الفصل الثاني « النداء الذي لا يسمع»
1
لت تكن لينيسا تعلم ان كانت تغفو ام تسحب من الواقع، لكن شيئا ما جعلها تفقد وعيها للحظات. في طرفة عين، وجدت نفسها في مكان اخر... داخل كهف عظيم، لم يكن يشبه اي كهف راته من قبل، الجدران كانت ناعمة بشكل غريب، كانها ليست حجرية بل زجاجية، تنساب عليها اغصان ضخمة تتلوى ببطء، تنبض وكانها تتنفس، الضوء الوحيد في المكان كان ياتي من شجرة عملاقة في وسط الكهف بلون بني داكن واوراق فضية لامعة كانها قطعة من القمر المفتت.
عندما اقتربت منها شعرت ان المكان كله يراقبها، لك تكن وحدها هناك، حتى ولو لم يكن احد بجوارها... ثم، انبعث صوت، لم يكن صوتا مالوفا او مميزا،. كان همسا ينساب عبر الهواء وكانه يحمله، يمر عبر عظامها لا اذنيها
«لا احد يرى هذا ويكون كما كان يا لينيسا»
وفجأة، انفجرت الشجرة بوميض فضي، وغرقت لينيسا في بحر من الصور المتسارعة، كل واحدة منها لم تستمر سوى بضعة ثواني ، لكنها شعرت وكأنها عاشت كل واحدة منها لسنوات.
يد مغطاة بالدماء، تسقط في بركة
عينان بلون العقيق الأحمر تحدقان بها من العدم يحيط بهما وهج شرير.
رجل مقنع يقف أمام بوابة حجرية، نقش عليها رمز غريب، بينما الهواء حوله ينبض بطاقة غامضة.
فتاة صغيرة تجري وسط العتمة، دموعها تلمع تحت ضوء خافت تلهث وكأن شيئا يطاردها.
بحر تتلاطم أمواجه بشكل غير طبيعي، يعلو ويهبط كما لو كان يتنفس، وصوت غريب ينادي باسمها من داخله.
ساحة معركة، أجساد متكومة فوق بعضها، صوت معدني يخترق الهواء، وسيف فضي يسقط ببطء، مرتطما بالأرض.
نيرا ... كانت هناك، لكن ليست كما تعرفها، وجهها مغطى بالظلال، وعيناها تلمعان بهدوء قاتل.
ثم، تماما كما بدأت توقفت الصور فجأة، وعادت إلى الكهف صدرها كان يعلو ويهبط بجنون يداها ترتجفان وكأن جسدها لم يعد ملكها.
"ما... ما هذا؟" همست لكنها لم تتلق إجابة من الشجرة. فقط أوراقها الفضية تمايلت بهدوء، كأنها تحتفظ بأسرارها لنفسها.
شعرت بأن شيئًا تغير بداخته. لم تكن كما كانت قبل أن
ثم، تماما كما بدأت توقفت الصور فجأة، وعادت إلى الكهف صدرها كان يعلو ويهبط بجنون يداها ترتجفان وكأن جسدها لم يعد ملكها.
همهمات تكاد تفجر اذنيها
ارتجفت، لم تستطع ان تحدد مصدر الصوت لكنه واضحا داخل راسها «من انت؟» همست
لم تجب الشجرة فورا، بل اهتزت اوراقها قليلا، وكانها تفكر، ثم قالت:«انت تعيشين في ظل حقيقة اخرى»
قبل ان تحاول لينيسا ان تفهم المعنى، او ان تحاول طرح المزيد من الاسالة، بدا المكان ينهار، ينهار وينهار وينهار، كان الجدران تتفكك الى رماد.
شعرت بجسدها يسحب بقوة، وصوت الشجرة يتلاشى وهي تهمس «لم تكوني الاولى... ولن تكوني الاخيرة»
2
شهقت فجاة، وعادت الى وعيها، كانت مستلقية على الرمال، قلبها يخفق بعنف، كانها قد سقطت من مكان بعيد لكن قبل ان تلتقط انفاسها باغتتها نيرا بصوتها المتحشرج وهي تقول: "لينيسا هل انت بخير؟" وقد كان صوتها اسوء من صوت لينيسا
جلست بسرعة تنظر حولها، ثم الى نيرا التي كانت تحدق فيها بدهشة، كان القمر كما كان، لكنوهناك شيء غيره.
"انا لا اعلم" قالتها لينيسا ثم وضعت يدها على صدرها.
حدقت بها نيرا بعمق، ثم فجاة، قبب ان تتمكن لينيسا من قول اي شيء اخر، همست نيرا: "لقد رايت نفس الشيء" وقد استنتجت ذلك من امارات وجه لينيسا
رفعت هذه الاخيرة عينيها بصدمة: "ماذااا؟"
نيرا اكملت بصوتها الخافت، كانها خائفة من ان يسمعها احد غيرهما: "الكهف... الشجرة... تلك ااااا الصور السريعة... سمعت الصوت ذاته... كيف كيف يكون ذلك ممكنا؟"
حدقتا في بعضهما بصمت، لم يكن هذا حلما عاظيا، لم يكن مجرد وهم ايضا، لقد حدث بالفعل
"يجب ان نعرف ما يعنيه هذا"قالت نيسا، وهي تحاول ان تبقى هادئة رغم الاسالة التي عصفت في ذهنها.
