حبها
بينما كانت ريم تغسل الأطباق، شعر جاد برغبة في مضايقتها قليلاً ليكسر روتين اليوم. اقترب منها من خلفها ببطء، ثم وضع يده على كتفها برفق، ما جعل ريم تشعر بشيء من التوتر.
حاولت التهرب قليلاً وقالت في خجل:
"إنت… صليت العشاء؟"
أجاب جاد وهو يبتسم بخفّة:
"أيوه، صليت." ثم أضاف وهو يقترب منها أكثر:
"لكن مش هينفع تتهربي مني، إحنا خلاص متجوزين، ملامستنا دي حاجة طبيعية."
ابتسم جاد بخبث وهو يلاحظ توتر ريم، لكنه كان يحب أن يراها بهذه الطريقة، خجولة، جميلة في بساطتها.
لكن فجأة دخلت هدى إلى المطبخ، وصوتها كان واضحًا عندما صاحت في ابنها:
" جاد احنا قلنا إيه؟"
رفع جاد يديه بإستسلام ثم خرج من المطبخ بينما يتمتم
" يادي الرقابة "
ضحكت هدى ترد بصوت عالي
"سامعاك على فكرة"
ابتسمت ريم بخجل تكمل بقية الغسيلبعد الموقف في المطبخ، شعرت ريم بالكثير من الخجل، خاصة مع نظرات جاد التي لم تتوقف عن ملاحقتها طوال الوقت. حاولت تجاهله وهي تساعد هدى في ترتيب المكان، ثم قالت بسرعة:
"يلا نروح ننام ياماما"
نظر إليها جاد بعيون نصف مغلقة وكأنه غير راضٍ عن قرارها، ثم قال بنبرة متذمرة:
"وبالنسبة لكيس الجوافة الي هنا دا ؟"
أجابت ريم بسرعة وهي تمسك يد هدى بحنان:
"أنا متعودة أنام مع ماما، وبعدين كده كده عندك شغل بدري الصبح."
تنهد جاد وهو ينظر إليهما، ثم رفع يديه باستسلام:
"ماشي، بس بكرة الوضع هيبقى غير كده."
ضحكت هدى وربّتت على كتف ابنها قائلة:
"نام يا سي جاد، بكرة نشوف إيه اللي هيحصل."
دخلت ريم إلى غرفة هدى، واحتضنتها كما تفعل كل ليلة، تشعر بالأمان والراحة بجانبها. أما جاد، فبقي في غرفته بمفرده، يتأمل السقف وهو يخطط في رأسه كيف سيجعل ريم تعتاد عليه أكثر، فبالنهاية… هي زوجته، ولن يتركها تتهرب منه للأبد.
بينما كانت ريم مستلقية بجانب هدى، استدارت نحوها وهمست برجاء:
"ماما، بلاش تقولي لجاد حاجة عن موضوع الشنطة، خلاص قررت أصلّح الشنطة القديمة وهتبقى تمام."
نظرت إليها هدى بحنان وربّتت على رأسها، ثم قالت بصوت هادئ:
"بس يا حبيبتي، ليه تتعبي نفسك وإنتي عارفة إنه مش هيبخل عليكي بحاجة؟"
أخفضت ريم عينيها وقالت بصوت خافت:
"عارفة، بس هو عنده مسؤوليات كتير، مش عايزة أحمله أكتر… أنا هتصرف."
تنهدت هدى وهي تشعر بمزيج من الفخر والحزن تجاه تفكير ريم، ثم ابتسمت وقالت:
"زي ما تحبي يا حبيبتي… بس لو احتجتي أي حاجة، متخبيش عني، مفهوم؟"
أومأت ريم برأسها وهي تشعر بالراحة قليلاً، ثم أغلقت عينيها استعدادًا للنوم، بينما كانت هدى تعلم جيدًا أن جاد لن يترك الأمر يمر مرور الكرام.
في هدوء الليل، بينما كانت ريم مستلقية بجوار هدى، استدارت قليلاً، تفكر في كل ما مرت به منذ أن جاءت إلى هذا المنزل. لم تكن تتخيل يومًا أنها ستجد مكانًا دافئًا كهذا، بعد أن عاشت طفولة قاسية في الميتم، حيث لم تكن المعاملة جيدة أبدًا.
كانت في الثالثة عشرة من عمرها عندما قررت الهرب، لم تعد قادرة على تحمل القسوة التي تعرضت لها هناك. بلا وجهة أو أمل، وجدت نفسها أمام منزل هدى، المرأة الطيبة التي لم تتردد في استقبالها رغم كل شيء. كانت تعيش مع ابنها جاد، الذي كان حينها شابًا في الرابعة والعشرين، يتحمل مسؤولية المنزل بعد وفاة والده حين كان في الخامسة عشرة من عمره.
