرت هدى إليها بابتسامة فخورة: "أنتِ بنتي اللي بجد، ربنا يخليكِ ليا."
أكملت ريم مهمتها بحرص، بينما كان جاد يشاهد من بعيد، يشعر مرة أخرى بأن قراره بالزواج منها لم يكن فقط لحمايتها، بل لأنها بالفعل أصبحت جزءًا لا يتجزأ من حياته وحياة والدته.
.
طرق الباب فجأة، فتحت ريم لتجد فريدة واقفة هناك، بابتسامتها الودودة التي لم تطمئن لها ريم أبدًا.
"ممكن أدخل؟" سألت بنبرة هادئة، ثم دون انتظار إذن، خطت إلى الداخل متجهة مباشرة نحو هدى، متجاهلة ريم تمامًا.
جلست بجوار هدى وأمسكت يدها بقلق مصطنع: "أنا كنت قلقة عليكي جدًا، أول ما عرفت إنك تعبتي كان نفسي أزورك بس..." توقفت قليلاً وكأنها تبحث عن عذر مناسب، ثم أكملت: "بس قلت يمكن بتحتاجي راحة، فمجتش على طول."
كانت ريم تراقب المشهد بضيق، لم تستطع منع نفسها من التمتمة بصوت مسموع: "لو كنتِ قلقانة بجد، كنتِ زورتيها في المستشفى."
ساد الصمت للحظات، نظرت فريدة إليها بابتسامة باردة، بينما التفتت هدى نحو ريم بحاجبين مرفوعين. أما جاد، فكان يقف بالقرب منهما، وقد بدا على ملامحه أنه سمع ما قالته ريم.
شعرت ريم بالإحراج للحظة، لكنها لم تندم على كلماتها، خاصة عندما لاحظت نظرة فريدة التي تحولت للحظة إلى شيء أشبه بالتحدي قبل أن تعود لابتسامتها المعتادة.
.
يتبع
معلش هى الأحداث روتينية شوية بس الفصول الجاية حا يحصل شوية تشويق أن شآء الله