سم حبك - بداية - بقلم Nona5 | روايتك

اسم الرواية: سم حبك
المؤلف / الكاتب: Nona5
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: بداية

بداية

يوم إعلان النتيجة، كانت ريم تجلس على الأرض في غرفة المعيشة، هاتفها بين يديها ويديها ترتجفان قليلًا. ضغطت على الشاشة لتظهر النتيجة أمامها… 94.5%. فتحت عينيها على اتساعهما، غير مصدقة، قبل أن ترفع رأسها بسرعة وتنظر إلى هدى، التي كانت تراقبها بترقب. "الحمد لله! جبت 94.5%!" صرخت ريم بفرحة طفولية، ففتحت هدى ذراعيها بسرعة لتضمها، تقول بسعادة: "بنتي شاطرة، كنت عارفة إنك هتجيبي مجموع عالي!" دخل جاد في اللحظة دي، وهو يفك أزرار قميصه بتعب، لكن بمجرد ما سمع صوت هدى وريم، توقف وقال باستغراب: "إيه الهُليلة دي؟" التفتت إليه ريم بسرعة، عينيها تلمعان، ثم رفعت يديها في الهواء بحماس وقالت: "جاد! جبت 94.5%! نجحت!" نظر إليها لثانية قبل ما يبتسم بخفة، اقترَب منها وربّت على رأسها بحنان وهو يقول: "كنت عارف إنك قدها، مبروك يا دكتورة." احمر وجهها من كلماته، بينما ضحكت هدى بسعادة، ثم قالت بحماس: "لازم نحتفل! النهاردة عزومة على جاد، صح يا جاد؟" رفع حاجبه بتسلية، ثم هز رأسه قائلاً: "ماشي، طالما ريم نجحت، يبقى تستاهل احتفال كبير." ضحكت ريم بسعادة، وهي تشعر لأول مرة أن كل تعبها لم يذهب هباءً، وأنها حقًا صنعت شيئًا يفتخر به الجميع. كان الاحتفال بسيطًا لكنه مليء بالسعادة، صوت ضحكاتهم يملأ المكان، وهدى كانت مشغولة بتحضير الحلوى بينما ريم تتناول قطعة من الكعك بسعادة. لكن وسط هذه الأجواء، نظر جاد إليها فجأة وسأل بهدوء: "طب قوليلنا… فكرتي هتدخلي أي جامعة؟" توقفت ريم للحظة، ترددت قليلًا قبل أن تبتسم وتقول بصوت هادئ: "مش عارفة…" ساد الصمت للحظة، ثم تبادل جاد وهدى النظرات. سرعان ما بدأ كل منهما يقترح أسماء جامعات مختلفة، جاد كان يتحدث بثقة: "طب إيه رأيك في جامعة القاهرة؟ قوية جدًا، ومستواها ممتاز." هدى أضافت بحماس: "أو الجامعة القريبة من هنا، مش هتتعبي في المواصلات." لكن ريم ظلت صامتة، تنظر إلى طبقها وكأنها تفكر بشيء آخر. وبعد لحظات، رفعت رأسها وقالت بصوت هادئ يحمل مسحة من الحزن: "هفكر في الموضوع…" لاحظ جاد التغير في نبرتها، كيف أن عينيها فقدتا بريقهما قليلاً. لم يقل شيئًا في اللحظة ذاتها، لكنه قرر أن الأمر لا يمكن أن يمر دون أن يفهم السبب وراء هذا التردد. كان جاد يجلس على طرف سريره، ينظر لبعض الأوراق في يده عندما سمع طرقًا خفيفًا على الباب. رفع رأسه، مستغربًا، قبل أن يقول بصوت منخفض: "ادخلي." تسللت ريم إلى الداخل بخطوات حذرة، أغلقت الباب خلفها بهدوء، ثم وقفت مترددة، تعبث بأطراف كمّ قميصها. رفع جاد حاجبه وهو يراقبها، ثم أشار لها أن تقترب. "في إيه، يا ريم؟" تقدمت قليلاً، ثم همست: "أنا… أنا مش عايزة أروح الجامعة." وضع جاد الأوراق جانبًا، عقد ذراعيه أمام صدره ونظر إليها بتمعن قبل أن يسأل بهدوء: "ليه؟" لم تجب فورًا، وكأنها تحاول ترتيب كلماتها، ثم قالت بصوت خافت: "مش حاسة إنها ليّا… وبعدين، مصاريفها