جاد لم يكن مجرد رجل مسؤول، كان حامياً لها منذ اللحظة الأولى، ورغم فارق السن بينهما، لم يشعرها يومًا بأنها غريبة عنهم. لكن مع مرور الوقت، بدأت الألسنة تتحدث، وبدأت نظرات الناس تتغير، مما دفعه لاتخاذ قرار لم يكن سهلاً… الزواج منها، حتى يحميها من أي كلام جارح قد يمسها.
لكن زواجهما لم يكن تقليديًا، فجاد لم يتزوجها بدافع الشفقة فقط، بل لأنه كان يحمل لها مشاعر لم يرد الاعتراف بها بسهولة. ومع ذلك، وضع شرطًا واضحًا أمام نفسه وأمام والدته… لن يلمسها حتى تكمل الثامنة عشرة.
وهكذا، أصبحت ريم زوجته، لكنها في نظره لا تزال تلك الفتاة الصغيرة التي تحتاج إلى حماية، رغم أنها بدأت تكبر أمام عينيه يومًا بعد يوم. أما هو، فكان ينتظر بصبر اللحظة التي تصبح فيها مستعدة لأن تكون زوجته بحق، لا فقط بسبب ورقة زواج تحميها من كلام الناس.
دخل جاد إلى المنزل متأخرًا ذلك اليوم، كانت الساعة قد تجاوزت المعتاد، لكنه لم يكن عائدًا خالي اليدين. خلف ظهره، كان يحمل شيئًا حرص على إخفائه جيدًا. لمح والدته جالسة في غرفة المعيشة، فأشار لها بالصمت بابتسامة خفيفة، ثم اتجه نحو غرفة ريم.
وقف أمام الباب، وطرقه بهدوء. من الداخل، كانت ريم جالسة على الأرض، منشغلة بترميم حقيبتها القديمة، تحاول إصلاح التمزقات بيديها الصغيرتين وكأنها تريد أن تمنحها حياة جديدة. عندما سمعت طرق الباب، رفعت رأسها بسرعة، رأت جاد واقفًا هناك، فابتسمت بخفة وأخفت الحقيبة خلفها بشكل عفوي.
"اتأخرت النهاردة." قالت بصوت هادئ، وكأنها تحاول ألا تظهر قلقها.
نظر إليها جاد قليلاً قبل أن يدخل، عيناه تراقبان محاولتها لإخفاء الحقيبة، لكنه لم يعلق على الأمر مباشرةً. ابتسم بمكر، ثم قال:
"عارفة… بس كان عندي حاجة مهمة لازم أعملها."
تقدّم خطوة، ولا يزال يخفي الشيء الذي يحمله خلف ظهره. ريم نظرت له بحيرة، ثم سألت:
"إيه الحاجة المهمة دي؟"
اقترب جاد أكثر، ثم فجأة مد يده أمامها… ليكشف عن حقيبة مدرسية جديدة تمامًا، أنيقة وقوية، بلونها المفضل.
"دي ليكي." قال ببساطة، وكأنه يمنحها شيئًا عاديًا، لكن في صوته كان هناك دفء خاص.
نظرت ريم إلى الحقيبة، ثم إلى جاد، ثم عادت تنظر للحقيبة مرة أخرى. كانت كلماتها قد تجمدت في حلقها، لم تكن تعرف ماذا تقول.
بسرعة، وكأنها تحاول إثبات نقطة ما، أخرجت ريم حقيبتها القديمة من خلفها، ممسكة بها بحرص وكأنها كنز ثمين. نظرت إلى جاد بعناد طفولي وقالت بسرعة:
"بص، عندي شنطة خلاص، مش محتاجة الجديدة."
جاد رفع حاجبه قليلًا وهو يراها تتمسك بحقيبتها القديمة الممزقة، ثم نظر إليها بنظرة هادئة قبل أن يقول بنبرة أقرب للمزاح:
"ريم… إنتي فعلاً بتقارني دي…" أشار إلى الحقيبة القديمة التي بالكاد تم إصلاحها، ثم ر
فع الحقيبة الجديدة وأضاف: "بدي؟"
هزّت ريم رأسها بإصرار وقالت:
"بس دي لسة تنفع، شوفت؟ خيطت الحتة اللي كانت مقطوعة، وبقيت كويسة."
