عطاء بلا حدود - الفصل الاول - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: عطاء بلا حدود
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الاول

الفصل الاول

تناثرت قطع الليغو على الأرض، مغطاة بطبقة رقيقة من الغبار. كانت غرفة التوأم إيرين ورين أشبه بساحة معركة مهجورة، تعكس حالة الفوضى التي عمت حياتهما منذ رحيل والدتهما وزواج والدهما، كايل، من امرأة أخرى. مر شهرٌ كاملٌ لم يروا فيه وجه أبيهم، الذي غرق في عالمه الجديد، متناسياً وجود طفلين ينتظرانه خلف بابٍ باردٍ مغلق. كان الصمت سيد الموقف في الشقة الصغيرة، مُقطّعاً فقط بصوت أنين الثلاجة القديمة. جلس رين، ذو الثماني سنوات، على الأرض يُقلّب في يديه سيارة لعبة صغيرة، عيناه الكبيرتان تحدقان في اللاشيء. أما إيرين، توأمه، فكان يقف بجوار النافذة، يرسم بأصبعه الصغير على الزجاج المُغبّر، مُتأملاً الشارع المزدحم بالأسفل. كان ينتظر، كما يفعل كل يوم، ظهور سيارة والده، لكنه كان يعلم في أعماق قلبه أن الانتظار سيطول هذه المرة أيضاً. رنّ جرس الهاتف القديم، مُخرِجاً الطفلين من شرودهما. هرع إيرين للرد، صوته يرتجف قليلاً. “ألو؟” “إيرين؟” كان صوت والده، كايل، بارداً كالعادة. “نعم يا بابا.” “أنا مشغول اليوم، لن أتمكن من الحضور.” قالها كايل بنبرةٍ مُقتضبة، وكأنه يُعلن عن موعد اجتماع عملٍ روتيني. “لكن… لكن وعدتنا…” تمتم إيرين بصوتٍ يكاد يُسمع. “أعلم، أعلم، ولكن لديّ عملٌ مُهم. سأتصل بكما لاحقاً.” قالها كايل مُنهياً المكالمة قبل أن يتمكن إيرين من الرد. وضع إيرين سماعة الهاتف، شعوراً بالغصة يُخنقه. نظر إليه رين بعينيه الدامعتين، ثم عاد للعب بسيارته، كأنه يُحاول إخفاء حزنه. أدار إيرين ظهره للنافذة، مُحاولاً إخفاء دموعه عن أخيه التوأم. كان يعلم أنه يجب أن يكون قوياً، لكن ثقل المسؤولية كان أكبر من أن يتحمله طفلٌ في الثامنة من عمره. اقترب من رين، وجلس بجانبه على الأرض. وضع يده على كتف أخيه، مُحاولاً طمأنة كليهما. “لا بأس يا رين،” همس له بصوتٍ مُرتجف. “سنكون بخير.” لكن الكلمات بدت جوفاء حتى في أذنيه هو. كان يعلم أنهم ليسوا بخير، وأن حياتهم قد تغيرت إلى الأبد. كان يعلم أنهم فقدوا أكثر من مجرد أم، فقدوا أباً أيضاً، رغم أنه لا يزال على قيد الحياة.مرت الأيام والأسابيع، وازدادت حالة التوأم إيرين ورين سوءًا. كانا يتناولان وجبات عشوائية، ملابسهم متسخة، وشقتهم الصغيرة أصبحت أكثر فوضوية. كان إيرين يحاول جاهدًا أن يكون الأب والأم لأخيه، يُحضّر له الطعام، يُرتّب له ملابسه، ويُحاول طمأنته، لكن عبء المسؤولية كان ثقيلًا جدًا على كاهله الصغير. في أحد الأيام، بينما كان إيرين يُحاول إصلاح لعبة رين المكسورة، سمع طرقًا خفيفًا على الباب. نظر إلى رين، ثم نهض بحذر ليفتح الباب. كانت جارتهم، السيدة إليسا، امرأة طيبة في الخمسينات من عمرها، تقف على عتبة الباب، تحمل في يدها طبقًا مغطى بقطعة قماش. “السلام عليكم يا إيرين،” قالت السيدة إليسا بابتسامة دافئة. “كيف حالك أنت ورين؟” “بخير، الحمد لله،” أجاب إيرين بصوتٍ خافت، مُحاولًا إخفاء حالة شقتهم المُزرية. “أحضرت لكما بعض الطعام،” قالت السيدة إليسا، مُدّةً الطبق إليه. “أعلم أن والدكما مشغول هذه الأيام.” أخذ إيرين الطبق، شعورًا بالامتنان يغمره. “شكرًا جزيلاً لكِ يا خالة إليسا.” “لا شكر على واجب يا بني،” قالت السيدة إليسا، ثم نظرت إلى داخل الشقة بعينيها الحانيتين. “هل كل شيء على ما يُرام؟” لم يستطع إيرين إخفاء الأمر أكثر من ذلك. انهمرت دموعه، وهو يُحاول شرح موقفهم الصعب. استمعت السيدة إليسا بصبر وحنان، ثم احتضنته بحنان. “لا تقلق يا بني،” قالت له بصوتٍ مُطمئن. “سأساعدكما.” ومنذ ذلك اليوم، بدأت السيدة إليسا تُعتني بإيرين ورين. كانت تُحضّر لهما الطعام، تُنظّف شقتهم، وتُساعدهما في واجباتهم المدرسية. أصبحت بمثابة الأم التي فقداها، مُنيرةً حياتهما بنور الأمل والحنان. ورغم أن جرح فقدان والدتهما لم يُلتئم تمامًا، إلا أن وجود السيدة إليسا خفف من آلامهما، وأعطاهما القوة لمواجهة صعوبات الحياة. علمتهما أن الطيبة لا تزال موجودة في هذا العالم، وأن هناك دائمًا من يهتم لأمرهما، حتى في أحلك الظروف.