صمت الجدران
الفصل الرابع-:
خطواته كانت ثقيلة، تُحدث صدى في الممر المظلم الذي يشبه قلبًا من الظلام لا يرحم. الجدران تحتفظ بصمتها، كأنها تسحب كل ما في الداخل إلى اللاشيء، صامدة وكأنها تعرف أشياء لا يجرؤ أحد على قولها.
الأسمر وقف أمام الباب المعدني، رقم 004 محفور بوضوح كأن الحياة نفسها قد نحتته. مد يده ببطء لفتح الباب، وحين تحرك المفصل، كان الصوت يشبه نغمة مسدس قد أطلق للتو في الصمت، يُرسل إشارة إلى الموت الذي يقترب.
الجو داخل الغرفة كان خانقًا، هواءها مشبع برائحة الدم والمعدن العتيق، وكأنها غرفة قد تمتص كل العذابات الممكنة. الجدران رمادية، تغطيها بصمات من الدم، وكلمات غريبة محفورة بحواف غائرة وكأنها نُحتت في الوجدان، تنتظر من يقرأها.
في الزاوية، كان ساجي مكبلًا بالسلاسل الثقيلة، جسده مرتجف من الألم، ولكن عينيه تشعان بتحديٍ لا يلين، مشبعة بالخوف والغضب. كان محاصرًا في مكانه، لكن لم يكن في عينيه استسلام.
اقترب الأسمر منه ببطء، مرر يده على الطاولة الخشبية، الصوت كأنه خشخشة قشور عظام قديمة، محبب للشيطان. همس بكلمات ذات نغمة ثقيلة، ناعمة، ولكنها كانت تحمل شيئًا ثقيلًا، شيئًا غير بشري.
"ريوستاه مانداراه... نولوس كاتا..."
صوته كان يشق الهواء كما لو كان يفتح بوابة لعالم آخر، وعينيه، الغارقة في العدم، لم تُبدِ أي شعور، بينما هو يُعد أداة حادة، أشبه بزناد السكاكين القديمة. رفعها ببطء، والوقت وكأنما توقف في لحظة مليئة بالألم.
فجأة، غرز السكين في جسد ساجي، سحبه بحركة مفاجئة، تاركًا أثرًا عميقًا من الدم يتناثر حوله. صراخ ساجي تمزق في الفضاء المظلم، وتردد صوته كصدى في مكان فارغ.
"فاروستا... تونا... ريكان..."، كانت كلماته غريبة، غير مفهومة، وكأنها تقع على الأذن كصوت الأنين في الظلام.
الأسمر ابتسم، ولكن ابتسامته لم تكن مجرد ابتسامة، كانت ابتسامة الجحيم نفسه. ثم، بكل قسوة، سحب ساجي عنوة، ودفه داخل الزريبة المظلمة حيث كانت الكلاب تنتظر، أنفاسها الثقيلة تمزق الصمت. لم يكن هنالك عيون بشرية، كانت هناك فقط عيون جائعة، ملتهبة كالنيران التي لا تُشبع.
الكلاب تحركت، لاهثة نحو الجثة، وكانت كل حركة مثل فوضى من الفتك. فور أن سقط ساجي على الأرض، انقضت عليه الكلاب بقوة شرسة، كانت أنيابها حادة كالسكاكين، تلتهم لحمًا ودمًا. الكلاب كانت تشعر بالجوع الذي لا يرحم، تلتهم كل شيء، كأنها تتحرك في وقت خارج الزمن، لا تكتفي أبدًا.
حركة واحدة، ثم الثانية، ثم بدأ الدم يتناثر في كل زاوية، بينما الكلاب تمزق جسده قطعة قطعة، كالآلات التي لا تعرف الرحمة. عضّت أحد الكلاب ذراعه، ثم مزقت لحمها بأسنانها الحادة، وجدت نفسها تستقر في قلبه.
كلما تمزق جسده، كانت الكلاب تشعل فتيل الجحيم حوله. كانت إحدى الكلاب قد أمسكت بلحم وجهه، تقطع جلده كأنها تمزق قطعة قماش، قبل أن تكتشف أنها قد وصلت إلى لسانه، فتقطعه بأسنانها الشرسة، والدماء تسيل في وحل الأرض.
الكلاب الأخرى كانت تتدافع حوله، تنهش في بقايا جسده، وكلما حاول ساجي أن يصرخ، كان الهواء حوله يزداد ضيقًا، كل نفس كان يجره إلى أعمق نقطة في الظلام. الجدران التي تحيط به، امتصت كل شيء، حتى الصوت نفسه، كأنها تلتهمه معها.
واحدة تلو الأخرى، الكلاب تقاتل على بقايا جسده، تنهش في الأطراف، تسحب الأعضاء، وتتركه قطعةً قطعة في هذه الساحة الجحيمية. حتى يده التي كانت ممدودة على الأرض أصبحت بلا حركة، وعينيه، اللتين كانتا تحملان أمل الحياة، أطفأهما الألم.
في النهاية، ما تبقى من ساجي لم يكن سوى قطعة مهشمة، جسد ممزق بلا شكل، قطعة قماش مغلفة بالدماء. أحد الكلاب كان يقف أمام فمه، ممسكًا بأجزاء من جسده المهدم كغذاء ناعم، بينما كان الدم يلطخ فمه وأنيابه. كانت الكلاب لا تزال تتنقل في الغرفة، وكل واحدة تسحب قطعة جديدة لتأخذها.
الأسمر وقف في الزاوية، يراقب المشهد بكل برود، وجهه خالي من التعبير، بينما الكلاب تتقاتل على ما تبقى من جسد ساجي.
"هذا مصير من يظن أنه قادر على التحدي"، همس لنفسه، بينما أغلق الباب خلفه، تاركًا وراءه دمارًا يصعب فهمه.