تنهد جاد، ثم جلس على طرف السرير وهو يضع الحقيبة الجديدة بجواره، نظر إليها نظرة عميقة قبل أن يقول بصوت منخفض لكنه جاد:
"ريم، ليه بتصعّبي الحاجات على نفسك؟ أنا جوزك، ومسؤول عنك، يعني لو عايزة حاجة أو حتى مش عايزة، لو أنا شايف إنك محتاجاها، هاجبهالك. فاهمة؟"
ريم شعرت بحرارة كلماته، لكنها ما زالت مترددة، لم تكن تحب أن تكون عبئًا عليه. همست بخجل:
"بس… إنت عندك حاجات كتير تتحملها، مش لازم…"
قاطعهها جاد وهو يميل للأمام قليلًا، صوته كان ثابتًا لكنه لطيف:
"وأنا لما قررت أتجوزك، كنت عارف أنا بعمل إيه، وعارف أنا مسؤول عن مين. ريم، دي مش مجرد شنطة، دي حاجة بسيطة أنا جايبها عشانك، فبلاش تتعبي نفسك بحاجات زي دي."
نظرت ريم للحقيبة الجديدة مرة أخرى، ثم عادت تنظر إلى حقيبتها القديمة، وكأنها تحاول اتخاذ قرار. أما هدى، التي كانت تستمع بصمت من بعيد، ابتسمت بخفة وهي تهز رأسها، تدرك أن جاد يعرف جيدًا كيف يتعامل مع زوجته الصغيرة.
مدّ جاد يده وفتح الحقيبة الجديدة بهدوء، ليكشف عن مجموعة من الدفاتر الجديدة مرتبة بعناية داخلها. نظر إلى ريم، التي كانت تراقب ما يفعله باندهاش، ثم قال بنبرة هادئة ولكنها محملة بالمعنى:
"أنا أصلاً كنت رايح أجيب الدفاتر، ولما شوفت الشنطة دي، قلت بدل ما أجيب حاجات ناقصة، أجيب كل حاجة مع بعض."
نظرت ريم إلى الدفاتر، ثم إلى جاد، ثم عادت للحقيبة القديمة التي كانت تحملها. شعرت بموجة من الدفء تسري في قلبها، ليس فقط بسبب الحقيبة أو الدفاتر، بل لأنه فكر فيها دون أن تطلب، دون أن تضطر لأن تشرح أو تبرر.
لم تجد ما تقوله، فبقيت صامتة وهي تحدق في الحقيبة الجديدة، بينما جاد رفع إحدى الدفاتر ولوّح به أمامها قائلاً بمزاح:
"ولا إيه؟ ناوية تذاكري في ورق جرنال السنة دي؟"
ضحكت ريم بخفة رغم أنها ما زالت تشعر ببعض الحرج، ثم همست بصوت خافت:
"شكراً، بس بجد مكنش لازم..."
قبل أن تكمل، قاطعها جاد وهو يضع الدفاتر في الحقيبة مجددًا ويغلقها:
"ريم… مش عايز أسمع الكلمة دي تاني، أي حاجة تحتاجيها، أنا هنا. فاهمة؟"
هزّت رأسها بهدوء، وابتسامة صغيرة بدأت تظهر على شفتيها دنى جاد بقربها ثم نقر بإصبعه على خده
"ممكن تشكريني كدا "
نظرت ريم له بدهشة وتجمدت مكانها لتسمع صوته مجدداً.
" ولا أروح وأنا زعلان منك؟"
نفت برأسها بسرعة ثم طبعت قبلة صغيرة على خده بينما كانت تريد الانفجار من الخجل.
ربت فوق رأسها ثم بينما يضحك .
"ايوة كدا شطورة"
.
.
.
مرت الأيام سريعًا، وأصبحت ريم في ثالثة ثانوي – الفصل العلمي. لم يتبقَ سوى أيام قليلة لتكمل الثامنة عشرة، لكنها لم تكن تشعر بالحماس… بل بالخوف.
ماذا سيحدث بعد ذلك؟ هل سيتغير كل شيء؟ هل كان جاد فقط يتحمل مسؤوليتها حتى تكبر، ثم سيتركها؟ ربما سيعتبر أن دوره انتهى، ويقرر تطليقها لتعيش حياتها مع شخص آخر… شخص يختاره لها؟
لم تستطع منع هذه الأفكار من التسلل إلى عقلها، وكلما اقترب موعد عيد ميلادها، زاد قلقها.
في أحد أيام العطلة، بينما كانت ريم منشغلة ببعض الأعمال المنزلية، سمعت طرقًا على الباب. مسحت يديها بسرعة وتوجهت لفتحه، لكنها لم تكن تتوقع ما رأته.
