ضباب سرمدي - الهروب - بقلم شيماء | روايتك

اسم الرواية: ضباب سرمدي
المؤلف / الكاتب: شيماء
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الهروب

الهروب

--- وتحت ستار الليل، خرجت مريانا من المنزل، حقيبة صغيرة على ظهرها، قلبها يضطرب بين الخوف والتصميم. كان الهواء باردًا، يلسع بشرتها المكشوفة، لكن روحها مشتعلة بما يكفي لتجاهل قشعريرة جسدها. لم تنظر إلى الوراء، لم تسمح لنفسها بأن تتردد. كان الماضي وراءها، كظل ثقيل يحاول أن يمسك بها، لكنها رفضت أن تستدير. لقد اختارت طريقها، وكان لا بد أن تمضي فيه، مهما كان الثمن. عبرت الطريق المتعرج المؤدي إلى الغابة، حيث الأشجار العالية تهمس بأسرارها للريح، حيث الظلام يعجّ بأصوات لا تُفسَّر. أغصان يابسة تحطمت تحت قدميها، ونسيم الليل حمل معه روائح الأرض الرطبة وأوراق الأشجار المتساقطة. أحيانًا، كانت تسمع خشخشة بين الشجيرات، خطوات سريعة تفرّ بعيدًا أو عيونًا تراقبها من بين الأغصان، لكنها لم تتوقف. كان الخوف يتسلل إلى أطرافها، يهمس لها بالتراجع، لكن قدميها استمرتا في التقدم. كان المجهول أمامها، لكنه كان أرحم من الماضي. ثم، وسط الظلام، انبعث صوتٌ… همسٌ وضحكٌ خافت، كأن الغابة تناديها. لم يكن الريح هذه المرة، بل شيئًا أكثر حيوية، أكثر غرابة. توقفت، حاولت التمييز بين الأصوات، وعندها رأت ضوءًا صغيرًا يتراقص بين الأشجار، كأنه شعلة هائمة أو انعكاس عيون مخلوق مجهول. كان الضوء يتحرك، يختفي ثم يظهر من جديد، كأنه يختبر صبرها، يدعوها إلى المجهول. ومن بين الظلال، خرجت فتاة. كانت قصيرة، ذات شعر أسود كثيف يتطاير حول وجهها كأن الليل استعاره منها. عيناها تلمعان بدهاء ومرح، كما لو أنها تعرف سرًّا لا يعرفه أحد. ابتسامتها عريضة، غير مألوفة، مليئة بالتحدي والعبث في آنٍ معًا. كانت ترتدي ملابس بسيطة، لكنها بدت كأنها تنتمي لهذا المكان، كأن الغابة احتضنتها وأصبحت جزءًا منها. وقفت مريانا متسمّرة، غير متأكدة مما إذا كان عليها أن تهرب أم تتكلم. لكن الفتاة سبقتها، صوتها يحمل مزيجًا غريبًا من اللطف والجرأة: "هل أنتِ ضائعة؟" كان سؤالها بسيطًا، لكنه حمل أكثر مما يبدو عليه. لم يكن مجرد استفسار، بل اختبار، دعوة، أو ربما فخًّا لا يمكن التنبؤ بعواقبه. ترددت مريانا للحظة، شعرت بجفاف في حلقها قبل أن تهمس: "نعم… أنا ضائعة." ضحكت الفتاة، ضحكة خفيفة لكنها مشبعة بالغموض، ثم مدّت يدها نحو مريانا. "أنا إيما، تعالي معي… سأريكِ أين يمكن أن يبدأ طريقكِ الجديد." كانت يدها ممدودة، تنتظر قرار مريانا. كان بإمكانها أن تهرب، أن تعود أدراجها، لكنها لم تفعل. في تلك اللحظة، أمسكت مريانا بيد إيما، ولم تكن تعلم أنها بهذه الحركة البسيطة قد غيرت مسار حياتها إلى الأبد. ابتسمت إيما بلطف، وكأنها تمنح مريانا طمأنينة وسط المجهول. كانت يدها دافئة رغم برودة الليل، مما جعل مريانا تشعر بشيء غريب... كأنها لمست للمرة الأولى يدًا لا تحمل نية خفية، ولا تهديدًا مستترًا. "أين سنذهب؟" سألت مريانا بصوت منخفض، لا تزال مترددة. نظرت إيما إليها نظرة عميقة قبل أن تقول: "إلى مكان أكثر أمانًا من هنا." لم يكن هناك الكثير من الأمان في حياة مريانا، لذا لم تسأل المزيد. بدلاً من ذلك، تركت قدميها تتبعان خطوات إيما عبر الغابة، بين الأشجار التي تهمس بحفيف أوراقها. بدا الطريق وكأنه لا نهاية له، لكنه لم يكن مخيفًا بقدر ما توقعت. كانت إيما تسير بثقة، كما لو أنها تعرف الغابة كما تعرف كف يدها. "هل تعيشين هنا؟" سألت مريانا بعد صمت طويل. ضحكت إيما بخفة، وهزت رأسها: "ليس تمامًا... لكنني أعرف هذا المكان جيدًا." لم يكن الجواب واضحًا، لكنه لم يكن مريبًا أيضًا. شعرت مريانا أن هناك شيئًا مميزًا في هذه الفتاة، شيئًا مختلفًا عن كل من قابلتهم في حياتها. لم تكن كاذبة، لكنها لم تكن شفافة تمامًا أيضًا. بعد دقائق من المشي، وصلت الفتاتان إلى كوخ صغير بين الأشجار. لم يكن يبدو مهجورًا، لكنه كان بسيطًا، بنوافذ خشبية صغيرة وسقف مائل. فتحت إيما الباب ودخلت دون تردد، بينما ترددت مريانا للحظة قبل أن تتبعها. في الداخل، كان المكان دافئًا بطريقة غريبة، رغم أن النار لم تكن مشتعلة. كان هناك سرير صغير، طاولة خشبية، ورفوف مليئة بأشياء غير مألوفة—كتب قديمة، زجاجات تحتوي على سوائل غامضة، وريش ملون متناثر هنا وهناك. بدا المكان وكأنه عالم مختلف، بعيد عن الواقع الذي هربت منه مريانا. "يمكنكِ البقاء هنا الليلة." قالت إيما وهي تضع حقيبة صغيرة على الطاولة. "غدًا، سنرى ما يمكنكِ فعله." "ما الذي يمكنني فعله؟" سألت مريانا بحذر. "هذا يعتمد عليكِ." أجابتها إيما بابتسامة غامضة، ثم أضافت: "لكنكِ بدأتِ أول خطوة بالفعل... الهرب." تأملت مريانا كلماتها، وشعرت بشيء يشبه الأمل. لأول مرة منذ زمن طويل، لم يكن هناك باب موصد أمامها، لم تكن هناك أوامر أو نظرات مملوءة بالازدراء. كانت هنا، في مكان لا يعرفه أحد، مع شخص لم يحاول أن يجعلها تشعر بأنها عبء. وربما... كان هذا كافيًا لبداية جديدة.