هنا لا شيء بخير - وطن بلا وجه - بقلم layan shou | روايتك

اسم الرواية: هنا لا شيء بخير
المؤلف / الكاتب: layan shou
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: وطن بلا وجه

وطن بلا وجه

في غزةَ حيثُ الموتُ يغفو على الأرصفة، وحيثُ العدلُ كغيمةٍ لم تُطر، تُولدُ الطفولةُ عرجاء، تُحطّمها القنابلُ قبل أن تتعلمَ كيف تخطو. ننظرُ نحنُ من خلفِ الشاشات، كأنَّ الحربَ هناكَ قصّةٌ ليست من حكاياتنا، كأنَّ الدمَ ليسَ من لونِ دمائنا، كأنَّ الأطفالَ هناكَ، ليسوا أحلامًا لم تُزهرْ بعد. نتساءلُ عن الإنسانيةِ وكأنَّها نجمٌ غاب، لكنَّ الحقيقةَ أشدُ قسوةً: نحنُ من تركناها تهوي، نحنُ من سمحنا للصمتِ أن يختنقَ في حناجرنا. في غزةَ، تحت الركامِ طفلٌ يبحثُ عن أمه، وعينٌ تحدقُ في السماءِ تسألُ اللهَ إن كانَ يسمعُ، وحجارةٌ تسندُ قلبَ وطنٍ يتيم، بينما نحنُ نُشيحُ بوجوهنا، ننتظرُ معجزةً لا تأتي. أينَ الإنسانُ الذي يُفترضُ أن نكونه؟ أينَ القلبُ الذي كانَ يخفقُ لكلِ صرخةِ وجع؟ هل صرنا نرى الألمَ وجبةً إعلاميةً؟ هل بتنا نُصدّرُ الحزنَ كشعارٍ فارغٍ لا معنى له؟ غزةَ ليست حكايةً بعيدة، غزةُ مرآةٌ تنكسرُ في وجهِ كلِ من تخلى عن نفسه، وحينَ نبكي عليها، نكونُ قد بكينا على موتِ إنسانيتنا أولًا. الحرب، في جوهرها، هي اختبار قاسي للإنسانية، حيث تصبح الحياة مجرد رهان ضائع، والآمال مجرد سراب. تلك الحرب التي لا تفرق بين صغير وكبير، ولا بين براءه وظلم. هي تلك القوة التي تقتلع الوجود، وتترك في مكانه الذكريات المدمرة. وتعد غزة، تلك المدينة الصغيرة التي تحمل في طياتها الكثير من الألم والدمار، واحدة من أكثر الأماكن التي اختبرت مرارة الحروب. غزة، التي لا يمكن لأهلها أن يتخيلوا حياة دون دوي القصف. تلك المدينة التي نشأ فيها أطفال يولدون مع الأصوات المزعجة للبندقية في آذانهم، مع الجدران التي تُهدم تحت وقع الانفجارات، مع الأمل الذي يتبدد في كل يوم جديد. بالنسبة للأطفال، الحرب ليست مجرد مصطلح غريب، بل هي الواقع الذي يحيط بهم، والنشأة التي لا يعرفون غيرها. أما اليتيم في غزة، فيجسد قصة ألم طويلة. طفل فقد والديه في غارة، أو في قصف عنيف، ليواجه الحياة بمفرده في مكانٍ لا يعترف بالضعفاء. في غزة، يصبح اليتم ليس فقط فقدان الأب أو الأم، بل يصبح فقدان الأمان، وفقدان المستقبل، وفقدان الأمل. هذا اليتيم يواجه معركة يومية ليس فقط ضد البرد والجوع، بل ضد جرح عميق في القلب، جرح لا يلتئم بسهولة. وغزة، تلك المدينة التي تكاد تخلو من الأمل، تعد أيضًا رمزًا للوطن، للأرض التي لا يمكن نسيانها. الإنسان الغريب، الذي اضطرته الظروف للرحيل، يعود إليها دائمًا، عائدًا إلى مسقط رأسه، محاولًا أن يترجم العودة إلى معنى حقيقي. لكن الغربة، كما الحرب، لا تترك أحدًا في حاله. هي مثل طيفٍ يحوم حول القلب، يعذب الروح، ويبقيها مشدودة إلى مكانٍ بعيد. الغربة في قلب الشخص الذي يهيم على وجهه بين مدن بعيدة، يعرف أنه يحمل بين جنبيه حنينًا لا يمكن أن يُشفى، رغم محاولاته المستمرة. وتظل غزة، رغم الحروب، رغم الأوجاع، وأزمة اليتامى، ورغم الغربة التي يعيشها الكثيرون، المكان الذي يعيد للأشياء معناها. هي ليست فقط أرضًا للدماء، بل هي أرض للأمل. عندما تعود إليها الروح، تدرك أن كل لحظة من معاناتها هي بمثابة شهادة لصمود هذا الشعب العظيم، الذي لم يستسلم رغم كل التحديات. في النهاية، تبقى غزة في قلب كل من عاش فيها أو فقدها، هي المكان الذي يظل الحنين إليه يزداد مع مرور الزمن. الحرب تقتل، لكن الإنسان يغني الحياة بصموده، حتى وإن كان العيش في الغربة أو بين شظايا الماضي.