أمامها وقفت امرأة أقل ما يقال عنها إنها جميلة، ذات ملامح أنيقة وثقة واضحة في وقفتها. نظرت إلى ريم للحظات، وكأنها تقيّمها بنظرة عابرة، ثم دون أن تنبس بكلمة، دخلت إلى المنزل دون استئذان، وكأنها تعرف المكان جيدًا.
وقفت ريم في مكانها للحظة، تشعر بالارتباك من تصرف المرأة، قبل أن تغلق الباب ببطء وتلتفت إليها بحذر.
دخلت المرأة بثقة، ثم توجهت مباشرة نحو هدى، وانحنت قليلًا لتسلم عليها بحرارة قائلة بابتسامة:
"إزيك يا حماتي؟ وحشتيني بجد."
ريم، التي كانت ما تزال واقفة عند الباب، تجمدت في مكانها. عيناها اتسعتا بصدمة وهي تستوعب الكلمة التي خرجت من فم المرأة… حماتي؟
نظرت بسرعة إلى هدى، التي بدت هادئة ولكن ملامحها حملت شيئًا غامضًا. بينما المرأة جلست براحة على الأريكة وكأنها في بيتها، تاركة وراءها تساؤلات كثيرة بدأت تتجمع في رأس ريم.
في اللحظة التي خرج فيها جاد من غرفته، نهضت المرأة فورًا وابتسمت بسعادة وهي تتجه نحوه.
"حبيبي! وحشتني !"
قالتها بصوت ناعم وهي تفتح ذراعيها كما لو أنها على وشك معانقته.
ريم وقفت متجمدة، قلبها ينبض بسرعة، وعقلها يرفض تصديق ما تسمعه. نظرت إلى جاد بترقب، تنتظر رده، بينما هدى ظلت تراقب المشهد بصمت، ملامحها بلا تعبير واضح.
تجمدت ابتسامة فريدة للحظة عندما رأت جاد يبتعد عنها بخطوة سريعة، ملامحه باردة وعينيه تحملان نفورًا واضحًا.
"بتعملي هنا إيه، يا فريدة؟"
قالها جاد بنبرة حادة، عاقدًا ذراعيه أمام صدره.
فريدة لم تفقد ثقتها، بل ابتسمت بخفة وأجابت بصوت ناعم:
"إيه الأسلوب ده بس؟ مش معقول تستقبلني كده بعد كل السنين دي."
ريم، التي كانت تراقب المشهد بصمت، شعرت بتوتر شديد، ولم تستطع منع نفسها من التساؤل… من تكون هذه المرأة بالضبط؟ ولماذا تنادي جاد "حبيبي"؟
نظر جاد إلى فريدة ببرود واضح، عينيه خاليتان من أي دفء وهو يقول بحزم:
"مفيش حاجة تخليكي هنا،… اتفضلي امشي."
ارتفعت حاجباها بدهشة، لكنها سرعان ما استعادت هدوءها وابتسمت بخفة، وكأنها لم تتأثر بكلماته.
"شكلك مشغول دلوقتي، مش هضغط عليك… بس أنا راجعة قريب، وحبقى مستنية منك رد."
قالتها بنبرة واثقة قبل أن تلقي نظرة خاطفة على ريم، وكأنها تلاحظ وجودها لأول مرة، ثم استدارت وغادرت بخطوات ثابتة.
بقيت ريم واقفة مكانها، تشعر بارتباك شديد،ما إن أُغلِق الباب خلف فريدة، حتى تحركت ريم بسرعة، متجهة إلى غرفتها دون أن تنطق بكلمة، متحججة بصوت منخفض:
"عندي واجب لازم أخلصه."
لكن خطواتها المتسرعة كشفت ارتباكها، وعندما كادت تغلق الباب خلفها، أوقفها جاد بصوته الحازم:
"ريم."
تجمدت في مكانها للحظة، قبل أن تلتفت إليه ببطء. كان واقفًا عند باب غرفتها، ينظر إليها بتركيز، كأنه يحاول قراءة ما يدور في رأسها.
ثم، دون أن يترك لها فرصة للهروب، دخل وراءها وأغلق الباب بهدوء.
جلس جاد على طرف السرير، ينظر إلى ريم التي وقفت مكانها بتوتر. أسند ظهره للحائط وأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يقول بهدوء:
"تعالي، هاحكيلك حكاية."
