بداية الرحلة و شرارة الفتنة
حين صعدت مريانا وإيما إلى السفينة، كان قلباهما ينبضان كطبول الحرب، تتردد أصداؤهما في صدريهما كما لو كانا يحاولان كتم أنفاسهما في صمت البحر العميق. وقفتا تلهثان، تتبادلان النظرات بين بعضهما وبين الرجل الذي ساعدهما، والذي وقف عند طرف السفينة، يراقب الميناء بعينين حادتين كالصياد الذي يقيس المسافة بينه وبين فريسته الأخيرة.
بعد لحظات من الصمت، أدار رأسه نحو الفتاتين، ثم قال بصوت هادئ، لكنه يحمل ثقلًا خفيًا، قوة غير مرئية تنبثق من نبرته الواثقة:
"لقد كنتما محظوظتين. من أنتما؟"
تبادلت الفتاتان النظرات سريعًا. كانت مريانا لا تزال تحاول التقاط أنفاسها المتقطعة، بينما بدت إيما كحيوان بري متحفز للهروب في أي لحظة. عيناها تتحركان بسرعة، تقيسان المسافة بينهما وبين أي مكان يمكن أن يكون مخرجًا. لكن لم يكن هناك مفر. البحر أمامهما، والميناء خلفهما يعج بالمطاردين، رجال والد مريانا الذين يبحثون عنها كما يبحث الصياد عن طريدته الثمينة.
أجابت مريانا أخيرًا، بصوت حاولت أن تجعله ثابتًا، لكنه خرج بحذر، كمن يخشى أن ينكشف سره:
"أنا مريانا، وهذه إيما."
ابتسم الرجل، لكنه لم يقل شيئًا على الفور. كانت ابتسامته غامضة، ذلك النوع من الابتسامات التي تجعلك تتساءل إن كانت سخرية أم فضولًا أم مجرد قناع يخفي نواياه. أسند إحدى يديه على حبل السفينة، وأجاب بصوت لا يخلو من هدوء متعمد:
"أنا أسامر."
الاسم كان غريبًا على مريانا، لكنه حمل وقعًا مميزًا، كأنه اسم لم تسمعه من قبل، ومع ذلك، شعرت بأنه جزء من قصة تعرفها جيدًا. ردّدته في عقلها، تتذوق حروفه، وكأنها تحاول أن تفهم من يكون هذا الرجل. كانت عيناه سوداوان، عميقتان، كأعماق البحر الذي يحيط بهم، وحركاته تنم عن ثقة رجل يعرف كيف يتحكم في العاصفة.
نظر إليهما مرة أخرى، ثم قال، بصوت يحمل فضولًا أكثر منه شكًا:
"ما الذي جلبكما إلى سفينتي؟"
كانت إيما تراقبه بعينين ضيقتين. لم يعجبها هدوؤه، ولم تعجبها طريقته في الحديث، ذلك المزيج من السخرية واللامبالاة الذي جعلها تتوجس منه. لكنها لم تقل شيئًا، بل تركت لـمريانا مهمة الإجابة.
قالت مريانا بجدية، محاولة أن تبدو أكثر حزمًا مما تشعر به:
"نبحث عن مخرج."
ثم، بعد لحظة، وكأنها تريد أن توضح أكثر، أضافت بصوت أكثر صلابة:
"نهرب."
عندها فقط، تغير شيء في ملامح أسامر. لم يكن مفاجئًا، ولم يكن غاضبًا، بل بدا وكأنه فهم شيئًا لم تقله مريانا بعد. رفع زاوية فمه بابتسامة جانبية، وقال بنبرة هادئة، لكنها حملت معنى خفيًا لم تستطع مريانا تفسيره بعد:
"هرب؟ البحر مكان جيد للهاربين، لكنه قد يكون أيضًا سجنًا."
شعرت مريانا بقشعريرة تسري في جسدها، لكن لم يكن الوقت مناسبًا للتفكير في كلماته. تجاهلت الشعور، وتابعت الطريق الذي بدأته، دون أن تفكر في العواقب.
مع مرور الأيام، بدأت مريانا تقترب أكثر من أسامر. كان يحكي لها عن بلاده، عن المغرب، عن الأسواق التي تضج بالحياة، عن الأزقة الضيقة التي تفوح منها رائحة الشاي بالنعناع، عن المدن العتيقة التي تحتضن بين جدرانها أسرارًا لا تُحصى، وعن البحر الذي لم يخنه يومًا.
في إحدى الليالي، وبينما كانت السفينة تتهادى فوق المياه السوداء، همس لها وهو يحدق في الأفق:
"حين نصل إلى المغرب، ستعجبكِ البلاد. كل شيء هناك يشبه الحكايات."
كانت مريانا تبتسم، تستمع إليه كما لو كانت تشرب كلماته. في وجوده، شعرت بشيء لم تعهده من قبل... شعرت بالأمان. كان يشبه الرياح الحرة، لا ينتمي لأحد، لكنه قوي بما يكفي ليحمي نفسه، وليحميها أيضًا.
لكن إيما لم تكن ترى ما تراه مريانا. كانت تراقب أسامر بعينين حذرتين، وترى كيف تنجرف صديقتها أكثر فأكثر في عالمه. كانت ترى التحول، تلك الغشاوة التي بدأت تغطي عيني مريانا، وكأنها لم تعد ترى العالم كما هو.
في إحدى الليالي، حين كانتا وحدهما في زاوية السفينة، همست إيما بقلق:
"لا تثقي به كثيرًا."
نظرت إليها مريانا باستغراب، كأنها لم تسمعها جيدًا، ثم قالت بتردد:
"لماذا؟ إنه يساعدنا."
زفرت إيما بضيق، ثم نظرت نحو المكان الذي يقف فيه أسامر، قبل أن تعيد نظرها إلى مريانا وتقول بصوت منخفض لكنه محمل بالتحذير:
"هو يساعد نفسه أولًا، لا أحد يساعد الآخرين بلا مقابل في هذا البحر."
لكن مريانا لم تستمع. لأول مرة، شعرت أن إيما لا تفهم. هل كانت تغار؟ هل كانت تخشى أن تفقدها؟ لا، لا يمكن أن يكون الأمر كذلك. لكنها أيضًا لم تكن تستطيع تجاهل ذلك التوتر الذي بدأ ينمو بينهما.
لم تدرك وقتها أن البحر، رغم اتساعه، قد يكون أضيق من زنزانة، وأن بعض الرحلات، وإن بدت طريقًا إلى الحرية، قد تكون مجرد بداية لقيدٍ جديد.