الفصل 5
نوڤيلا "الذَّئْبُ العَاشْق"
نوڤيلا تكميلية لسلسلة قَسْوة الذَّئْبُ العَاشْق
"الفَصْلُ الخَّامِسُ"
-قبل الأخير-
مر يومًا، وقف "إيهاب" بالقرب من حافة الفراش الطبي، يتابع عمل الطبيب الأربعيني في يقظة تامة، حيثُ عيناه الحزينة لا تفوت شيء مما يقوم به، وذلك بعدما قام بنقله عن فقدانه الوعي إلى مشفى خاص، حتى ينعم بالرعاية الصحية أولاً، ويبتعد عن الضغط العصبي الناتج عن كآبة فاجعة زوجتـه والجمع المتجهمر، ويا له من أيام ثقال على القلوب بإنتظارهم، فقط كل ما يرجوه هو أن يوّفق في تجاوز حالتـه.
قاطع تفكيره صوت الطبيب يقول في إرهاق واضح:
-عزَّ الدين باشا حالتـه مش مستقرة لسه.
سألــه "إيهاب" بنبرة مرتجفة قليلاً:
-هو هيفوق إمتي؟؟..
أجابــه بنبرة مؤسفة:
-لسه يا إيهاب باشا، الموضوع مش سهل، دي جلطة في القلب!!!.. المهم دلوقتي يعدي من مرحلة الخطر ويقوم بالسلامة.
أسبل "إيهاب" أهدابه نحوه، يراه ممددًا على الفراش بلا حركة والأسلاك الطبية موصولة بصدره العاري، لم يتصور أن يراهرفيقــه –متحجر القلب- والذي أعتاد أن يراه في أقوى حالاته يرقد لا حول ولا قوة، تلبكت مشاعره وأدمعت عينـاه تأثرًا بسكونه المخيف، فـ هو رفيقه الوحيد، يعرف عنه كافة أسراره ويشاركه فيهـا.
سار بخطى سريعة نحو خارج الغُرفــة، فـ وجد زوجتـــه "مُنى" جالسة على المقعد جامدة، تنظر أمامهــا بعيني خالية من الحياة، جلس "إيهاب" بجوارهــا وهو يُناديهـا بحذر:
-منى؟؟..
لم تجيبـــه وكأنها لم تسمعه من الأساس، قبض على يدهـا وهو يسألهــا:
-إنتي كويسة؟؟.. أرجوكي ردي عليا، من إمبارح وأنتي متكلمتيش.
سألتـــه بصوتٍ ضعيف، غير قادر على الإستيعاب:
-هي ياسمين ماتت فعلاً؟؟.. ده أكيد مقلب.
جذب رأسهـا إلى صدره وهو يغمغم لهـا بخفوت، محاولاً حبس دموعــه:
-أرضي بقضاء ربنا يا مُنى.
قالت بصوتٍ خفيض، وعيناهــا باردة:
-ياسمين مامتتش يا إيهاب، هي لسه عايشة، أنا حاسة بيهـا.
أبعدهــا عنه وهو يقول:
-يا منى، لازم تتقبلي الحقيقة، ياسمين..
نهضت من مكانهـــا بهدوءٍ مريب، كي تغادر من أمام غرفة زوج رفيقتهـا إلى حديقة المشفى، وقبل أن يتحرك نحوها، إستمع إلى رنين هاتفه الصاخب، فـ اجاب على الفور مُجيبًا بإختناق:
-أيوة يا طائف.
سمع صوت الأخير وهو يقول بلهفة:
-إيهاب قابلني في شارع (...)، هتلاقفيني مستنيك بعريبتي.
ضيق حاجبييـه بقلق وقبل أن يتحدث أغلق الهاتف فجـأة، نظر إلى هاتفــه بعينين قلقـتين وهو يهمس بريبة:
-أستر يارب.
******
وصل "إيهـاب" إليهِ بعد قيادة نصف ساعة، والقلق ينهش قلبــه أكثر، ترجل عن سيارتــه خلف سيارة "طائف"، الذي ترجل هو الآخر قبل أن يتحرك نحوه بخطى سريعة، وقف أمامــه وقبل أن يتكلم وجد صوت "إيهاب" القلق يصيح فيه بتوجس:
-في إيـه تاني؟؟..
صمت "طائف" قليلاً قبل أن يجيب بتوتر:
-ياسمين لسـة عايشة.
أتسعت حدقتـــاه بذهول وهو يدنو منه متمتمًا بصدمــة:
-عايشة؟!.. إنت بتقول إيـه.
أجابـه بهدوءٍ مرتبك:
-الطب الشرعي أثبت أن جثة البنت إللي كانت في العربية مش ياسمين.
