الفصل الأول
.............
كان اليوم في موسكو، في ديسمبر 1964، قد بدأ كما اعتاد أليكسي ميخايلوف أن يتوقعه: ضباب كثيف يلف المدينة منذ الصباح الباكر، يختلط بدخان المداخن المنبعث من المصانع المتراصة التي تُرى من نافذة الشقة الحكومية. الساعة السابعة صباحًا، عندما كان الراديو يبث أخبار الحزب الشيوعي، كان أليكسي ينهض من فراشه العتيق، مُجبرًا على التحرك بسرعة ليتجنب التأخير على الرغم من القسوة التي حملتها الأيام السابقة.
في تلك اللحظة، كان الهواء البارد يتسرب عبر النوافذ القديمة التي كانت تُغلق بصعوبة، وعيناه تنتقلان من زاوية إلى أخرى في الشقة التي كانت تضم عائلته في مساحة ضيقة. كان يفصل بين جدران هذه الشقة المشتركة بضعة أمتار فقط، لكن الحدود كانت واضحة. كان هنا، حيث كانت حياة عائلته تتداخل مع حياة جيرانهم، تجلب معها همسات عابرة عن محاولات الهروب والمخاوف التي تنبع من نظرات الآخرين. كانت الحياة الاجتماعية في الشقق السوفيتية قائمة على التوازن بين السرية والمراقبة.
أليكسي، الذي نشأ في تلك الأجواء القمعية، كان يشعر بالغربة داخل هذا النظام. شعر دائمًا أنه مجرد جزء صغير في آلة ضخمة، لا يستطيع الهروب منها. كانت الأسرة تتقاسم غرفة واحدة فقط، مع جدار يفصلها عن الجيران. في الجانب الآخر من الشقة، كان يعيش إيفان، جاره الذي عمل كموظف حكومي صغير وكان معروفًا بإخلاصه للنظام. كان إيفان، الذي تجاوز الخمسين من عمره، يحمل لقب "رفيق" في كل محادثة، ويستمع دائمًا إلى خطاباته المتكررة عن أهمية التضحية في سبيل الحزب.
بالنسبة لأليكسي، كان يكبر في عالم موازٍ تمامًا لذلك الذي رآه إيفان. على الرغم من أن أليكسي كان يظهر المواقف المقررة في ظاهر الأمر، إلا أن قلبه كان يغلي بالاحتجاج على الوضع الراهن. كان يحلم بالهروب من هذا النظام الكابوسي إلى مكان بعيد، حيث يمكنه أن يعبر عن نفسه بحرية. لكن الأحلام وحدها لم تكن كافية للبقاء في تلك الظروف، حيث كانت عيون الجيران تتبع كل حركة، وكان أي فعل غير عادي يعتبر جريمة.
في تلك الفترة، كانت طوابير الطعام تملأ الشوارع، وكل يوم كان يشهد مواجهة جديدة للحصول على الحصص التموينية من السلع الأساسية. تم توزيع الرغيف، الحليب، والزبدة على أساس حصص محدودة، وكان الجميع يعرف أن هناك شيئًا ما خاطئًا في هذا النظام. كان أليكسي يقف يوميًا في طابور طويل أمام مخزن "غوستين" للحصول على حصته من اللحم، الذي كان غالبًا ما يأتي مع رائحة غير مستساغة، لكن لا أحد كان يجرؤ على الحديث عن ذلك. وفي كل مرة كان يسحب فيها رزمة اللحم من يد المسؤول، كانت عيناه تتلاقى مع عيون الآخرين في الطابور، كل واحد منهم يبحث عن طريقة للهروب أو عن أمل بعيد.
في هذه الأجواء المظلمة، لم يكن يتمتع أحد بالرفاهية في مجتمع يسوده الخوف الدائم. كانت الجدران محشوة بأخبار متقطعة، تصل إلى الجيران عبر الراديو أو الصحف المسيسة مثل "برافدا". كان الجميع ينتظرون القرارات القادمة من المكتب السياسي، وكان هذا الأمل الوحيد في حياة الناس العاديين. بالنسبة لأليكسي، كانت الحريات البسيطة التي يتوق إليها تتناثر بين الكلمات المحظورة والوعود التي كان يراها مجرد أكاذيب.
