الفصل الاول
جاء في كتاب الحزن:
«وما أمر النّفس الحزينة إلا كسماء تلبّد الغيم فيها حتى أوشكت زرقتها على السواد، فإذا ما انهمر الغيث ثمّ انقشع الغيم بدت أكثر بهاء وصفاء.»
وأنا منذ استوطن الحزن دمي، صارت السماء مطبقة على الأرض وصرت المنفي من أوردتي.
أشار الصحب عليّ بترك المدينة فللمدينة سَحَرتُها وعصاي نخرتها دودة الزمن، وسلّمتني لسيدة الحيرة والحزن.
خضت عناء السفر، زادي ياسمين البراري وعرجون تمر، حتى وصلت سفح الجبل، تراءى لي شيخ بلباس أبيض ولحية بيضاء، لعينيه بريق وله هيبة ووقار.
عرف قصدي، رفع يده بالتحية، يدعوني لأقترب .
دفعت الرياح جسدي المنهك وقذفتني عند قدميه كومة حزن وألم.
ابتسم الشيخ وقال:
ما حاجتك يا ولدي؟
سألته: هل أنت شيخ الجبل؟
مدّ يده وشدّ يدي يرفعني لتمتدّ قامتي ويمتد ظلّه في المدى تمتم قائلا:
أنا شيخ الجبل يا ولدي، أترى بك حيرة وألم؟
قلت: يا شيخي صرت أسير سيدة الحيرة والحزن وأنا منفي من أحلامي ومن الغد.
قال شيخ الجبل: عشب القمر نهر من أنهار هذه الأرض، توضّأ منه عند منتصف الحزن وعدْ كيوم ولدتك أمُّك بلا همّ يذكر .
وكيف السبيل إليه يا شيخنا الفاضل؟
عد إلى المدينة، على حافة الوادي طريق يؤدّي إلى التلّ الأخضر يعبره نهر الحياة، على ضفافه ينموعشب القمر.
شكرت الشيخ، ودّعته عائدا إلى المدينة وقد استولدت نفسي أملا وتنامت في دمي رغبات جميله .
بعد عناء ومشقة وصلت إلى المكان الذي حدّثني عنه الشيخ على مسيرة يومين من المدينة،تناهى إلى سمعي عواء الذئاب وقد حام على القمر حرس وأرخى أنواره على الأرض،جلت بناظري في المكان لعلّي أهتدي إلى جدوة نار يكون بقربها أناس أستأنس بهم، تراءت لي من بعيد امرأة فاتنة الجمال، تلك هي سيدة الحيرة والحزن التي قابلتها منذ سنين وقلّدتني قلادة الهمّ ومن يومها وأنا أسير لها وهي منطلقة تنعم بالحرية في هذا الكون الفسيح. كانت تقيم صلاة وداع على حافة الوادي.تساءلت في أعماقي كيف السبيل للهروب منها، هل أضرب الوادي بعصاي النخرة قد ينفلق إلى نصفين وأعبر إلى الضفّة الأخرى وتغرق هي في أوحاله وفي أحزاني؟