كبيرة، وإحنا… إحنا مش ناقصنا حمل زيادة." ظل جاد ينظر إليها للحظات قبل أن يتنهد، مرر يده في شعره وقال بنبرة أقرب للجدية: "ريم، إحنا مش هناقش موضوع الفلوس، دي حاجة تخصني أنا، فاهمة؟" ترددت للحظة، لكن قبل أن تجادله، أكمل بهدوء: "بس عايز أعرف… أنتِ فعلًا مش عايزة الجامعة، ولا خايفة إنها تكون عبء علينا؟" ارتبكت ريم، لم تعرف ماذا تقول، لكنها كانت تعلم أن جاد لا يترك الأمور تمر مرور الكرام، وكان من الواضح أنه لن يقبل إجابة غير صادقة. نظرت ريم إلى الأرض، ثم رفعت عينيها ببطء لتلتقي بعينيه، وقالت بصوت خافت، وكأنها تعترف بخوفها: "أنا خايفة، خايفة من الجامعة، مش قادرة أتخيل نفسي هتعب فيها وأسيب ماما هدى لوحدها. هي محتاجالي. الجامعة هتكون مرهقة ومش هقدر أوازن بين الدراسة والبيت." هدأت قليلاً قبل أن تضيف: "أعتقد كفاية عليا شهادة الثانوية، مفيش حاجة أكتر من كده. مش كل الناس لازم تكمل في الجامعة عشان تكون ناجحة." ابتسم جاد بلطف، ثم جلس على حافة السرير وأشار لها أن تجلس بجانبه. كان هناك شيء في نبرة صوتها جعل قلبه يوجع قليلاً، لكنه أراد أن يفهم حقيقة مشاعرها. "ريم، أنا عارف إنك مش هتسيبي ماما هدى، لكن مش لازم تظني إن الجامعة هتأخذك منها. في النهاية، ماما هدى هي أمك، وهي أكيد هتكون فخورة بيكي مهما قررت. لو كنتِ حابة تكملي، إحنا هنتصرف مع بعض. ولو مش حابة، ده برضه قرارك." أخذ نفسًا عميقًا، ثم تابع: "لكن عايزك تعرفي إنك لو قررتي تكملي، هنبقى دايمًا جنبك." لم تقل ريم شيئًا في البداية، ولكن كلمات جاد جعلتها تشعر بالراحة قليلًا. كان واضحًا أنه يحترم قرارها ويقدر مشاعرها. كان الجو هادئًا في المنزل، وتهوئة خفيفة تملأ المكان. ريم كانت مشغولة بترتيب بعض الأشياء في غرفتها. اليوم ليس يومًا عاديًا، بل هو يوم مختلف تمامًا بالنسبة لها. فقد أكملت اليوم ثامن عشر عامًا لم يكن لديها تاريخ ميلاد حقيقي، فقد نشأت في الميتم، وعاشت هناك منذ كانت في الـ13 من عمرها، ولكن جاد وهدى قررا أن يكون يوم اليوم هو تاريخ ميلادها. يوم بدءها في العيش معهم، يوم دخولها إلى حياتهم بشكل دائم. في تلك اللحظة، دخلت هدى إلى غرفتها، مبتسمة، وحملها حديثًا دافئًا. "ريم، عايزة تجي معانا في المطبخ؟ خلاص قربنا نحتفل." ابتسمت ريم برقة وأجابتها: "أكيد، ماما." دخلت ريم مع هدى إلى المطبخ، حيث كان جاد قد بدأ في إعداد الطعام الخفيف. كان الجو مليئًا بالضحك والحديث بين الثلاثة، وكان اليوم يبدو مختلفًا تمامًا عن أي يوم آخر. "ريم، عايز أقولك حاجة." قال جاد وهو ينظر إليها بنظرة حانية. "إيه يا جاد؟" "أنا مبسوط جدًا إنك جزء من عائلتنا." كانت عيون ريم تلمع بشدة من الفرح والتأثر . شعرت بأمان وحب لم تشعر به من قبل، وتلك اللحظة كانت كافية لها لتعرف أن حياتها قد تغيرت للأفضل. "أنا كمان مبسوطة، ومش هقدر أوصف لك قد إيه أنا ممتنة انك دخلتي بتنا." ثم أضافت هدى وهي تضع يديها على قلبها: "كل سنة وأنتِ طيبة، يا بنتي." أكملوا احتفالهم معًا، وامتلأت الأجواء بالفرح، والاحتفال بيوم بداية جديدة في حياة ريم.