لعشب القمر حارسة ... - الفصل الثاني والأخير - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: لعشب القمر حارسة ...
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الثاني والأخير

الفصل الثاني والأخير

لكنّها التفتت ورأتني، ثقبت روحي بنظراتها الساحرة ووجهها يضاهي البدر جمالا، رنّ الخلخال يفضح خطاها إلى شوقي وأنا تائه عن عشب القمر أراهن على ماء النّهر والوادي يحفر قلب المدينة. وقفت الفاتنة حلما بين ضوء القمر و إرهاصات طريق قالوا أنّه يؤدّي إلى جنّة حلمي، يقرّب إليّ الغد. اقتربت منّي وقفت أمامي عمود نور رُسمت على وجهه بسمة من ضياء، نطقت بصوت عذب جميل: أيّها الآدمي أنت الآخر جئت تبحث عن عشب القمر؟ ارتجّ جسدي لسؤالها وقد كشفت أمري،لكنّني تمالكت نفسي، لم أقع على الأرض مغشيا عليّ من هول ما رأيت وما سمعت، استجمعت قواي بحثا عن خلاصي، قلت لها: يا جارة القهر ما يضيرك لوأستعير وجهك البدري وأرحل في توحد مع جهاتك قد أولد من رحم الفرح مضمّخا بعطر الأعشاب البرية فلا أحزن أبدا؟ قلت كلماتي، نثرت هي الودع في الطريق وأومأت برأسها، لحقت بها في درب ليلي مسكون بصراخ المتأوّهين الحزانى، صار لصوتها لجام يشدّني ويخنق الكلمات في حلقي، توقفت فجأة، سكبت كلماتها في روحي: عشب القمر قبيلة غزاها الفقر والجوع رحلت عن ربعنا، ماذا يضيرك لوتحزن قليلا ثمّ تفرح؟ أنا ما جئت إلى هنا إلا ناشدا تعويذة الفرح والشفاء من حزني. وهل شفي اللّيل يا ابن آدم من سواده؟ لكن شيخ الجبل أرشدني إلى هذا المكان، قال لي فيه عشب القمر مخلّص البشر من الأحزان. تنامت قهقهاتها ورنّ الخلخال، حاصرتني جحافل العطر منها والقمر يتناهى في الصغر،تغمر وجهه أدخنة السحاب، وعادت لتقول: يا بن آدم، وهل يزيّن منك العيون غير هذا السواد؟ قلت لها: يا جارة الفقر والعوز والجوع بي ضيق من أحزاني وأهفوإلى أفراح الروح، بالله قولي لي إن كنت من الإنس أم من الجان ؟ وذاب صوتي في لجين القمر، أغرق وجهها، بكت السماء وبكت هي ثمّ قالت: أنظر إلى السماء هل ترى للبدر أثرا؟ أجبتها وأنا أقلّب نظري في السماء: هذا السحاب مزّق وجهه المنير وأسال جراح السماء. وهل غير جراح السماء تستوطن الروح أيها الباكي من الحزن لكنّني أحلم بربيع وفرح. وهل الربيع غير ما رأته عيناك جمالا، وهل الفرح غير المحبّة؟ رمت ودعها على عصاي وصار وجهها البدري هلالا، ارتسم في الأفق بعد أن تلاشى السحاب وتناثر الرذاذ في المدى. عدت إلى المدينة أجرّ خيبتي، دخلت وسط جموع المارّين في الطرقات، ومشيت حتى وصلت إلى المحطّة اختلطت أتربة الطريق بعرق الكادحين واعتصر المساء حلمي حتى بدت لي جدوة نار في الأفق البعيد، تدافعت الجموع من جديد وجدت نفسي داخل القطار المؤدّي إلى مكان إقامتي وكلّي شوق إلى أهلي وصحبي، لم يعد يرى للوادي أثر، صافرة القطار اخترقت صمتي، اتّكأت على عصاي وفي عيني دموع وعلى ثغري ابتسام.