عندما كان يذهب إلى العمل في مصنع "زيل" لصناعة السيارات الثقيلة، كان يعبر على مقربة من أحد مباني الكي جي بي، تلك المباني التي كانت تراقب الجميع. وفي فترات الظهيرة، كان يعود إلى شقته، حيث يلتقي مع جيرانه في الممر الضيق، وتدور الأحاديث بين المارة عن الأخبار العسكرية الجديدة. كان الجميع يعرف أن شيئًا ما كان يحدث على الحدود، حيث كانت الأخبار تصل في أوقات غير منتظمة: انشقاق بعض الضباط عن النظام، أو تجهيزات عسكرية مفاجئة.
ذات يوم، بينما كان أليكسي يتناول طعامه المتواضع المكون من بطاطا مسلوقة وسلطة، دخلت ناتاليا، زوجة جاره إيفان، إلى المطبخ. قالت بصوت منخفض: "سمعت أنهم يجهزون الجنود من جديد، في الوقت الذي يواجه فيه الجيش الأوكراني تحديات كبيرة على الحدود". لم يكن هذا الكلام يثير استغراب أليكسي، لكن ما جعله يلتفت هو أن ناتاليا كانت تتحدث عن شيء لا يتداول بين الناس عادة، كان لديها معلومة جديدة.
"هل تعتقد أن هناك حرب قادمة؟" سأل أليكسي، وهو يحاول إخفاء قلقه، بينما كانت يده تمسك بكأس الماء. لم ترد ناتاليا على الفور، بل تبادلت النظرات مع زوجها الذي دخل فجأة إلى الغرفة.
"أليكسي، لا يمكننا الحديث عن ذلك هنا. الأماكن ليست آمنة، حتى الجدران هنا يمكن أن تراقبنا"، قال إيفان، وهو يضع يده على قلبه وكأنما يطمئن نفسه.
كانت الإشاعات حول الخطط العسكرية تتزايد، لكنها كانت تبقى دائمًا في الظلال. كانت المدينة، بكل تفاصيلها المظلمة، تنبض بالحياة، لكن على نحو غريب: حيث لا تستطيع الناس البوح بما في قلوبهم خوفًا من العواقب. حتى الأخبار التي كانت تُذاع على الراديو في ساعات الليل المتأخرة كانت تغلف بعبارات غامضة لا تقدم معلومات حقيقية، ولكنها تعزز الفكرة العامة بأن "الأعداء في الخارج" قد أصبحوا يشكلون تهديدًا أكبر.
ومع تقدم الساعات، كانت الشمس تكاد تختفي وراء السحب الرمادية التي كانت تهيمن على السماء، ومع اقتراب المساء، كانت الشوارع تتحول إلى مناطق أشباح، مع بعض الأنوار التي تنبثق من نوافذ المباني البائسة. كان الجميع في الشقق الحكومية يعيشون حياة مستمرة من الجهد والعمل، لكن الأمل في الخلاص كان يزداد ضبابية، مع كل يوم يمر بلا تغيير.
في تلك اللحظات، كان أليكسي يتساءل عن مستقبله في ظل هذا النظام، كان يعلم أن السنين المقبلة ستُشكل حياته بطرق لا يستطيع التنبؤ بها. كلما كان يواجه الواقع، كان يجد نفسه محاطًا بالمراقبة: من الجيران، من المسؤولين، حتى من أصدقائه المقربين. بينما هو داخل هذا النظام الحديدي، كانت أحلامه تتخذ شكلًا واحدًا: الهروب. ولكن الهروب من هذا الجحيم لم يكن مجرد خيار بسيط، بل كان عملية معقدة ومليئة بالمخاطر، لم يكن يتضح بعد كيف سيتنقل فيها.
كانت الليالي في موسكو ثقيلة كما كانت الأيام. في تلك الشقة الحكومية، كان الليل غالبًا ما يسود من دون أن يشعر أحد بفارق كبير بين ساعات النهار والليل. كانت الأنوار خافتة، والظلال تتسرب من الجدران المهترئة التي تحمل آثار الزمن. في الخارج، كان صمت المدينة يختلف عن الصمت الذي يعرفه العالم الغربي. موسكو، تلك المدينة التي احتفظت بأسرارها وراء جدرانها العتيقة، لم تكن تعرف الحياة كما يعيشها الآخرون. كان كل شيء يتسم بالحذر، والقلق كان يحيط بكل شخص في شقة أليكسي.
