رماد النور
كانت سندس تحدق في ألسنة اللهب وهي تتصاعد أمامها، مشفى بأكمله ينهار، يبتلعه الحريق كما لو أنه لم يكن يومًا ملجأً للحياة. وقفت للحظات متجمدة، غير قادرة على استيعاب ما يحدث، وكأن الزمن قد توقف أمام هذا المشهد. كيف يمكن أن تُمحى كل تلك الأرواح التي قاتلت لإنقاذ غيرها في لحظة؟ كيف يمكن أن يتحول الأمل الذي زرعوه بين الجدران إلى رماد؟
لم تشعر بيد علي وهي تجذبها إلى الخلف إلا بعد أن اهتزت الأرض مجددًا بانفجار آخر، أصوات الصراخ تملأ المكان، وأجساد تتساقط بين الركام. كاد جسدها أن يسقط لولا أن علي أمسكها بقوة، صوته ينطلق وسط الفوضى: "سندس! علينا أن نتحرك، الآن!"
لكن سندس لم تتحرك، لم تكن قد استوعبت أن المشفى الذي أمضت فيه لياليها، الذي حمل إليه الجرحى بأمل ضعيف، قد صار جزءًا من هذا الجحيم. أين المرضى؟ أين الأطباء؟ هل نجا أحد؟ كانت رؤية هنا قبل دقائق فقط، أين هي الآن؟
صرخت سندس، صوتها يخرج مشبعًا بالهلع: "رؤية!"صرختها دبت الرعب بقلب علي لأجل أخته ولكن...
لم يكن هناك إجابة.
بدأت تتقدم نحو النيران، لكن يد علي شدتها بقوة أكبر، صوته ممتلئ بالغضب والخوف: "لا يمكنك الذهاب! سندفن جميعًا إن بقينا هنا!" قال جملته وهو يحدق بالمشفى آملا ألا تكون أخته من ضحايا هذا الانفجار .
كانت عيناهما تبحثان وسط الدخان، وسط الرماد الذي كان يتساقط كالمطر الأسود، لكنها لم تجد شيئًا سوى الخراب. ثم، وسط الدمار، سمعت أنينًا خافتًا، شهقة بالكاد تُسمع. جرت بسرعة نحو الصوت، ركعت بين الركام، وبدأت ترفع الحجارة بيدين مرتجفتين حتى رأت يدًا نحيلة، مضرجة بالدماء.
كانت رؤية.
وجهها مغطى بالغبار، شفتاها جافتان، وعيناها نصف مفتوحتين وكأنها تقاتل للبقاء واعية. ضغطت سندس على يدها بقوة، وكأن هذا وحده قد يبقيها على قيد الحياة. "رؤية! أنا هنا، لا تستسلمي!"
حاولت رؤية أن تتكلم، لكن الكلمات خرجت متقطعة: "أخي... هل هو بخير؟"
نظرت سندس إلى علي، الذي كان واقفًا خلفها، عينيه تعكسان ألمًا دفينًا. انحنى بجانب أخته، أمسك يدها الأخرى بلطف وقال بصوت هادئ لكنه عميق بالحزن: "أنا هنا، رؤية. لا تقلقي، ستعيشين."
لكن رؤية لم تكن بحاجة لكلماته لتعرف الحقيقة. كانت طبيبة، وتعلم جيدًا ما يعنيه الألم في صدرها، وكيف أن الدم الذي يتسلل من فمها ليس علامة جيدة. لم تكن تحتاج إلى جهاز طبي لتدرك أن النهاية تقترب.
ابتسمت رغم كل شيء، رغم الدموع التي تساقطت من عيني سندس، رغم يد علي التي كانت تضغط على يدها وكأنه يحاول أن يبقيها هنا بالقوة. همست بصوت متقطع، لكنه يحمل دفئًا لم تستطع الحرب أن تقتله: "علي... كنتُ أريد أن أرى تحرر بلادي، أن نكون سعداء أن يلعب أطفالنا مثل باقي أطفال العالم... علي واصلوا الحلم لأجلنا؟"
لم يعرف علي كيف يرد. كان دائمًا ذلك الرجل الصلب، الذي لا يسمح لمشاعره بالظهور، لكنه الآن لم يكن قادرًا على إخفاء الدموع التي تجمعت في عينيه.
"لا تتحدثي هكذا، ستعيشين، فقط تماسكي قليلا ، إن الله معنا يا رؤية."
لكنها لم تسمعه. كانت قد أغمضت عينيها ببطء، وكأنها تستسلم لهذا السلام الأخير.
صرخت سندس، هزّت جسدها بقوة: "رؤية! لا تذهبي!"
لكنها لم تعد تسمعها.
