سنقف من جديد
استفاقت سندس وكان الليل قد حل، لكن الانفجارات كانت تضيء السماء كما لو كانت الشمس قد قررت البقاء طوال الليل. كان الضوء يتراقص بين الحطام والأبنية المدمرة، كما لو أن المدينة بأكملها قد أحرقت وأصبحت نيرانها تضيء ظلام الليل. المكان كله كان يصرخ، حتى الصمت كان في هذا المكان يتكلم بمرارة، يروي حكايات من الموت والدمار، وكان الحطام يتناثر حولها كما لو أن المدينة نفسها قد انفجرت من الداخل. الجراح كانت تزداد عمقًا، والدماء كانت تتناثر بين الركام، كل شيء يتنفس الألم. مع ذلك، لم يكن هناك مجال للخوف أو التردد، بل كان هناك شعور آخر يملأ قلبها: شعور بالمسؤولية، شعور بأنها جزء من هذا النضال الذي لا ينتهي.
وقفت سندس ببطء، وكان قلبها ينبض بشكل سريع كأنما يتسابق مع الوقت، الوقت الذي بدأ يتلاشى بسرعة، وكل ثانية كانت تحتسب. لا وقت للندم، ولا مجال للخوف. كانت هي الجسر الذي يمكن أن ينقذ حياة شخص ما، وكانت تؤمن أن الحياة لا تزال تستحق القتال. كانت تعلم أن هناك جرحى بحاجة إليها، وأن عليها أن تتحرك بسرعة، رغم أن الألم في قلبها كان يعصرها.
قال علي بصوت حاد، يملؤه القلق والغضب: "تقدمي، ساعديهم!" كان ينظر إليها بحماس كأنما ينتظر منها أن تتحرك فورًا، عينيه مليئة بالشعور بالعجز وكأنما يصرخ في وجهها: "ماذا تنتظرين؟ هل سترينهم يموتون أمامك؟"
كلمات علي كانت بمثابة طعنة مباشرة في قلبها، وكانت أكثر قسوة من أي صفعة جسدية قد تلقتها. وقفت ثابتة، ثم همست في صوت منخفض: "لا فائدة، لا يمكنني فعل شيء. هذه هي قدرهم، وقدرنا لا يختلف عنهم." كانت الإحساس بالعجز يعصر قلبها، وكان الحزن يتسرب في عروقها، كما لو أن الأمل قد اختفى إلى الأبد. كان هناك جزء منها يريد أن ينهار، أن يختفي، أن يعود إلى الماضي حيث كانت حياتها مختلفة، حيث لم يكن الدم يلطخ يديها، وحيث كانت ترى المستقبل بعيدًا عن ظلال الحرب.
لكن علي لم يكتفِ بذلك. في لحظة مفاجئة، رفع يده وصفعها على وجهها، تلك الصفعة لم تكن مجرد ضرب، بل كانت بمثابة جرس إنذار لها، جعلها تستفيق من حالة العجز التي كانت فيها. كانت الصفعة قوية، لكنها كانت بمثابة عودة لها إلى الحياة، وكأنما هي دعوة للاستيقاظ، للتصالح مع نفسها، للعودة إلى مسؤوليتها. شعرت أن تلك الصفعة كانت تشير إلى شيء أعمق: أن الحرب لا تسمح لها بالانكسار، وأن وجودها هنا ليس صدفة.
صرخ علي في وجهها، وعينيه مليئة بالحزم: "إنهم يحتاجونك!" كانت كلماته تندفع كالسيل، ولا يمكن تجاهلها. لم يكن يتحدث فقط عن الجرحى الذين كانوا حولهم، بل كان يتحدث عن الجميع. كان يتحدث عن الشعب الذي يستحق العيش، عن أولئك الذين كانوا يبذلون حياتهم من أجل وطنهم، عن الأمل الذي يحتاج إلى من يزرعه في قلوبهم، وكان يطلب منها أن تكون هي من يعيد الأمل لهذه الأرض التي بالكاد تنبض بالحياة.
كانت كلمات علي هي التي قلبت الموازين. لم يكن من السهل عليها أن تتخلى عن يأسها، لكنها شعرت بشيء مختلف، شيء أعمق من أي ألم، وكأن شيئًا قد نهض في أعماقها، شيئًا قد تم دفنه في الماضي لكن الآن بدأ يظهر من جديد. استدركت نفسها بسرعة، وأخذت نفسًا عميقًا، ثم قررت أن تعود إلى الواقع. كانت هي جزءًا من هذا المكان، ووجودها كان مهمًا. مهما كانت الآلام، ومهما كانت التضحيات، كان عليها أن تقاتل، كان عليها أن تبذل كل ما تملك.
لم ترد سوى بالنظر إليه في صمت، ثم ركضت نحو الجرحى، وتدفق الإحساس بالمسؤولية في قلبها. كانت تحرك يديها بسرعة وبهدوء، تنقل المصابين وتوقف النزيف، وتساعد في إجراء الإسعافات الأولية. كانت تشعر بالألم الذي يعصر قلبها، ولكن في تلك اللحظات، كان هذا الألم هو الذي يدفعها للمزيد من العطاء. لم تكن هناك وقت للضعف، كانت كل ثانية مهمة، وكان كل جريح يمثل حياة تود أن تنقذها. كان عليها أن تعيش لأجلهم.
