اصوات الظلال
في اليوم التالي، استمر كايدن في رحلته عبر الغابات المظلمة التي كانت تمثل له حاجزًا نفسيًا كبيرًا. الأشجار الكثيفة التي كانت تحجب ضوء الشمس جعلت الجو أكثر برودة، وصرير الأغصان تحت قدميه كان يزيد من إحساسه بالعزلة والخوف. كانت خطواته متسارعة، عينيه تحدقان في الطريق أمامه، وأذنه تصغي لكل حركة حوله، وكأن الظلال التي حذّرته منها بريتا قد بدأت تلاحقه بالفعل.
بينما كان يسير، كان يفكر في كلمات بريتا. كان يراود ذهنه سؤال واحد: من هم هؤلاء الذين يختبئون في الظل؟ ومع مرور الوقت، بدأ يشعر بوجودهم في كل زاوية، كما لو أن هناك عيونًا تراقبه من بين الأشجار. كانت نظراته تلاحق كل حركة، حتى أنه بدأ يشك في كل شخص قد يلتقي به في الطريق.
بعد ساعات من السير، وصل إلى أطراف مدينة صغيرة، كانت تختلف تمامًا عن "راثيل" التي تركها وراءه. كانت البيوت هنا مبنية من الحجر، والشوارع ضيقة، وعمال المدينة مشغولون في أعمالهم اليومية، لكن رغم الحياة التي بدت على المدينة، كان هناك شيء غريب في الجو. كان الناس يتجنبون النظر إليه، وكأنهم يعرفون شيئًا عنه، شيئًا كان هو نفسه يجهله.
دخل إلى أحد الحانات الصغيرة التي كانت تضيء بالشموع الخافتة. كانت الحانة هادئة، وأثاثها قديم، والهواء مليء برائحة الدخان الكثيف. جلس في ركن مظلم، يراقب الوجوه التي تمر أمامه، ويحاول أن يلتقط أي إشارات تشير إلى من يمكنه أن يساعده في العثور على أجوبة.
بينما كان يفكر في خياراته، اقترب منه رجل مسن ذو لحية بيضاء وقبعة كبيرة تغطي رأسه. نظر إليه الرجل بعينين حادتين، ثم جلس قبالته دون أن يتكلم. كايدن لم يشعر بالراحة، لكنه ظل هادئًا، يراقب الرجل عن كثب.
قال الرجل أخيرًا بصوت خافت: "أنت لا تعرف حجم المخاطر التي تلاحقك."
كان صوته يحمل تلميحًا للمعرفة العميقة. "أنت الآن جزء من لعبة أكبر مما تتخيل. تلك القلادة... تحمل سرًا قد يغير مجرى التاريخ. ولكن لا تعتقد أن الجميع هنا يريدون أن تعلم الحقيقة."
شعر كايدن بشيء غريب في قلبه، كما لو أن كل جزء من جسده يطلب منه أن يترك المكان فورًا. لكنه لم يستطيع أن يترك الفرصة تذهب سدى.
"من أنت؟" سأل كايدن، وهو يحاول ألا يظهر أي توتر في صوته.
ابتسم الرجل ابتسامة باهتة وقال: "اسمي لا يهم الآن. المهم هو أنك بدأت ترى الظلال التي كانت تحيط بك دائمًا. لكنك تحتاج إلى قوة أكبر بكثير مما تتخيل إذا أردت النجاة."
في تلك اللحظة، دخل شخص آخر إلى الحانة. كان طويل القامة، ملامحه قاسية وعيناه باردة كالصقيع. شعر كايدن بارتباك شديد، فقد كان هناك شيء في هذا الرجل يوحي بأنه ليس مجرد عابر سبيل. نظر الرجل إلى كايدن مباشرة، ثم همس للرجل المسن شيئًا غير مفهوم.
وبدون أن ينبس بكلمة أخرى، انسحب الرجل المسن بسرعة، تاركًا كايدن في الحانة وحيدًا، مع مجموعة من الأسئلة التي بدأت تزداد في عقله.
في تلك اللحظة، أدرك كايدن أنه قد دخل في عالم مظلم مليء بالأسرار التي يجب عليه اكتشافها. لكن كل خطوة كان سيأخذها قد تقوده إلى مخاطر أكبر، وقد لا يعود أبدًا إلى الحياة التي كان يعرفها.
نهاية الفصل الثالث