---
ظلّ المكان صامتًا للحظات، وكأن الحرب نفسها توقفت احترامًا لهذه الخسارة. سندس كانت جاثية على الأرض، رأسها منخفض، يدها لا تزال تمسك بيد رؤية التي بدأت تبرد شيئًا فشيئًا. لم تعرف متى بدأت تبكي، لكنها لم تستطع التوقف، دموعها امتزجت بالغبار والدم على وجهها، وكأنها انعكاس لكل الألم الذي عاشته غزة منذ الأزل.
أما علي، فقد كان واقفًا بصمت، عينيه لا تفارقان وجه أخته. لم يتحرك، لم يتكلم، لكنه شعر بشيء ما ينكسر في داخله، شيء لن يعود كما كان أبدًا.
وفي تلك اللحظة، أدركت سندس شيئًا واحدًا: في غزة، لا أحد يملك رفاهية الحزن. لا وقت للبكاء، لا وقت للحداد. الحرب لا تنتظر أحدًا، وعليهم أن ينهضوا.
مسحت دموعها بيد مرتجفة، نظرت إلى علي الذي كان لا يزال صامتًا، ثم همست بصوت بالكاد يُسمع: "يجب أن نرحل... قبل أن يعودوا."
رفع علي عينيه إليها، كانت نظرته خاوية، كأنها لا تحمل شيئًا سوى الفراغ. لكنه بعد لحظات، أومأ برأسه، ثم انحنى وحمل جسد أخته بين ذراعيه.
بينما كانا يسيران وسط الدمار، كانت سندس تعلم أن هذه الحرب لم تأخذ رؤية فقط. ليست رؤية أول من يستشهد ولكن كانت صديقتها هنا . أما علي فكان ألمه أكبر فقد خسر توا أخته . ولولا إيمانه بالله وقضيته لانهار ، لكن غزة لم تمنحه فرصة
في تلك اللحظة، توقف علي وسندس عند حافة حطام مبنى قديم تحول إلى موقع دفن مؤقت، حيث تُدفَن ذكريات لا تُحصى وأحبة لا يعود لهم صوت. جلس الاثنان على الأرض المتشققة بين الركام والدمار، وبينما كان الدخان يعلو والأنين يتداخل مع همسات الريح، استجمع علي شجاعته المكسورة واقترب من قبر رؤية. برفقٍ وكأنّه يُوَدّع حبيبةً تركت بصمتها في قلب المعركة، همس قائلاً:
"يا رؤية، إليكِ رحلتنا، وإلى جنان الخلود ننادي."
رفعت سندس يدها ورأت وردةً بسيطة تنبت وسط الأنقاض، تلك الهدية الصغيرة التي جمعها طفلٌ من بين بقايا ما كان يوماً حديقة، فوق القبر، رمزًا لوداعٍ مفعم بالألم والحنين. وبينما كانت الدموع تنساب بصمت، قال لها علي:
"لن تبقى ذكراها صامتة، سنحملها في قلوبنا إلى الأبد."
بعد هذا الوداع المرير، بدأ صوت الحياة ينادي من شوارع الدمار. كان سكان المنطقة يستعدون للنزوح متفقين أن يسافروا صباح البوم التالي فجرا كي لا يراهم العدو .
بينما بدأ الفجر يكسر سماء غزة المظلمة، انطلقت قافلة النازحين على الطرق المكسورة، تلك التي أثقلتها آثار الدمار والذكريات. كانت عربات النقل القديمة تتهادى ببطء على الطرق الوعرة، تحاول أن تحمل بين جنباتها آمالًا مثقلة بألم الفراق والوداع. وكل يحمل غزة بقلبه وسط صرخات الأرض التي لا تهدأ؛ طريقٌ يحمل بين ثناياه حكايات البؤس، ولكن أيضًا بصيصًا من الأمل.
على جانب الطريق، كانت المشاهد تتوالى بلا هوادة؛ أطفال يمسكون بيد آبائهم، وأمهات تنادي على صغارهن بأصواتٍ مكسورة، ووجوه شاحبة تتخبط بين الظلال والضوء الخافت. كان لكل خطوةٍ من تلك الرحلة قصة؛ قصة فقدان وألم، لكنها في الوقت ذاته قصة صمود وإصرار على البقاء.
تحدث علي بنبرة خافتة، تنمُّ عن عزمٍ لا ينكسر، قائلاً لسندس:
"انظري إلى هؤلاء الأطفال؛ رغم أن عيونهم تخفي وراءها حزنًا يفوق أعمارهم، إلا أنهم ما زالوا يبتسمون للحياة. إنهم زرعٌ صغير في تربة مكسورة، ومنهم نستلهم قوة الغد."
فابتسمت سندس برغم الجراح التي ما زالت تئن في قلبها، وأجابتها:
"علينا أن نحافظ على هذا النور، يا علي. سنزرع بذور الأمل في قلوبهم، وسنرسم من الآلام طريقًا لحياةٍ تستحق العودة إليها."
