بوحي بما لديك.
في الليالي التالية، أصبحت همسات القرينة أكثر وضوحاً. لم تعد مجرد أفكار غامضة، بل كلماتٌ مفهومةٌ، لكنها كلماتٌ مُبعثرةٌ، كأنها شظايا من ذكريات قديمة. سمعتُها تُكررُ أسماءً غريبةً، وأماكنَ لا أعرفها، وأشياءَ لا أفهمها. كانت الكلمات بالدارجة، لكنها مليئة بكلمات قديمة لم أسمع بها من قبل.
رأيتُها في المرآة هذه المرة. لم تكن صورة واضحة، بل صورةٌ مُشوشةٌ، كأنها انعكاسٌ في الماء المُضطرب. رأيتُ امرأةً شابةً، جميلةً، لكنّ وجهها كان مُحاطاً بظلالٍ غامضة. شعرتُ بأنّها حزينة، مُتألمة. رأيتُ في عينيها الكثير من الألم، كأنها تحملُ سرّاً ثقيلًا. ثم اختفت الصورة، وعدتُ المرآة إلى طبيعتها.
في المدرسة، وجدتُ نفسي أُجيدُ الرسمَ بشكلٍ مُذهل. رسمتُ صورةً لامرأةٍ شابةٍ، شبيهةٌ بالصورة التي رأيتها في المرآة، لكنّها كانت أكثر وضوحاً. لم أرسمها بيديّ، بل كأنّ يداً أخرى هي التي حركت يديّ. أشعرُ بأنّ القرينة هي التي رسمت الصورة، باستخدام جسدي.
بدأتُ أُلاحظُ أنّ القرينة تُحبّ الموسيقىَ القديمة. أحياناً، أجدُ نفسي أُغنّي ألحاناً لا أعرفها، ألحانٌ قديمةٌ، حزينةٌ، جميلةٌ. أشعرُ بأنّها ألحانٌ تعودُ إلى زمنٍ بعيد.
أشعرُ بأنّ القرينة جزءٌ مني، جزءٌ من ماضٍ لا أعرفه. أشعرُ بأنّها تُريدُ أن تُخبرني شيئاً ما، شيئاً مُهماً. لكنّها لا تستطيع. كأنّ هناك حجاباً ما يُمنعها من الكلام بشكلٍ واضح. أشعرُ أنّني أقتربُ من معرفة الحقيقة، لكنّني لستُ مُستعدّةً بعد.