في تلك اللحظات، بينما كان الظلام يحل شيئًا فشيئًا على الشوارع الضيقة، كان الحديث يدور في زوايا الشقة بين أفراد العائلة. ناتاليا، زوجة أليكسي، كانت تشعر بضغط نفسي مستمر. كانت تعرف أن الخوف يتسرب إلى الحياة اليومية، وأن ما يمكن أن يبدو يومًا عادياً قد ينقلب إلى كارثة في أي لحظة. في إحدى الأيام، كانت تتحدث إلى أليكسي بهدوء، وكأنها تحاول استعادة شيء من الأمل الضائع. قالت له: "أليكسي، لقد سمعت أن هناك شحنات جديدة من الأطعمة القادمة من بلدان أخرى، ولكننا نعلم أنه لا يمكننا الوثوق بما يُقال. حتى الأرز الذي يتم توزيعه في المتاجر هو مجرد نسخة رديئة من الذي كان متاحًا سابقًا."
كان أليكسي يفكر في كلماتها بتمعن، يتأمل في تفاصيل الحياة التي كان يراها تتدهور أمامه. في الماضي، كان لديهم بعض الأمل في جلب السلع الأساسية من السوق السوداء، لكن الأسعار كانت تتصاعد يومًا بعد يوم. حتى المنتجات التي كان يشتريها من مخازن الدولة لم تعد كما كانت عليه. كانت المحلات المخصصة لبيع المواد الغذائية، مثل "روس تورو"، مليئة بالرفوف الفارغة. السلع التي كانت توزع على أساس الحصص التموينية من خلال نظام البطاقات، مثل الزبدة والحليب، أصبحت نادرة بشكل متزايد.
الأسواق، التي كانت تجمع أنواعًا مختلفة من البضائع المستوردة من الدول السوفيتية الأخرى، كانت تحت رقابة مشددة. كانت الإعلانات تقول "السلع متوفرة، لكن لا تشتري أكثر من حصتك"، وكانت المنتجات الكمالية مثل الثوم الطازج أو الفواكه الموسمية أصبحت من الكماليات البعيدة.
وكانت الأخبار العسكرية التي تنتشر في الصباحات الباردة تؤثر على النفس أكثر من أي وقت مضى. في الراديو كانت تُسمع أخبار عن تجهيزات عسكرية في البلدان الحدودية، مثل بولندا وألمانيا الشرقية، حيث كان الجيش السوفيتي في حالة تأهب. كانت الكلمات التي يتم بثها عبر محطات الراديو، مثل "التأهب الكامل" و"الاستعداد لحماية النظام السوفيتي"، تزيد من التوتر في الجو. وكأن الناس كانوا يعيشون في انتظار شيء غير معروف، شيء يمكن أن يتحول إلى كارثة.
في هذه الأوقات، كان أليكسي يتذكر الحديث الذي دار في إحدى الأمسيات مع جاره إيفان. كان إيفان رجلًا مسنًا، يشتهر في الحي بآرائه التي تعكس نوعًا من الانضباط العسكري. كان يشكو في أغلب الأوقات من الوضع المتدهور، لكن دون أن يجرؤ على التحدث بصوت عالٍ. كان من النادر أن تخرج الكلمات الجادة عن هذا الرجل الذي عاش أكثر من نصف حياته في ظل النظام السوفيتي. في إحدى الأمسيات، عندما اجتمع الجميع في الممر الضيق في الشقة، قال إيفان: "الكل يظن أن الأمور ستستقر، ولكن لا أحد يعرف ما الذي يخفيه المستقبل. وكلما فكرت في هذا الوضع، كلما ازداد شعوري بالعجز."
كان الحديث عن الجيش وحالة التأهب هو السائد في تلك الأيام. كانت الشوارع تكتظ بالجنديين الذين يتجولون بعصبية. كانت سياراتهم العسكرية تتحرك في شوارع موسكو التي بدت أكثر ضيقًا من أي وقت مضى. كان أليكسي يلاحظ هذه التفاصيل الصغيرة، التي ربما كانت غير واضحة للبعض، لكنها كانت بمثابة إشارات بالنسبة له على أن هناك شيئًا ما على وشك الحدوث. كان يشعر في أعماقه أن هذه الأيام، التي كانت تبدو وكأنها ستستمر إلى الأبد، هي بمثابة مرحلة فاصلة في تاريخ وطنه.
