ضباب سرمدي - همسات الغابة ونداء البحر - بقلم شيماء | روايتك

اسم الرواية: ضباب سرمدي
المؤلف / الكاتب: شيماء
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: همسات الغابة ونداء البحر

همسات الغابة ونداء البحر

––– كانت الأيام تمر في الكوخ المختبئ بين أحضان الغابة، كأنها لحظات مسروقة من الزمن، خالية من القيود والهموم التي لطالما أثقلت قلب مريانا. كانت الحياة هناك بسيطة، لكنها لأول مرة شعرت بأنها تنتمي لمكان ما، بأن أحدًا لم ينظر إليها كأنها لعنة يجب التخلص منها. إيما، بشخصيتها المشاكسة وروحها المرحة، كانت تبدو وكأنها تنتمي للغابة ذاتها، تتنقل بين الأشجار كما لو كانت أحد كائناتها، تخترق الصمت بنكاتها وضحكاتها الرنانة. لكن تحت هذه القشرة من الطيش، كانت تمتلك حكمة عميقة، عينين تريان أكثر مما تبدو عليهما. وذات مساء، بينما كانتا تسيران بين الأشجار الكثيفة، بحثًا عن التوت البري وبعض الأعشاب التي تجيد إيما استخدامها في طعامها، ظهرت أمامهما عجوز غامضة. كانت تمشي ببطء، مرتدية عباءة رمادية ممزقة، وشعرها الفضي يتطاير مع الريح كأطياف دخان. كانت عيناها المتعبة تخفي خلفهما أسرارًا لا تحصى، وكأنها تنظر إلى أعماق المرء قبل أن يتفوه بكلمة. "يا فتاتين،" قالت بصوت متشقق، محمل بحكمة السنين، "لقد رأيت أناسًا يطاردون الأشباح، يبحثون عن ظل فتاة هاربة، فتاة تحمل دمًا نصفه من البحر ونصفه من الأرض..." توقفت مريانا عن التنفس للحظة، شعرت وكأن قلبها قد تجمد في صدرها. لم يكن هناك مجال للشك، كانت تتحدث عنها. لم تكن قد مرت سوى أيام قليلة منذ أن غادرت منزلها، فكيف لا يبحث والدها على أثرها؟ رأت العجوز الرعب في عينيها، فأكملت بصوت محايد كأنها تحكي عن قدر لا مفر منه. "لقد انتحرت الفتاة الأخرى، وأخذت معها أمل والدك في الخلاص من ديونه. كان قد قَبَض مهرها، والرجل الذي اشتراها يريد إما عروسًا... أو أمواله." اتسعت عينا مريانا في رعب. لم يكن الأمر مجرد غضب والدها أو كبريائه المجروح، بل كان صفقة خاسرة يحاول إنقاذها. كانت مجرد قطعة شطرنج، مجرد حلقة أخرى في سلسلة طويلة من التنازلات التي لم تكن لها يد فيها. "لا..." همست، صوتها بالكاد مسموع، كأنها تحاول نفي الحقيقة عن نفسها قبل أي أحد آخر. "لا يمكن أن يفعل هذا بي." لكن العجوز نظرت إليها نظرة خالية من العزاء. "لقد بدأ البحث. رجال والدك يفتشون القرى، يسألون عن فتاة لها عيون مثل البحر، وشعر يشبه الليل. لن يطول الأمر حتى يصلوا إلى هنا." في تلك اللحظة، شعرت مريانا كأن الأرض تميد تحت قدميها. لم يكن هناك ملجأ، لم يكن هناك مكانٌ يكفي للاختباء. إيما، التي كانت تستمع بصمت، وضعت يدها على كتفها بثبات. "لا تقلقي، لديّ خطة." نظرت إليها مريانا بعينين مذعورتين، تبحث عن أي شيء يتعلق بالأمل في وجه صديقتها. "ماذا سنفعل؟" ابتسمت إيما، تلك الابتسامة التي تسبق العواصف. "سأرسلكِ إلى البحر." "إلى البحر؟" كررت مريانا، صوتها مزيج من الخوف والدهشة. "نعم،" قالت إيما بحزم. "إذا كان والدك يفتش كل رقعة من الأرض، فالحل ليس في الاختباء... بل في الذهاب إلى حيث لا يستطيع أن يطالكِ." تراجعت مريانا خطوة إلى الوراء. "لكني لا أعرف البحر، لم أبحر يومًا في حياتي." "تعلمين من هو والدك، أليس كذلك؟" قالت إيما، صوتها يحمل شيئًا أشبه بالسخرية المرة. "قرصانٌ سابق، رجل يعرف أن البحر قد يأخذ بقدر ما يعطي. أليس من المضحك أن يكون البحر هو الذي سينقذكِ منه؟" لم تدرِ مريانا بمَ تجيب. البحر، ذلك المجهول الواسع، كان فكرة مرعبة بحد ذاتها. لكنها عندما فكرت في البديل—في والدها وهو يسوقها إلى مصير لم تختره، في نظرات الرجل الذي ينتظرها كسلعة مدفوعة الثمن—عرفت أن لا خيار لديها. في تلك الليلة، لم تنم مريانا. كانت تحدق في سقف الكوخ، تستمع إلى صوت الرياح وهي تعوي بين الأغصان، وكأنها تردد صدى قدرها القادم. كان كل شيء مجهولًا، ولكنها كانت تعلم شيئًا واحدًا: لن تعود.