صـاح "إيهاب" بتشنج:
-يعنــي إيـــه الكلام ده؟؟.. أومال مين البنت إللي كانت في عربية عز؟؟.. وغير كدا لو كلامك مظبوط، يبقى ياسمين فين؟!..
حرك رأسه بالسلب وهو يقول بيأس:
-أنا زيك مش فاهم حاجة.
صمت قليلاً قبل أن يهدر "إيهابي" بغضب:
-ده معناه أن ياسمين أتخطفت!!!..
تمتم "طائف" بصدمة:
-معقول؟؟..
-مفيش غير الإحتمال ده، وإلا كان زمانهـا ظهرت، بس مين الـ(...) إللي أتجرأ وعملهــا.
أضـاف بعدهـا بصوتٍ مختنق:
عز جتله الجلطة عشان مُتخيل مراتـه ميتة!!.. ومنى كانت صح، هي حاسة أنها عايشة.
ألتمعت عينـاه بدموع وهو يقول بحزم:
-لازم نقلب الدنيا عليهـا يا طائف، ونفهم مين ورا اللي حصل ده.
******
يومٍ وآخر، منذ ما قيل عن حبيبتـه وقد سكن العالم ما حوله، أفـاق أخيرًا بعد ثلاثة أيام، ليجد نفسه في غرفة بيضاء، يرتدي ملابس المشفى ذات الرائحة الكريهة بالنسبة له، همس بعدم إستيعاب:
-ياسمين.
حاول النهوض ليجد صدره موصول بـ بضعة أسلاك فـ نزعهم ونهض وهو يهمس مرة أخرى:
-ياسمين.
دلف خارج الغُرفة، فـ أوقفتــه "منى" التي قالت بلهفة:
-عز، حمدلله على السلامة، إيه إللي قومك.
همس "عزالدين" بلهجة ضعيفة يشوبهـا الحزم:
-عاوز أروح لمراتي.
هزت رأسهـا بالسلب وهي تقول:
-لأ أنا مش هقدر عليك، إيهـاااب، يا إيهـااااااب.
ركض "إيهاب" إليهم وهو يقول بجزع:
-عز، رايح فين؟؟.. إنت لسه قايم من جلطة فـ القلب.
دفعه "عز الدين" بضعف وبقى يتحرك، إلا أن "إيهاب" منعه قائلاً:
-عز، أرجوك تعالى معايا بلاش جنان.
أجابـه بضعف وهو يترنح:
-لازم ألاقي مراتي، لأن لو ماتت فعلاً هموت.
نظر له وهو يضيف بمرارة عاشق:
-إللي بيني وبينها مش وثيقة جواز، إللي بيني وبيهـا شريان لو أتقطع يبقى إحنا الأتنين أنتهينـا، أنا حاسس أنها عايشة.
لمعت عينـاه وهو يقول بخفوت:
-حاسس أنهـا بتناديني.
تنهد "إيهاب" بنفاذ الصبر وهو يقول:
-يا عز أسمعني، الطب الشرعي أثبت أن جثة البنت دي، مش ياسمين، يعني ياسمين عايشة.
ألتفت له "عز الدين" وهو ينظر له بذهول، تنفس الصعداء وهو يبتسم بعدمـا هبطت منه دمعة حارقة ألهبت وجنته، ترنح مرة أخرى، ولكن تلك المرة أمسكه رفيقـه يجذبـه إلى الغُرفة وهو يقول برفق:
-صدقني هنلاقيهـا.
******
بعد قليل، سار بخطى ثابت واثقة نحو الرواق وهو ينظر حوله بعينيه الحادة، إبتسامة جانبية قاسية يرسمها كعادتـه على شفتيــه، توقف أمام غرفة "408" حيثُ يرقد "عز الدين السيوفي"، سحب نفسًا عميقًا وهو يطرق على الباب بخفــة قبل أن يفتح له "إيهاب".
أتسعت عينــاه بصدمة وهو يشير إليــه بدخول هامسًا بذهول:
-سيف باشا.
دخل بثقتــه، وهيبتــه الطاغية، قطب "عز الدين" جبينـه بقوة وهو يقول بتعجب حاد:
-سيف النصــار.
أتسعت إبتسامة "سيف النصـار" الواثقة وهو يقول بجدية:
-حمدلله على السلامة يا عزَّ باشا.
أشـاح "عزَّ الدين" بأنظاره وهو يجيب بإقتضاب:
-الله يسلمك.
سحب "سيف" نفسًا حادًا قبل أن يقول:
-أنا سمعت بإللي حصل، وعشان كدا أنا جيتلك، هقدر أساعدك في إنك ترجع مراتك.
رمقــه بإستنكار متهكم وهو يقول بريبة:
-إزاي بقى؟!..
وضع "سيف" يديـه بداخل جيبيَّ بنطالــه قبل أن يقول بجدية قاطعة:
-ياسمين هانم موجودة حاليًا في القصر عندي.
******