وفي أحد الأيام الباردة في ديسمبر، كانت عائلة أليكسي تجلس معًا في المطبخ الدافئ، بعد أن تذوقوا طعامهم القاسي. كان الحديث يدور عن الأخبار العسكرية، وعن تزايد التوتر على الحدود السوفيتية-الألمانية. كان أليكسي يتابع الأخبار عن كثب، يشعر بقلق شديد على مستقبل وطنه، وعلى مصيره الشخصي. كانت المواقف التي يواجهها في العمل، ومشاهد الصراع الذي كان يراه يومًا بعد يوم، تبعث فيه شعورًا بالعجز التام. كان يعمل في مصنع "زيل" لصناعة السيارات، حيث كان يتعامل مع معدات ضخمة تحت إشراف ضباط عسكريين، ولكن على الرغم من تفانيه في عمله، كان يشعر بأن العالم الذي يعيش فيه يتجه نحو الانهيار.
بالتوازي مع مشاعر القلق، كان أليكسي أيضًا يدرك أنه لا يوجد خيار آخر سوى تحمل هذا الوضع. كان كل شيء حوله يدفعه إلى الحفاظ على الهدوء والاتزان، حتى لو كان قلبه يغلي بالاحتجاج. كانت كل حركة وكل كلمة يتلفظ بها الناس في الحي تحت المراقبة، ويعرف أليكسي أن أي خطوة خاطئة يمكن أن تكون بمثابة النهاية. "ماذا لو اخترنا أن نغادر؟" كان يتساءل بينه وبين نفسه، لكن الهروب من هذا النظام كان حلمًا بعيد المنال.
في صباح أحد الأيام الباردة من ديسمبر عام 1964، كان المنزل يعج بالصمت المتوتر. كانت الثلوج قد تغطى النوافذ الصغيرة للشقة الحكومية، والشوارع أمام المبنى كانت شبه خالية، إلا من بعض المارة الذين تسارعوا في خطواتهم تحت أغطيةهم الثقيلة. كانت عائلة أليكسي ميخايلوف تشعر بآثار البرد القارس الذي يخترق الجدران المتشققة للشقة الصغيرة التي تعيش فيها منذ سنوات. لم يكن لديهم خيار آخر سوى التكيف مع هذا الواقع القاسي، إلا أن هذا التكيف كان مريرًا إلى حد كبير.
في هذه الأيام، كانت الحياة اليومية تتسم بالروتين القاسي: الاستيقاظ باكرًا قبل الفجر، تجهيز الوجبة الخفيفة التي لم تكن أكثر من شريحة من الخبز الأسود مع الزبدة التي بالكاد تكفي، والخروج إلى الطوابير الطويلة للحصول على حصص الطعام. كانت البطاقة التموينية هي المكون الأساسي في حياة العائلة، حيث كانت توفر لهم الحد الأدنى من الغذاء. كانت هذه البطاقات تشكل قيودًا على حرية الإنسان، وقد عاشت الأسرة حياة قائمة على الانتظار والتوقع. ولكنهم كانوا مضطرين لتحمل كل هذا، لأن الخروج عن هذه القواعد كان يعني الوقوع في فخ الإدانة أو التهديد.
في غرفة المعيشة الضيقة، كان أليكسي، الرجل في أوائل الثلاثينات من عمره، يتحدث مع زوجته ناتاليا. كانت ناتاليا شخصية هادئة، عميقة التفكير، وفي الوقت نفسه، كانت متعبة للغاية. كانت تعرف أن حياتهم ستظل محكومة بتلك القيود التي لا مفر منها. عيونها، التي بدت في بعض الأحيان ضبابية بسبب الإرهاق، كانت تدور حول الغرفة كما لو أنها تبحث عن مخرج. كان أليكسي يلاحظ ذلك، ولكن كان يعلم أن أي محاولة لتحفيزها على التفاؤل لن تؤدي إلا إلى المزيد من السكون.
كان الحديث بينهما يعكس القلق المستمر الذي كان يعيشه الجميع في هذا العصر. قالت ناتاليا: "أليكسي، هل تعتقد أن الحياة ستظل على هذه الحال؟"، وسكتت لحظة، ثم أكملت بصوت منخفض: "لقد أصبحنا مثل العصافير في القفص، ننتظر لحظة من الحرية قد لا تأتي أبدًا."