نظرت إليه بريبة، لكنها لم تعترض. ظل صوته هادئًا وهو يتحدث:
"كان فيه ولد وبنت جيران، عرفوا بعض من الطفولة. كبروا سوا، ضحكوا وبكوا، لحد ما بقى بينهم حاجة مميزة…أو على الأقل هو كان فاكر كده."
سكت للحظة، عيناه صارتا أكثر ظلمة، ثم تابع:
"كبروا، وقرر الولد إنه يتعب ويشتغل عشان يقدر يبني مستقبل ليهم هما الاتنين. كان مستعد يعمل أي حاجة عشانها… بس أول ما جه أول عريس معا فلوس، البنت نسيت كل حاجة وتخلت عنه، من غير حتى ما تبص وراها."
ابتسم جاد ابتسامة خفيفة لكنها كانت تحمل الكثير من المعاني، ثم أكمل بصوت هادئ:
"بس الحال اتغير دلوقتي… الولد ده عنده أجمل زوجة في الدنيا، حد بيحبه بجد وبإخلاص، مش علشان فلوسه ولا مستقبله، بس علشانه هو."
نظر إلى ريم نظرة ثابتة، وكأنه يؤكد على كلماته، ثم تابع بهدوء:
"وهو مش طالب أكتر من كده."
شعرت ريم بحرارة في وجهها، قلبها ينبض بسرعة، وكأنها سمعت للتو اعترافًا غير مباشر بمكانتها في حياته. لم تعرف بماذا ترد، لكنها شعرت لأول مرة أن خوفها من أن يتركها كان مجرد وهم… لأنه، وبكل بساطة، اختارها هي.
نظرت إليه ريم بعينين مترددتين قبل أن تهمس بصوت خافت:
"أنا مش عايزة أبقى عبء عليك."
ضحك جاد بخفة، هز رأسه وكأن كلامها لا يصدقه، ثم مال نحوها قليلًا وقال بنبرة دافئة:
"إنتي عبء؟ ده أنا بتمنى الإزعاج ده… بطة صغيرة بتجري هنا وهناك، قصيرة بس مليانة طاقة… إنتي اللي ضفتي حياة للشقة دي، يا ريم."
شعرت ريم بحرارة وجهها تزداد، خفضت عينيها تحاول إخفاء ارتباكها، بينما جاد كان ينظر إليها بمزيج من الحنان والتسلية. ثم، وكأنه لم يقل شيئًا مؤثرًا منذ لحظات، ربت على رأسها بخفة وقال بابتسامة جانبية:
"ويلا بقى، كفاية تهرب… مش كان عندك واجب؟"
ضحكت ريم بخجل، وهزت رأسها، ثم أسرعت لتفتح دفترها، تحاول التركيز فيه، بينما ظل جاد ينظر إليها للحظات قبل أن يغادر الغرفة، تاركًا خلفه قلبها ينبض بطريقة لم تعهدها من قبل.
يوم إعلان النتيجة، كانت ريم تجلس على الأرض في غرفة المعيشة، هاتفها بين يديها ويديها ترتجفان قليلًا. ضغطت على الشاشة لتظهر النتيجة أمامها… 94.5%.
فتحت عينيها على اتساعهما، غير مصدقة، قبل أن ترفع رأسها بسرعة وتنظر إلى هدى، التي كانت تراقبها بترقب.
"الحمد لله! جبت 94.5%!"
صرخت ريم بفرحة طفولية، ففتحت هدى ذراعيها بسرعة لتضمها، تقول بسعادة:
"بنتي شاطرة، كنت عارفة إنك هتجيبي مجموع عالي!"
دخل جاد في اللحظة دي، وهو يفك أزرار قميصه بتعب، لكن بمجرد ما سمع صوت هدى وريم، توقف وقال باستغراب:
"إيه الهُليلة دي؟"
التفتت إليه ريم بسرعة، عينيها تلمعان، ثم رفعت يديها في الهواء بحماس وقالت:
"جاد! جبت 94.5%! نجحت!"
نظر إليها لثانية قبل ما يبتسم بخفة، اقترَب منها وربّت على رأسها بحنان وهو يقول:
"كنت عارف إنك قدها، مبروك يا دكتورة."
احمر وجهها من كلماته، بينما ضحكت هدى بسعادة، ثم قالت بحماس:
"لازم نحتفل! النهاردة عزومة على جاد، صح يا جاد؟"
رفع حاجبه بتسلية، ثم هز رأسه قائلاً:
"ماشي، طالما ريم نجحت، يبقى تستاهل احتفال كبير."
ضحكت ريم بسعادة، وهي تشعر لأول مرة أن كل تعبها لم يذهب هباءً، وأنها حقًا صنعت شيئًا يفتخر به الجميع.