" لكن كيف؟ " ردت نيرا، ثن تنهدت وهي تعبث بخصلات شعرها، "لا اعتقد ان الحديث لوحده يحل اللغز، يجي ان نبحث في امور اخرى، ويجب ان نقترب من بعضنا اكثر"
تلفتت لينيسا نحوها بحاجب مرفوع، "هل تقصدين تشكيل فريق؟
3
نيرا (تتبسم بخفة، ثم تهز راسها نفيا بابتسامة لطيفة): لا، ليس تماما، اعني اكثر من ذلك، شيء لا يمكن كسره، لا يمكن هدمه، لا لزمن ان يطويه ولا للعوالم ان تفرقه، رابطة ابدية
لينيسا (تنظر اليها بعمق، وكانها تحاول فهم ما تقصده):" "الصداقة، نعم انها الصداقة، انت تتكلمين عنها"
نيرا (تتنهد ثم تتبسم بحزن طفيف، تنظر الى اناملها كانها ترى اثار كل الخيبات الماضية): "كنت اؤمن بالكائنات حولي بسهولة، ظننت ان القلوب النقية لا تغرق لكنها غرقت، كنت اضع ثقتي كما تثق السفن بالمد والجزر، لكن التيارات سحبتني بعيدا، تركتني وحدي في العتمة.... كنت ابحث عن رابطة تشبه البحر، واسعة، صافية، لكنها كانتومجرد سراب، تختفي كلما اقتربت منها.
لينيسا وهي تجلس على ركبتيها بجوار نيرا وجناحاها يطويان نفسيهما برفق، بصوتها الناعم و الثابت تهمس:" لكنك مازلت تؤمنين...
نيرا تلفتت نحوها، نظرات هادئة لكنها ممتلئة بالشوق: "لانك مختلفة، لا اشعر انني زبد يختفي مع اول نسمة ريح، بعد كل اللقاءات الصامتة معك، لا اخاف من ان اكون نفسي، لا اخشى ان اكون ضعيفة امامك، لانني اعلم انك تريدينني كما انا، لا كما تريدني العوالم ان اكون.
لينيسا تتبسم بلطف، تلمع عيناها ببراءة كانها طفلة صغيرة صادقة:" لطالما كنت اخشى ان ارتبط باحد، فاني اجد نفسي ابنة السماء، والسماء لا تتوقف، لا تنتظر، لكنها معك، تبدو اكثر دفئا، كانها ام تحضن ابنها
نيرا وهي تمسك بيدها وتشعرها بدفئها ودفىء قلبها رغم ان يديها باردتان من طبيعتها البحرية: "سنكون معا اوقات المد قبل الجزر، سنواجه العواصف الهوجاء معا، وان ابتعدنا يوما، سنجد طريق للعودة، كما يجد القمر انعكاسه ثابتا على وجه البحر، مهما ابتعدت المسافات بينهما
" اذن فلنعدك، نحت لسنا مجردصديقتين نحن روح واحدة في جسدين حتى وان كانت واحدة منا ابنت السماء والاخرى ابنت البحر فان المطر يجمعهما" قالتها لينيسا وهي تشدد من قبضتها على يد نيرا وجناحاها يرتجفان بخفة، وعيناها تلمعان بيقين نادر.
نيرا (تتبسم وترفع يدها للاعلى، موجة صغيرة تتمايل حولها كانها تسمع الوعد، وكانها الشاهد على هذه الرابطة التي تولد في هذه اللحظات: "الى الابد؟ "
لينيسا (ترفع يدهاا هي الاخرى واجنحتها تتوهج تحت القمر: "الى الابد"
4
عندما التفت يد نيرا الباردة كمياه البحر بيد نيرا الدافئة كضوء الفجر امتزجت عوالمهما في لحظة خالدة، هبت نسمة لطيفة فرفرفت اجنحة لينيسا برفق، بينما ارتفعت موجة صغيرة كانها تهمس بسر الدصاقة التي ولدت لتبقى بين لمة الماء والهواء، بين زرقة نيرا وبياض لينيسا خلق وعد لن تفرقه المسافات وعد يمتد بامتداد الافق حيث تعانق السماء البحر عند الغروب كانهما عشاق.
انتهى الحديث ولم تنته المشاعر
ثم وقبل ان تودعها، توقفت نيرا فجاة، وكانها تذكرت شيئا، ترددت قليلا ثم نظرت مباشرة الى عيني لينيا وقالت بصوت خافت: "هناك شيء يجب ان اخبرك به...لكن ليس الان، لقد تاخر الوقت، ساريك شيئا غدا وفي نفس الوقت المعتاد"
"ماهو؟" سالتها لينيسا بفضول
ابتسمت نبرا ابتسامة غامضة رافقتها بغمزة لطيفة ثم قفزت فوق سطح البحر بحركة رشيقة وكانها تعبر عن حبها للينيسا قائلة: "الى المتقى يا جنيتي، غدا في نفس المكان، ساخبرك اعدك"