أليكسي، الذي كان يشعر بثقل المسؤولية على عاتقه، نظر إلى ناتاليا وعيناه تحملان عزمًا لا يمكن أن يُفهم إلا من أولئك الذين عاشوا هذا النظام عن كثب. أجاب بنبرة هادئة، ولكنه مليئة بالإصرار: "ناتاليا، لا شيء يدوم إلى الأبد. ربما تكون هذه اللحظة هي الأكثر صعوبة، لكنني على يقين أن هناك فرصًا أخرى قد تأتي، حتى ولو كان ذلك بعيدًا جدًا."
في تلك اللحظات، كان الحديث عن الهروب من هذا الواقع الحتمي يتردد في ذهن أليكسي. كان يحلم بالهروب إلى عالم آخر بعيدًا عن رقابة الدولة ونظامها القاسي. كان يطمح لأن يعيش حياة أكثر حرية، لكن كانت تلك الأفكار مجرد أحلام بعيدة في ظل الوضع الراهن. كان يذكر دائمًا نفسه بأن السعي وراء الحرية لا يأتي إلا بعد أن يتخذ المرء قرارات حاسمة، وهذه القرارات لا تأتي بدون ضريبة كبيرة.
في زاوية الغرفة، كان إيفان، والد أليكسي، يجلس على الكرسي القديم الذي ورثه عن جده. كان إيفان شخصية متزمتة، يحمل على كتفيه عبء سنوات طويلة من الصمت والإخفاء. لم يكن يتحدث كثيرًا عن الماضي، وكان يحاول جاهدًا أن يجعل أبنائه يعيشون حياة طبيعية قدر الإمكان في هذا الواقع. لكن في أعماق قلبه، كان يعاني من الألم، من شعور الندم على أشياء لم يفعلها وأخرى فعلها مجبرًا. كان يعلم أن ولده أليكسي كان يعاني بشكل أكبر منه، حيث كان أليكسي في مرحلة كانت فيها الأحلام بالخروج من هذا القيد تتلاقى مع الواقع البائس الذي يعيش فيه.
قال إيفان ذات مرة أثناء جلوسه في تلك الزاوية المظلمة من الغرفة: "إذا أردت أن تبقى حيًا في هذا البلد، عليك أن تتعلم كيف تكون غير مرئي. لا تحاول أن تبرز، وألا تكون مميزًا، لأن تلك ستكون نهايتك."
كانت الكلمات التي قالها إيفان بمثابة قاعدة غير مكتوبة في الحياة السوفيتية. كانت الحياة اليومية في الاتحاد السوفيتي في الستينات مليئة بالتحديات، وكانت العائلة تشعر بذلك بشكل يومي. كان الناس يخفون مشاعرهم، خوفًا من الوشاية. كانت النميمة عن الجيران أو الزملاء في العمل أصبحت سمة من سمات الحياة الاجتماعية.
وكان من بين الجيران في المبنى هناك فاسيلي، الذي عمل في أحد المصانع العسكرية. كان فاسيلي شخصية محورية في الحي، وكان لديه طريقة في التحدث عن الأحداث السياسية التي كانت تمر بها البلاد. كثيرًا ما كان يتهامس مع أليكسي في الردهة حول أخبار الدولة، ولكنه كان حريصًا على عدم التحدث بصوت مرتفع. كان فاسيلي يتحدث عن الجيش السوفيتي وعن الأوضاع المتوترة على الحدود الشرقية. كانت الأخبار تتسرب من خلاله إلى الحي، وكان دائمًا يشير إلى أنه ينبغي على الجميع أن يظلوا يقظين وأن لا يثقوا بأي شخص غريب.
كان صوت الراديو يملأ الهواء في معظم أيام الأسبوع، إذ كان يبث الأخبار العسكرية والسياسية بشكل مستمر. كان أليكسي يسمع الأخبار التي تتحدث عن التهديدات العسكرية في دول مثل بولندا وألمانيا الشرقية، وكان يشعر بقلق دائم يتسرب إلى قلبه. كانت هذه الأخبار بمثابة تذكير دائم بأن النظام السوفيتي لم يكن يثق في أحد، وأن العالم كان يتغير بسرعة، بينما كانت الحياة اليومية في موسكو تتباطأ تحت وطأة هذا النظام.