بينما كانت تعالج أحد الجرحى، كان علي يراقبها عن كثب، معجبًا بما تفعله. كان يراها تقوم بمساعدة الجرحى بشكل هادئ وملموس، وكان يعجب بشجاعتها. كان يرى كيف كانت تتحرك بكل احترافية رغم الفوضى من حولها، كيف أنها كانت تركز على عملها بشكل رائع، كما لو كانت تُجسد الأمل ذاته. "أنتِ قوية جدًا، سندس." همس بكلمات كانت صادقة، لكنها كانت تدرك أنه لا يستطيع أن يفهم تمامًا ما يمر به قلبها، ولا ما يدور في رأسها.
لكن سندس كانت لا تزال تتساءل في قلبها. هل فعلاً يمكن أن تجد نفسها في هذا الميدان؟ هل يمكن أن تنجو من هذه الحرب؟ كانت أفكارها تتقاذف بين الحياة والموت، بين الحزن والرجاء. في زحمة الانفجارات، كان الحب يبدو بعيدًا جدًا، كأنه حلم بعيد. كانت تظن أن علاقتها بعلي مجرد إعجاب، لكن في تلك اللحظة أصبح شيء أكبر، شيء يعكس رغبة في الحياة، في البقاء، في الوقوف معًا ضد المجهول، ولكن حتى الحب كان يبدو مثل حلم مكسور وسط هذا الخراب.
بينما كانت تمضي في مساعدتها، كانت أفكارها تتقلب. تذكرت حياتها قبل أن تأتي إلى غزة، قبل أن تتحول إلى جزء من هذا الجحيم. كانت في مصر، بعيدًا عن المعركة، كان كل شيء هادئًا، حياة تبدو بعيدة جدًا عما هي عليه الآن. كان قلبها مليئًا بالأسئلة. هل غزة هي وطنها الآن؟ أم أن مصر لا تزال تمثل جذورها؟ هل كانت قادرة على التحمل أكثر؟ كانت هذه الأسئلة تتوالى في عقلها، لكنها كانت تعرف في قلبها أن غزة أصبحت وطنها. في وسط الحرب، بين رائحة الدم والبارود، بين الجرحى والآلام، وجدت وطنها الحقيقي.
حين تحدثت إلى علي، قالت بصوت منخفض، حزين: "لا أعتقد أننا سنستطيع أن ننجو في هذا الزمن، علي. الحرب تقتل كل شيء، حتى الأمل." لكن علي، الذي كان يراقبها بصمت، رد بنظرة حازمة، محاولًا إعادة الثقة إلى قلبها: "يالكِ من غريبة الأطوار، البارحة كنتِ تزرعين الأمل في قلوبنا، هل غيرتِ رأيك بعد أن رأيتِ الحرب؟" ثم أضاف، بصوت مليء بالمرارة: "هل ستعودين إلى وطنك؟"
كانت تلك الكلمات بمثابة سهم في قلبها. تمنت أن ترد عليه بكلمات صادقة عن وطنها، لكنها اكتفت بأن تقول بهدوء: "لن أذهب إلى أي مكان، هنا الجميع يحتاجني، هذا وطني، أيها الأحمق." وابتسمت رغم الحزن الذي كان يملأ عينيها، وأضافت: "بين رائحة الدم والبارود، توجد رائحة الحياة التي تحيينا، هذا هو الوطن، وسيبقى دائمًا كذلك. سيتحرر، وأنا واثقة من ذلك."
رد علي، وهو يبتسم بصمت، قائلاً: "إذن أهلاً بكِ، أيتها الفلسطينية. اذهبي إلى أهلنا، وأنقذيهم. لكي ننجو معًا، ازرعي الأمل في قلوبهم كما زرعته في قلبي." كانت كلماته تحمل شيئًا مختلفًا، شيئًا جديدًا من الأمل، وكان في قلب سندس شيئًا ينبض بحياة جديدة. ربما كان هذا هو الوقت المناسب للقتال، الوقت المناسب لتغيير المصير.
ثم اقتربت رؤية، وأخذت علي في حضنٍ دافئ، قائلة: "كاد قلبي يتوقف عندما سمعت أنهم فجروا المبنى." كانت عيناها مليئتين بالدموع، ثم ابتعدت عنه وقالت: "ماذا حصل؟ ألم تكن قادمًا إلى هنا؟"
رد علي بتنهيدة ثقيلة: "لقد تأخرت في الطريق، لكني لن أنسى أبدًا ما حدث. لقد قُدرت لي الحياة لأواصل مسيرتي، ولن أتوقف."
كانت سندس تراقبهم، تساءلت كيف يولد الحب في الحرب؟ كيف يمكن أن يتولد هذا الإحساس وسط كل هذا الخراب؟ كيف يمكن أن يكون هناك وقت للحب عندما تتطاير الأنقاض حولك؟
ثم، ظهرت رؤية وقالت مبتسمة: "سندس، هل تعرفين أخي؟"
ردت سندس، وهي تخفي مشاعرها: "أول من عرفته في غزة."
ثم استمرت الطبيبتان في عملهما، بينما كانت قلوبهم تغلي بالألم والمرارة. الوقت يمضي، لكنهم يدركون أن هذه الحرب لن تنتهي قريبًا، لكن ما يعزّيهم هو أنهم لا يزالون يقاومون، يعيشون، ويقاتلون من أجل الأمل.
وصباحًا، وبينما علي وسندس يتجهان نحو المشفى .دوى صوت انفجار مشفاهم الذي كانوا به للتو، وتصاعدت النيران كأنها بركان، والحقيقة أن ما بقلوب أهل غزة أكبر من أي نار في العالم.