تمرُّ الساعات على هذا الطريق الطويل، وتتحول المشاهد إلى لوحات من الدمار؛ قرى مهجورة، بيوت مهدومة، وأماكن كانت يومًا تعج بالحياة الآن أصبحت شاهدة على رحلة الوداع. وفي إحدى الوقفات القصيرة، توقفت العربة عند منطقة واسعة على جانب الطريق، حيث امتدّ الدمار وكأن الأرض بأسرها تئن تحت وطأة الذكريات. كانت الشمس تتسلل عبر سحب الغبار، تنثر خيوطًا من الضوء الخافت على وجوه النازحين، لتمنحهم لحظات من الدفء رغم قسوة البرد والواقع.
وقف علي عند إحدى السيدات العجائز، التي جلست على حافة الطريق ممسكة بكيسٍ مهترئ، وتساءل عنها بصوتٍ مفعم بالحزن والرجاء:
"يا خالة، هل ما زلتي تؤمنين بأن الغد سيكون أجمل؟"
ابتسمت المرأة برفق، وأجابته بصوتٍ يختلط فيه الحنين بالحكمة:
"الوعد من الله، يا بني. لا تيأسوا، فحتى في أحلك الليالي يولد الفجر."
وبينما استأنفوا رحلتهم، مرت العربة بقرى يعلو صوت بكاء الأطفال وصراخ الآباء، مشهدٌ يوحي بأن الوطن قد تحول إلى لوحةٍ من الأحزان، إلا أن تلك الوجوه المرهقة كانت أيضًا مرآةً لإرادة لا تلين. تذكرت سندس بين هذه الوجوه تلك اللحظات التي قضتها في المستشفى، حيث كانت كل ثانية تعد نبض حياة. الآن، كل خطوة تقطعها على هذا الطريق كانت تحمل عبءَ العودة إلى الحياة، رغم كل الخيبات.
وفي إحدى المنعطفات الضيقة، تباطأت العربة لتجاوز حطام السيارات والأنقاض المتناثرة؛ كان الطريق محفوفًا بالمخاطر، حيث كل حجر وكل شظية تحكي قصة معركة مع الموت. وبينما كان علي يقود المركبة بحذر بالغ، نظرت إليه سندس بعيونٍ تملؤها الهموم والأمل معًا، فتهمس:
"ربما ليس الطريق إلى الأمان مفروشًا بالورود، لكننا سنجد فيه سبيلنا... من أجل رؤية، من أجل كل من فقدنا."
أومأ علي موافقًا، وفي تلك اللحظة بدا الصمت وكأنه وعدٌ بأن الألم لن يُطفئ شغف الحياة.
أخيرًا، وبعد مسافات طويلة من الرحيل، وصلت القافلة إلى المخيم المؤقت؛ معسكرٌ بسيط تحتضنُه خيامٌ متناثرة فوق أرضٍ مرت بتجارب الحرب، لكن في كل خيمة كان ينبض قلبٌ يتوق إلى بدء فصلٍ جديد. استقبلهم قائد المخيم بصوتٍ دافئ رغم ثقل المآسي:
"أهلاً بكم في ملاذ الأمل. هنا، سنعيد ترتيب أحلامنا معًا."
تحت ظلال تلك الخيام، وبين ضوء النار الخافت الذي يبدد برودة الليل، جلس علي وسندس مع النازحين؛ تبادلا نظراتٍ ملؤها الألم والعزيمة. جلسوا على حصيرةٍ قديمة، يستمعون إلى همسات الرياح التي تروي قصصًا من زمنٍ مضى، ويشاركهم كبار السن ذكريات الأيام التي كانت فيها غزة تفيض بالأمل.
وفي تلك اللحظات، كانت سندس تجد في عيون الأطفال لمحةً من الحياة، وفي كلمات النازحين شذراتٍ من المستقبل. أخذت تنظر إلى علي، وتهمس:
"لن ينكسر هذا الوطن ما دمتُ أحمله في قلبي."
فرد عليها علي بصوتٍ يحمل بين طياته وعدًا، "سنعود، سندس، سنعيد غزة كما نريدها؛ غدًا يكون لنا، ولأطفالنا."
استمرت الرحلة في قلب المخيم؛ رحلةٌ من الوداع والبداية، من الحزن والأمل، تحمل بين ثناياها تفاصيل كل خطوةٍ على هذا الطريق الطويل. وبينما كانت الليالي تمر ببطء، تلاشت أصوات الانفجارات شيئًا فشيئًا خلف جدران الخيام، بدأ الجميع يشيد بصمتٍ جديد، صمتٌ يملؤه الإيمان بأن الغد سيشرق من جديد، وأن من بين رماد الألم سينبت وردٌ لا يذبل.
وهكذا، وسط تفاصيل السفر والتشتت والرحيل، ظلَّ علي وسندس يمشيان جنبًا إلى جنب، حامِلين في قلبيهما ذكرى رؤية وبذور الأمل التي ستنبت يوماً ما في تربة جديدة، في وطنٍ ينتظر عودتهم إلى الحياة.