في تلك الأيام، كانت ناتاليا وأليكسي يحاولان أن يعيشا حياة طبيعية قدر الإمكان، رغم الصعوبات. كان الأطفال، إينا وإيفان الصغير، يشغلون معظم أوقات ناتاليا، في حين كان أليكسي يواصل عمله في المصنع، حيث كان يمضي ساعات طويلة في العرق والعمل الشاق. وكان أليكسي يراقب الأخبار عن كثب، يشعر أنه لا يزال هناك بصيص أمل بعيد، رغم أنه كان يبدو أن البلاد تتجه نحو المجهول.
لكن في هذا الواقع الصعب، كان أليكسي يشعر في أعماقه أن هناك شيئًا ما سيتغير. قد تكون تلك اللحظة التي بدأ يشعر فيها بشيء من الغموض قد جاءت على نحو غير متوقع. كان يعرف أن الحلول في هذا الواقع المقيد لا تأتي بسهولة، وأنه يجب أن يكون حذرًا في كل خطوة. ولكن رغم كل ذلك، كان يظل هناك شعور داخلي في قلبه يذكره بأن التغيير في النهاية أمر حتمي، حتى لو لم يكن يعرف متى سيحدث.
في الشقة الحكومية، حيث كان السقف منخفضًا والجدران رقيقة بما يكفي لسماع همسات الجيران في الغرف المجاورة، كانت الحياة الاجتماعية تتشكل بناءً على محادثات يومية متواصلة، بعضها صادق، والبعض الآخر مختلط بالخوف والتوجس. كانت العلاقات بين الجيران، رغم كثافة الوجود البشري في المبنى الواحد، تقتصر على القليل من الكلام المتبادل. كان الجميع في هذا المبنى، الذي كان يقع في منطقة "بيريلي"، يعرفون بعضهم البعض جيدًا، لكنهم في نفس الوقت كانوا يحترمون المسافات الفاصلة بين شخص وآخر. كانت أوقات الحديث تقاس بالأشهر أو حتى السنوات. رغم أن المظاهر كانت تحمل الطابع الطبيعي للعلاقات الإنسانية، كانت الأجساد تتجنب الاقتراب إلا حين الضرورة القصوى.
كانت الجارة ماريا في شقتها المقابلة لأليكسي ناتاليا عائلة. كانت ماريا امرأة في منتصف الأربعينات من عمرها، تعيش بمفردها في الشقة بسبب انفصالها عن زوجها بعد سنوات من الزواج القاسي. كانت تعمل في أحد المصانع الخاصة بالأجهزة الكهربائية، لكن ذلك لم يكفِ لتوفير حياة مستقرة. كانت تقف في الطابور مع الآخرين يوميًا، تحمل بطاقة تموينها التي تتيح لها الحصول على الحصة المحدودة من الطعام. كانت تذهب إلى العمل متعبة وتعود مرهقة، ولكنها دائمًا ما تحاول البقاء محافظة على رزانتها وحياتها.
في أحد أيام الجمعة الممطرة، حيث كانت الرياح تتسابق عبر الأزقة الضيقة، كانت ماريا على باب شقتها، وهي تتحدث مع ناتاليا عن حادثة وقعت في المدينة. حدث ذلك عندما حاول أحد العمال في المصنع أن يرفع صوته اعتراضًا على السياسات الحكومية. لم يكن هذا الحادث سوى مجرد إشاعة تم تداولها بسرعة، لكن الجميع كان يدركون أن الكلمة "إضراب" كانت كافية لتحويل أي شخص إلى عدوي للنظام. قالت ماريا بصوت منخفض، لكنها مسموع، "لا أحد يستطيع الآن أن يعبر عن رأيه بحرية، كل من يتحدث ضد الحكومة يصبح هدفًا. حتى التفكير في التغيير يعني الدخول إلى دائرة الخطر." كانت ناتاليا تستمع بتركيز، رغم أنها كانت تعلم أن حديث ماريا هو مجرد صدى لما سمعته عدة مرات من قبل.
على الرغم من أن ناتاليا كانت امرأة صبورة، إلا أن كلمات ماريا كانت تثير لديها شعورًا عميقًا باليأس. لكن في ذات الوقت، كانت تتذكر أنه من الأفضل ألا تتحدث عن مثل هذه المواضيع في الأماكن العامة أو أمام أشخاص قد يكون لهم علاقة بالسلطات. كان هناك الكثير من المخاطر، حتى في أبسط الأحاديث.
