اغنية في ذاكرة الشتاء
الفصل الاول-:
في مقهى صغير، تكسوه الأضواء الخافتة، كانت الأغنية الكلاسيكية "ألف ليلة وليلة" لأم كلثوم تتسلل عبر مكبرات الصوت، تعكس الحنين الذي لا يزال يطفو على سطح الزمن. جلستُ هناك، عيني مركزة على الزجاج الذي يحاول مقاومة الرياح العاتية، وكل لحظة كانت تكتظ في صدري بأحمال من الأفكار، وكأن هذا العالم بأسره على وشك الانهيار، ما عدا هذه اللحظة. رفعتُ فنجان قهوتي ببطء، وراقبتُ كيف ينزلق بخفة بين أصابعي، وكأن الزمان يتوقف عندما يكون القلب في مكان آخر، بعيدًا عن كل شيء.
كان الجو في الخارج قاسيًا، كأن المطر يضرب الأرض بعنف، ولكنني كنت أعيش في فقاعة من العزلة، حيث الصوت الخافت للموسيقى يعيدني إلى واقع لا يعيشه أحد سواي. في تلك اللحظة، رن جرس الباب بلطف، ثم فتح بهدوء، ليعلن دخول شخص آخر. كان مؤيد.
دخل مؤيد ببطء، خطواته الثقيلة تكشف عن ثقل حمله الداخلي، وكأن عبئًا غير مرئي يرافقه في كل خطوة. جلستُ أنظر إليه وهو يسحب كرسيًا ببطء ويجلس أمامي، تعب وجهه واضح، وعيناه تختبئان خلف شعور غريب من الحيرة.
"البرد صار قارسًا، فهد. وكل شيء صار غامضًا. تميم اختفى، وأنا ضعت." قال مؤيد، صوته منخفض كمن يحاول استجماع نفسه من وسط غيوم فكره.
شعرت بشيء غريب يلتف حول قلبي. كانت كلماته تشبه الوخزات، لكنها مليئة بالحزن. "البرودة لا تكمن في الجو فقط، يا مؤيد. الحياة تعلّمنا الصبر. نمرّ بتجارب قاسية، لكن الأهم هو أن نعرف كيف نتعامل مع كل اختبار."
"لكن كيف تعيش مع كل هذا؟ كيف تقدر تشوف الأمور بهالطريقة؟ كل شيء ضاع، وكل شيء في دوامة." قال مؤيد، وقد بدت الغضب يلوح في عينيه، وعواطفه تتأرجح بين الحيرة والقلق.
ابتسمت له ابتسامة هادئة، محاولة أن أطمئنه: "أنت مش لوحدك في هذا، مؤيد. الحياة أكبر من أن نحلها دفعة واحدة. تميم راجع، وكل شيء راح يكون بخير. الصبر هو اللي يعطينا القوة. ما في شيء يستحق القلق الزائد."
لكن مؤيد لم يستطع أن يهدأ. رفع يده في الهواء، وكان الغضب يطفح من ملامحه. "أنت قائدنا، فهد. المفروض تلقى لنا حل! كيف تخلينا في دوامة زي هذي؟"
رددت عليه بصوت ثابت، وكأنني أستعيد كلمات أعرفها عن ظهر قلب: "أنا مو ساحر، وما أملك الإجابات لكل شيء. الحياة مو لعبة نربحها بضربة واحدة. كل شيء في وقته، والهموم ما تتحملها لوحدك."
نهض مؤيد فجأة، دفع كرسيه بعنف، وبصوت ملؤه الإحباط قال وهو يخرج مسرعًا: "خلك في مكانك، ما في فائدة من الكلام معك."
شعرت بألم عميق في صدري بينما كان يخرج من المقهى، تاركًا خلفه صمتًا ثقيلًا، صمتًا ثقيلًا لا يطيقه سوى من يشعر بعبء العالم كله. بقيت جالسًا للحظة، مشغولًا بأفكاري، حتى رن هاتفي.
"فهد، ليش ساكت؟ مؤيد مو قادر يهدأ!" قال تميم بصوت يحمل تساؤلاً وقلقًا.
ابتسمت ابتسامة صغيرة، وأجبت: "خليه، هو يحتاج وقت. كل شيء في وقته، ما في حاجة للاستعجال. مع الوقت، كل شيء راح يتضح."
ضحك تميم من الطرف الآخر، صوته كان يبعث بعض الراحة في داخلي، ثم أنهى المكالمة بسرعة. كان الصوت يرافقني وأنا أستعد لمغادرة المقهى. دفعت الحساب، وخرجت إلى الشارع.
كان المطر يتساقط بغزارة، والرياح تعصف بكل شيء في طريقي، ولكنني كنت أركض وسط المطر، كأنني في عالم آخر. "غلبني الشوق" لأم كلثوم كانت تملأ أذني، وكأن الكلمات تُعزف لحظة سحرية تعيدني إلى شيء بعيد، إلى عالم من الحرية.
ركضت بين قطرات المطر، كانت الهموم تتلاشى أمامي، وضحكتي تملأ الهواء، وكأنني طفل لا يعرف هموم الحياة. كانت الكلمات تخرج مني كأنها تعبير عن شيء عميق في داخلي: "غلبني الشوق... غلبني... غلبني... وليل البعد..."
لا أذكر كيف كنت أركض، لكنني كنت أشعر أن الحياة في تلك اللحظة فقط كانت حقيقة. كنت في عالم بعيد عن كل شيء، حيث المطر يغسل كل هم، وكل فكرة، وكل تردد.