الفصل الثالث
الفصل الثالث: اللقاء المنتظر
رحلة بلا رجعة
كان الطريق طويلاً، لكنه لم يكن يشعر بالملل. كان عقله مشغولًا بريم، يتخيل كيف سيكون لقاؤهما الأول. هل ستكون كما تخيلها؟ هل ستضحك بنفس الجنون الذي اعتاد سماعه عبر الهاتف؟
كان يعرف أنها مترددة، لكنه لم يكن يفكر في التراجع. لم يكن يرى الأمر مجرد لقاء عابر، بل نقطة فاصلة... إما أن تصبح جزءًا من حياته بشكل حقيقي، أو أن يفقدها للأبد.
عندما اقترب من مدينتها، بدأ يشعر بالتوتر لأول مرة منذ أن اتخذ القرار. قلبه ينبض بقوة، وكأن شيئًا مهمًا على وشك الحدوث. أوقف سيارته بالقرب من المكان الذي اتفقا على اللقاء فيه: مقهى صغير بسيط، على ناصية شارع مزدحم.
نزل من السيارة، أخذ نفسًا عميقًا، ثم دخل.
اللحظة التي لا تنسى
كانت ريم جالسة هناك، في زاوية المقهى، ترتشف قهوتها وهي تحدق في هاتفها. لم تكن قد لاحظت وصوله بعد.
لكن هو لاحظها فورًا.
كانت تمامًا كما تخيلها، بل ربما أجمل. بشرتها الفاتحة، عيناها التي تحمل الكثير من الحياة، والابتسامة التي لم تكن مرسومة على شفتيها تلك اللحظة، لكنها كانت هناك، تنتظر أن تظهر.
كانت ترتدي ملابس مريحة، شعرها مسرح بطريقة فوضوية ساحرة، وكأنها لم تهتم كثيرًا بشكلها، لكنها كانت تبدو مذهلة.
ابتسم وسيم وهو يتجه نحوها، وقبل أن يصل، رفع هاتفه وأرسل لها رسالة قصيرة:
"التفتِ إلى يمينك، هناك مفاجأة بانتظارك."
رفعَت رأسها ببطء، وعندما وقعت عيناها عليه، اتسعت عيناها بصدمة، ثم تحولت إلى دهشة، ثم... إلى ضحكة. ضحكة حقيقية، صافية، كما لو كانت هذه اللحظة أكثر جنونًا مما توقعت.
ريم: "وسيم؟!"
وقف أمامها، يضع يديه في جيبيه، ويبتسم بثقة: "نعم، هل كنتِ تظنين أنني أمزح؟"
ضحكت ريم وهي تهز رأسها: "أنتَ مجنون، فعلًا مجنون!"
جلس أمامها، يراقب تعابيرها وهي تحاول استيعاب الموقف.
وسيم: "هل خفتِ أن أكون مجرد خيال؟"
ريم (مازحة): "الحقيقة؟ كنت أظن أنك برنامج ذكاء اصطناعي متطور!"
انفجر ضاحكًا، لم يكن متفاجئًا من ردها. لطالما كانت تملك قدرة غريبة على تحويل أكثر اللحظات توترًا إلى نكتة.
بين الضحك والصمت... شيء لم يُقال بعد
قضيا ساعات يتحدثان كما لو أن الزمن لم يفرق بينهما يومًا. ريم كانت تضحك كثيرًا، تحكي عن مواقف مضحكة حدثت لها في الجامعة، تقلد أصوات الناس بطريقة جعلت وسيم يضحك حتى الدموع.
لكن بين كل هذه اللحظات، كان هناك شيء آخر... شيء لم يُقال بعد.
كان وسيم يراقبها بطريقة مختلفة. لم يكن مجرد استمتاع بحديثها، بل كان ينظر إليها وكأنها شيء ثمين، شيء لا يريد أن يضيعه.
وفي لحظة هدوء، عندما كانت تحدق في فنجان قهوتها، سألها بهدوء:
وسيم: "ريم... هل فكرتِ يومًا أنني قد لا أكون مجرد صديق بالنسبة لكِ؟"
رفعت عينيها بسرعة، نظرة دهشة واضحة، لكن ليس صدمة. وكأنها كانت تتوقع هذا السؤال، لكنها كانت تأمل ألا يأتي بهذه السرعة.
ريم: "وسيم... لا تفسد اللحظة."
وسيم: "أنا لا أفسد شيئًا، أنا فقط أكون صادقًا."
تنهدت ريم وأبعدت نظرها عنه للحظة، وكأنها تحاول جمع أفكارها.
ريم: "أنا لا أريد أن أكون في علاقة."
ساد الصمت للحظات، لكنه لم يكن صمتًا مريحًا هذه المرة. كان ثقيلاً، يحمل الكثير من المعاني غير المنطوقة.
وسيم (بهدوء): "لماذا؟"
ريم: "لأنني لا أؤمن بها، لا أؤمن بفكرة أنني سأكون لشخص واحد، أن أسمح لأحد بأن يقترب مني لهذه الدرجة."
وسيم: "لكننا قريبان بالفعل، ألا ترين ذلك؟"
ريم: "نحن أصدقاء، وهذا يكفي."
لكن وسيم لم يكن يراه كافيًا. لم يكن يستطيع أن يتظاهر بعد الآن أن مشاعره لم تتغير. كان يريدها، بكل جنونها، بكل ضحكاتها العفوية، بكل تلك التفاصيل الصغيرة التي جعلته يقطع مئات الكيلومترات فقط لرؤيتها.
لكنه رأى في عينيها شيئًا آخر... ليس الرفض فقط، بل الخوف.
وهنا، فهم كل شيء.
ماضي ريم... الجرح الذي لم يلتئم بعد
لم يكن السبب أنها لا تؤمن بالحب، بل لأنها خافت منه. أو ربما، لأنها أحبّت شخصًا في الماضي، ولم يكن الحب كما تصورته.
كان هناك شخص آخر... آدم.
لم يكن حبًا، لم يكن شيئًا يستحق الذكر، لكنه كان كافيًا ليجعلها تبني جدرانًا حول قلبها.
وسيم لم يكن مثل آدم، كان يعرف ذلك، لكن هل كانت ريم تعرف؟ هل كانت مستعدة لتصدق أن الحب ليس دائمًا ألمًا؟
لم يكن يملك إجابة بعد، لكنه كان يعرف شيئًا واحدًا...
هو لن يتراجع.
—
الفصل القادم: هل يستطيع وسيم كسر الجدران التي بنتها ريم حول قلبها؟ أم أن الرحلة كانت مجرد حلم جميل عليه أن يفيق منه؟