في إحدى المرات، بينما كانت ناتاليا تقف في الردهة مع جارتها ماريا، كان هنالك صوتٌ مميز يأتي من الباب المجاور. كان هذا الباب يعود إلى عائلة "سيرجييف". كانت عائلة سيرجييف، التي تتكون من الأب سيرجي، الأم يلينا، وابنتهما الوحيدة أنيا، واحدة من العائلات التي كانت في حالة دائمة من التوتر. كان سيرجي، الذي كان يعمل في مصنع للمعدات العسكرية، قد اعتاد أن يتحدث عن عمله بطريقة مشوشة، دائمًا ما يختصر الكلام عن "الأشياء التي لا ينبغي مناقشتها". كان يملك بعض العلاقات مع أفراد من الجيش، ورغم أنه لم يكن يصرح بذلك، كان الجميع في الحي يعلمون أن سيرجي كان قد مر بتجربة عميقة خلال خدمته في الحرب. كان دائمًا يحذر من الاقتراب من السلطة وأن الحياة لا يمكن أن تستمر إلا من خلال إظهار الولاء المطلق للنظام. كانت سرية المعلومات في هذا المبنى جزءًا من تفاصيل حياتهم اليومية.
في أحد الأيام، كان أليكسي قد خرج مبكرًا في الساعة السادسة صباحًا إلى عمله في مصنع صناعة السيارات، حيث كان يشغل وظيفة مراقب جودة. وكان المصنع الذي يعمل فيه يعاني من نقص في المواد الخام، مما جعله يقضي ساعات طويلة في ترتيب الأمور البيروقراطية ومتابعة العمليات التي كانت تحدث في ظل بيئة مليئة بالتوتر. كان أليكسي يعلم أنه لا يمكنه أن يعبر عن رأيه في مكان العمل. كان الأمر ببساطة يعني "انتهاء حياته المهنية". ولذا كان يفضل الصمت، رغم أنه كان يشعر أنه في صراع داخلي دائم مع نفسه.
في المساء، كان يعود إلى شقته في الساعة السابعة تقريبًا، وفي تلك اللحظات كان كل شيء في المنزل يتحول إلى طقوس روتينية لا مفر منها. ناتاليا كانت تقف أمام موقد الغاز القديم، الذي كانت تحاول من خلاله إعداد الوجبة الوحيدة التي يمكن أن تحضرها في اليوم. بينما كان أليكسي يغلق الباب خلفه، كان يلاحظ الجيران في الممرات يتحدثون، لكن من دون التفاعل الزائد.
ثم كان هناك دائمًا شخص لا يمكن أن يغيب عن هذه الاجتماعات غير الرسمية: كان إيفان، جد أليكسي، الذي كان يتحدث دائمًا عن السياسة القديمة والحروب التي مر بها. كان إيفان يتذكر الأيام التي كان فيها في الجيش، وكان يروي القصص الطويلة عن معارك لم يرها أحد سوى الجنود الذين شاركوا فيها. لكن كان إيفان لا يتحدث أبداً عن أي شيء قد يشير إلى ماضيه، بل كان يركز على الطابع القاسي للحروب و"الصمت الذي كان يسود". كانت هذه القصص بمثابة وسيلة لتهدئة أليكسي، الذي كان يطرح أسئلة عن المستقبل، وعن إمكانية أن تنقلب الأمور في يوم ما.
في الوقت الذي كانت فيه العائلة تتناول العشاء، كان النقاش يتدفق حول الطعام، على الرغم من أنه كان قليلًا. كان التركيز على كيفية استدامة حياتهم في ظل النقص الكبير في المواد. وتذكر أليكسي كيف كان يذهب مع أصدقائه من المصنع إلى السوق السوداء لشراء السكر والأرز، وكانوا يحصلون على منتجات تأتي من دول خارج الاتحاد السوفيتي. كانت تلك السلع الأساسية محط اهتمام، رغم ارتفاع أسعارها بشكل غير معقول.
في تلك الأمسيات المظلمة، بينما كان الجميع يبتعدون عن بعضهم البعض خوفًا من الأعين المتلصصة، كان أليكسي وعائلته يشعرون بوطأة الحياة التي لم يكن لديهم القدرة على الهروب منها. ولكن وسط هذا كله، كانت ناتاليا وأليكسي يتحدثان عن حلم بعيد: "هل سيتغير شيء في يوم ما؟" كان السؤال يطوف حول عقولهم، لكن الإجابة دائمًا كانت غامضة.