اجنحة المد والجرز - الفصل الاول - بقلم هند بركات | روايتك

اسم الرواية: اجنحة المد والجرز
المؤلف / الكاتب: هند بركات
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الاول

الفصل الاول

1 خرجت نيرا من الماء ببطء، كأنها جزء منه، وانسابت قطرات الماء على بشرتها العاجية اللامعة. انعكس ضوء القمر على خصلات شعرها الأسود المزرق، فظهر وكأن النجوم تناثرت بين خصلاته. أما عيناها الفضيتان، وثغرها المتبسم الأحمر، وأنفها المنحوت بدقة ربانية، فقد انسجمت جميعها مع صدرها المشدود المغطى بقطعة قماش كحلية اللون. تلا ذلك ذيلها الفضي المعدني، المزخرف بلمسات زرقاء داكنة، مما منحها مظهرًا ساحرًا كأنها منحوتة من زجاج. وخُتم جمالها بأذنين مدببتين قليلًا من الأعلى، تنبعث منهما لمعة مائية كأنها قشور بحرية ناعمة. على الجانب الآخر، وفوق صخرة عظيمة ممتدة إلى السماء، وقفت لينيسا بعد تحليقها، في مشهد تخشع له القلوب والعقول. كانت تتمتع ببشرة بيضاء بلورية، وشعر أبيض ناصع كسره لون خصلة سوداء قاتمة كحبر الحبار. عيناها الواسعتان السوداوان بدتا وكأنهما تتسعان لاستيعاب ظلام الكون الأبدي، وكسر هذا اللون شفاهها الصغيرة التي لاحت عليها ابتسامة وردية كزهرة الكرز. انساب على جسدها الممشوق فستان مرصع بأحجار اللؤلؤ الكريمة، كأنه شلال أبيض ضاق عند خاصرتها ثم عاد للاتساع بحرية عند ركبتيها، تاركًا العنان لساقيها الرقيقتين الحافيتين. امتدت خلفها أجنحة بيضاء كالثلج، رقيقة كالحرير، لكنها قوية كالصخر. كانت تنبض بالحياة، وكأنها تمتزج مع الهواء، ترفرف بخفة وتنساب بسلاسة في فضاءٍ لا محدود. كانت أجمل من أن تكون حقيقة، وأخطر من أن تكون خرافة. --- 2 التقت أعينهما لأول مرة، ولم يكن اللقاء عاديًا. منذ الصغر، اعتادتا التردد على ذلك المكان، لكن لم يخطر ببال أيٍّ منهما أن بإمكانهما التواصل، مما جعلهما تائهتين في صمت لم يكن له داعٍ. وبسبب المسافة البعيدة التي كانت تفصلهما طوال الأعوام الماضية، لم تكونا بهذا القرب من قبل. "أنتِ!" همست نيرا بصوتها العذب، الذي بدا كأنغام البحر. "وأنتِ…" انخلع قلب نيرا عندما سمعت صوت لينيسا لأول مرة، ورمقتها الأخيرة بنظرات مشبعة بالغموض والريبة. أردفت نيرا قائلة: "منذ سنوات وسنوات، كنت أظن…" قاطعتها لينيسا، وهي تقترب منها بأجنحتها التي أضاءت عندما اصطدم ضوء القمر بها: "أعلم ما ستقولينه، فأنا أيضًا دهشت اليوم عندما سمعتك تتحدثين. ظننت أن لغتنا تختلف عن لغتكم." ساد الصمت… ليس صمتًا مريحًا تمامًا، بل كان محملًا بالدهشة والخوف في آن واحد. لقد عبرتا الحدود… ليس الحدود الفاصلة بين عالم الپيرا (عالم الحوريات) وعالم ميراسي (عالم الجنيات)، بل حدود شيء أعمق من ذلك بكثير. --- 3 هبَّت ريح غريبة فجأة، شعرَت نيرا على إثرها بقشعريرة تسري في حراشفها، رغم دفء الجو قبل لحظات. أما لينيسا، فشعرت بثقل غير مألوف على أجنحتها، كأنها لم تعد تنتمي للهواء. ثم… صوت خافت. خافت جدًا، كان يهمس بين الأغصان، بين أمواج البحر، بين نسيج الهواء نفسه. لم يكن مجرد صوت، بل كان نداءً. "هل سمعتِه؟" تمتمت نيرا. "نعم…" أجابتها لينيسا، وقد بدا صوتها أقل ثباتًا هذه المرة. ثم، ومن العدم، ظهر أمامهما كيان… بل كينونة امرأة. نعم، امرأة بهالة عنابية اللون، وجسد مكسوٍّ بفستان أحمر قاتم، كأنه مشبع بالدم، يتماوج حولها كما لو أن له حياة مستقلة. لم يكن لها وجه، لا ملامح، مجرد فراغ داكن، لكنها لم تكن صامتة. بل كان ذلك الفراغ الذي يمثل وجهها يهمس بكلمات غير مفهومة… نغمات شيطانية تشعر من يسمعها ببرودة تخترق نخاعه. --- 4 أظهرت من تحت أكمامها الطويلة المبرقشة يديها… أو الأصح مخالبها الطويلة، التي بدت كمخالب الذئب. مدتها إلى الرمال، التي كانت لا تزال مبتلّة من آخر موجة غمرتها، ثم رسمت حدودًا أوقفت بها تلك الأمواج. وبعد لحظة، رفعت رأسها فجأة، فتساقطت أحجار سوداء لامعة على الرمال، مخترقة الأرض، متشعبة كأنها جذور تمتد حتى وصلت إلى أسفل قدمي لينيسا ونيرا. في تلك اللحظة، بدأ جسداهما يثقلان… وكأن روحيهما تغادران جسديهما تدريجيًا. وفي اللحظة التي بدأ فيها الظلام يلفهما… انقشع نور من جهة أخرى، ليظهر لهما ضوء جديد يسطع على ذلك المكان.