بين امواج و ظلال
الفصل الثاني -:
الليل يعم الشاطئ، والبحر في الشتاء يشبه وحشًا جائعًا. أمواجه تتلاطم بعنف، تتردد صداها في كل زاوية من الأرض، كأنها تتنفس غموضًا قديمًا، يروي أسرارًا دفنتها العصور. الصخور تتصادم مع الأمواج، تصدر صوتًا مدويًا، كأنها تنهار تحت ثقل الزمن، رذاذها يعلو ويغطي كل شيء حوله، حتى الشاطئ الذي كان هادئًا في السابق أصبح الآن في غمرة من الضجيج والوحشة.
الهواء بارد، يلسع الوجه كأشواك الصقيع، ورائحة البحر المالحة تعبق في الأجواء، تدخل الأعماق وكأنها تفتح أبوابًا مغلقة في الروح. السماء ملبدة بالغيوم، تتماوج مع حركة البحر، ولا تكاد تشع ضوءًا، كأن الزمان توقف ليقف مع البحر في صراع مستمر.
أحمد، في تلك اللحظات، يقف على الرمال المبللة، عينيه تغرقان في البحر، ملامحه ثابتة رغم كل هذا العصف حوله. قدماه تغوصان في الرمال الرطبة، وكأن الأرض نفسها تشعر بما يخفيه قلبه. كل موجة تتساقط أمامه وكأنها تقطع الخيوط التي تربطه بالحياة، تسحب جزءًا منه، شيء لا يستطيع تحديده، لكنه يعلمه جيدًا. لكن البحر لا يكترث، يستمر في عزفه الوحشي، يأخذ ويعطي بلا رحمة.
بينما كان يتأمل البحر، وقعت عينيه على صخرة كبيرة قريبة. خطواته البطيئة نحوها كانت تشبه السير على حافة حافة العالم، وكلما اقترب منها، ازدادت العزلة في نفسه. جلس على حافة الصخرة وأغمض عينيه لثوانٍ، يلتقط أنفاسه كما لو كان يحاول أن يهرب من كل شيء حوله. لكنه لا يستطيع. البحر كان يهمس له، يطلب منه أن يأتي، أن يغرق في أمواجه، أن يترك كل شيء وراءه.
ثم، فجأة، ودون تفكير، قفز أحمد إلى البحر، كأنه يهرب من نفسه. جسده يلتقي بالماء البارد، أمواجه تضربه بعنف، وكأنها ترش عليه تفاصيل من الماضي الذي لا يستطيع الهروب منه. يضحك في قلب الموج، وكأن الحياة كلها، بكل آلامها وذكرياتها، أصبحت في تلك اللحظة، في تلك الأمواج التي تبتلع كل شيء.
اللحظات تمر، والأمواج لا تهمه، والبحر كما هو، يعزف على أوتار الحزن. لكنه يشعر بشيء غريب. في هذا البحر، يوجد نوع من الفهم بينه وبين الأمواج. البحر، مثله، يحمل أسراره، يخبئ جراحه في أعماقه، ولا يعترف بالزمن ولا بالحزن.
بعد ساعة من السباحة في تلك الأمواج القوية، خرج أحمد من البحر بهدوء، جسده مبتل، ويداه مجروحتان من الصخور، لكنه لم يهتم. ارتدى معطفه الأسود، وهو يحاول التخلص من البرودة التي تجتاحه. حمل هاتفه ليتحقق من المكالمة الفائتة من أخيه جاسر.
"يا أخي، شفيك؟ ساعتين وأنا أدق عليك! وينك؟" جاء صوت جاسر على الطرف الآخر، قلقًا.
أحمد ابتسم بخفوت، ثم أجاب بلهجة هادئة: "ما فيه شيء. أنا في البحر، ما شفت اتصالك."
سمع صوت غاضب من جاسر، قبل أن يُغلق الخط. أحمد ابتسم، لكنه شعر بشيء آخر، كأن شيئًا ما بدأ يخرج من أعماقه، شيئًا كان مدفونًا في الأعماق.
دخل سيارته، وأغلق الباب برفق. تنهد بعمق، ثم بدأ في تحريك السيارة بعيدًا عن الشاطئ. أخرج سيجارة، أشعلها ببطء، وفتح نافذة السيارة ليدخل الهواء البارد. عينيه تتنقل بين الطريق والمكان الذي تركه خلفه، وكأنهما شيئان غير متصلين.
ثم، ظهر شخص آخر. أحمد تبادل معه التحية بلطف، وأشعل له سيجارته. بدأ يدخن، وفي كل نفس كان يزداد انغماسًا في أفكاره، كما لو كان يبحث عن شيء في الضباب.
الأسمر: "كيفك يا أحمد؟"
أحمد سحب نفسًا عميقًا من سيجارته، ثم قال بنبرة هادئة ولكنها تحمل شيء من السخرية: "زهقنا، يا رجل، الحياة ما تخلص."
الأسمر: "إيه، وش سالفتك؟ وش فيك؟"
أحمد أطفأ السيجارة بنعومة، وأجاب بلا مبالاة: "ما فيه شيء. بس مليت، وكل شيء صار ممل."
الأسمر: "الحياة مليانة فرص. لازم تستغلها."
أحمد نظر إلى البحر، ثم قال بهدوء، كأنه يناقش نفسه: "الفرص... الفرص كلها زائفة. وما في شيء حقيقي غير البحر."
ابتسم الأسمر، وتابع: "ما عليك، بس ترى الحياة ما تعطيك كل شيء بيدك."
أحمد رمقه بنظرة هادئة، ثم همس: "أنا أحتاج شيء مختلف... شيء لا يشبه هذا العالم."