الفصل الأول: ظلال الغابة
السماء كانت ملبدة بالسحب الثقيلة، تُنذر بعاصفة وشيكة. بين أشجار الغابة الكثيفة، كانت المحققة "رنيم" تمشي بخطى ثابتة، تم تكليفها بمهمة عاجلة: فحص بقايا غامضة عُثر عليها في عمق الغابة.
كانت الرياح تحمل همسات غامضة، أوراق الأشجار تتمايل وكأنها تراقبها. شعرت رنيم بوخزة غريبة في قلبها، شعور بالخطر لا تفسير له، لكنها تجاهلته، مستندة إلى المنطق الذي لطالما كان ملاذها.
بينما كانت تحني رأسها لتفحص بقعة من الدم الجاف على الأرض، سمعت صوتاً مفاجئاً: كسر غصن تحت ثقل أقدام شخص ما. رفعت رأسها بسرعة، تنظر حولها.
من بين الظلال، ظهر رجل. طويل، عيناه مظللتان، معطفه الداكن متسخ بالوحل وكأنه جزء من الغابة. "هل تحتاجين إلى مساعدة؟" سأل بصوت منخفض لكنه قوي، يحمل نبرة لا يمكن تجاهلها.
شعرت رنيم بتردد. "من أنت؟" قالت بحذر، وهي تضع يدها بحزم على سكين كان في جيبها
ابتسم ابتسامة خفيفة، بالكاد واضحة. "مجرد رجل يحب التجول في الغابات. وأنت؟
قبل أن تتمكن من الرد، سمعت صوت عواء بعيد. شيء ما كان يقترب. الرجل تحرك بسرعة، أمسك بيدها، قائلاً: "علينا أن نغادر الآن."
تحركت رنيم بتردد، تتبع خطوات الرجل الغامض وسط الغابة التي بدت وكأنها تغلق عليها من كل الجهات. لم تكن تثق به، لكن شيئًا في نبرته جعلها تلتزم الصمت.
"إلى أين نحن ذاهبون؟" سألت أخيرًا وهي تحاول سحب يدها من قبضته.
توقف ونظر إليها بعيون باردة لكنها تحمل ظلًا من شيء أعمق. "إذا أردتِ البقاء هنا، فلتفعلي، لكن لا أضمن أنك ستنجين من القادم."
قبل أن ترد، انبعث صوت غريب من خلفهما، أشبه بخطوات ثقيلة تقترب ببطء. استدارت رنيم نحو الصوت، لكن الظلام كان كثيفًا لدرجة أنها لم ترَ سوى ظلال متحركة بين الأشجار.
"ما هذا؟" همست وهي تمسك بيد الرجل بقوة.
"بعض الأسرار لا يجب أن تُكشف"، قال بصوت هادئ لكنه يحمل تهديدًا ضمنيًا. ثم أضاف: "تحركي."
سارا بسرعة أكبر، وبينما كانت رنيم تلتقط أنفاسها، كانت تراقب الرجل من زاوية عينها. لم يكن يبدو كشخص عادي. ملابسه المتسخة، خطواته الواثقة وسط الغابة، وحتى الطريقة التي يلتفت بها وكأنه يراقب كل شيء... كان واضحًا أنه يعرف المكان جيدًا.
وصل الاثنان إلى كوخ صغير وسط الأشجار. بدت ملامحه كأنها من زمن آخر، جدرانه خشبية متهالكة وسقفه بالكاد يقاوم الرياح. فتح الرجل الباب ودعاها للدخول.
"لن أبقى هنا طويلًا. أحتاج فقط أن أفهم ما الذي يحدث، ومن تكون، ولماذا... أنت هنا." قالت وهي تتوقف عند العتبة.
ابتسم لأول مرة منذ لقائهما، لكنها كانت ابتسامة غامضة تمامًا كحضوره. "قد يكون لدينا وقت طويل للحديث... أو ربما لا وقت على الإطلاق."
أغلق الباب خلفها بهدوء، لكن صوت القفل الذي دار كان كافيًا لإرسال رعشة باردة في جسدها.
"لم تجيبي عن سؤالي الأول." قال وهو يضع يده على الطاولة الخشبية المهترئة، حيث كان هناك خنجر صغير، نظيف بشكل مريب وسط الفوضى. "لماذا كنتِ في الغابة؟"
شعرت رنيم بشيء من الذعر، لكنها أجابت بنبرة ثابتة: "أنا محققة ، جئت لفحص مكان حادثة."
تأملها للحظة، وكأنه يقرأ شيئًا في عينيها. "حادثة؟" كرر الكلمة بابتسامة ماكرة. "أحيانًا تكون الحوادث مصادفة... وأحيانًا تكون رسائل."