الفصل 3
نوڤيلا "الذَّئْبُ العَاشق"
نوڤيلا تكميلية لسلسلة قَسْوة الذَّئْبُ العَاشق"
"الفَصْلُ الثَّالِثُ"
ما أنتِ سوى نبض ينعشني كل يوم..
وتختلف أوجه الحُب، ولكنهـا تتفق عليكِ أنتِ..
أنتظرت قدومه بفارغ الصبر وحينما شعرت بخطواته تقترب من الغُرفة، هرولت إلى الفراش؛ لتُلقي بجسدها عليه مُتصنعة أنها فاقدة الوعي، ربما ليس هُناك سبب لفعلتها تلك إلا أنها تُريدُ أن ترى خوفه عليها.
ثوانٍ، وكان يدخل الغُرفة بخُطوات مرهقة، بحث عنها بعينيه وعندما وقعت عيناه عليها ووجدها هكذا، أقترب منها وهزها برفق ثم قال بصوته الهادئ وعلى وجهه بسمة صغيرة :
_ياسمين، ياسميــن.
لم يجد منها أي رد، فعاد يهزها مجددًا وكانت نفس النتيجة، فـ أرتعد من القلق والخوف وأضطربت أنفاسه وهو ينطق بـ :
_ياسميـن، ياسمين فوقــي!
خفق قلبه بشدة وزاد ذعره عليها، ركض نحو التسريحة ليجلب عطره حتى يستطيع من خلاله إيفاقتها به، وعندما أستدار إليها وجدها تجلس على الفراش مُبتسمة بمرح، أتسعت عيناه بصدمة محاولاً الإستيعاب أنها مزحة منها وحينما أدرك الأمر.. بدأت قسمات وجهه تأخذ شكلاً آخر مُخيفًا وعقد حاحبيه بشدة وأظلمت عينيه بطريقة مُرعبة، بلعت ريقها بصعوبة بعد أن أحتاجها التوتر من ردة فعله، أنتفضت من مكانها بفزع حينما وجدته ألقى بزجاجة عطره الثمين فتحطمت وبدأت تنتشر رائحة عطره بداخل المكان، حدقت "ياسمين" به بشئ من الخوف ثم قالت :
_في إيه يا عز؟؟.. ده كان مُجرد هزار؟؟..
أنفجر البركان الذي بداخله حيثُ صاح بصوته الجهوري قائلاً:
_مُجرد هزار!!!... إنتي بتستعبطي!!!.. إنتي وقعتي قلبي.
أخفضت رأسها بحزن فتابع كلماته التي توضح مدى غضبه منها تصرفها :
_وبعدين إيه الهزار ده؟.. ده شُغل أطفال، ده حتى الأطفال مش بيعملوا كده!!..
شعرت بغصة مريرة في حلقها تنبأها بسقوط دموعها الحارقة من صوته الجهوري، لم تتوقع ردة فعله ستكون بذلك الشكل، كانت تودّ فقط أن ترى قلقه عليها، هتف بلهجة قوية قائلاً بتحذير :
_إياكي ثم إياكي تعملي التصرف ده تاني، وإلا هتشوفي مني رد فعل عمرك ما هتشوفيه.
قال جملته الأخيرة ثم ألتفت وقبل أن يتحرك نحو الباب.. سمع صوتها الخافت وهي تهتف :
_أنا آسفة.
أستدار لها وهو يحدجها بضيق، رفعت عيناها إليه مرددة وهي على وشك البكاء :
_أنا آسفة أوي يا عز، مكنش قصدي.
عادت تخفض رأسها لتبدأ دموعها الحارة بالهبوط، وضعت يدها على فمها لتمنع خروج صوت أي شهقة ولكن عجزت عن فعل ذلك، تنهد بحرارة وهو يراها تبكي بكاءً حارًا، شعر بنغزة في قلبه وتناسى غضبه وتصرفها عندما وجد دموعها، سار نحوها ثم جلس بجانبها على الفراش، مد ذراعيه نحوها ليجذبها إلى أحضانه، أحتضنها بشدة وأخذ يمسح على خُصلات شعرها بحنان وقال بدفئ :
_أنا إللي آسف إني أتعصبت عليكي، وآسف إني كنت سبب في نزول دموعك، أنا دلوقتي أذيت نفسي لما خليتك تعيطي.
تراجعت وهي تقول :
_متزعلش مني يا عز.
إبتسم إبتسامة جذابة ثم رفع يده للأعلى ليمسح دموعها برفق قائلاً :
_مش زعلان يا ياسمين، المهم مش عايز أشوف دموعك تاني مفهوم؟
هزت رأسها بإبتسامة، وضع "عز الدين" يده بداخل جيب سترته ليخرج منه شيئًا، تطلعت إلى ما يفعله بفضول، ثواني وكانت بعد أن أتسعت عيناها بسعادة :
_الله شوكلاته!!..
هتف بإبتسامة :
_أنا كنت جايب أتنين عشان ليث كان عاوز شوكلاته بس هديكي واحدة عشان أصالحك و....
قاطعته بحماسٍ وهي تأخذهم منه مرددة :
_لأ أنا هاخد الأتنين وأبقى جبله بُكرا وإحنا مسافرين.
أتسعت عيناه وهو يراقبها بذهول وهو يراها تأكل الشوكلاته الثانية غير عابئة أنها كانت لإبنها الوحيد، هتفت بعد أن أنهت من أكلها :
_أبقى جبلي أتنين شوكلاته تانين وياريت بيبسي، أوعى تنسى.
تقوس فمه إلى إبتسامة سُخرية مرددًا :
_بيبسى كمان؟؟..
حرك رأسه بذهول قائلاً بضحك :
_كلتي شوكلاته إبنك وعايزة تاني وكمان بيبسي!!.. لا حول ولا قوة إلا بالله.
************
فتح "إيهاب" باب منزلـه وعلى وجهه علامات الإرهاق بعد يومٍ طويل من العمل الشـاق، إتجه صوب الأريكة ليُلقي بـ جسده عليهـا، زفر زفيرًا حارًا قبل أن يُرجع رأسـه للخلف ويُغمض عينيـهِ بـ تعب جلي.
بعد لحظـات، شعر بيد تمسح على خُصلات شعره برفق، فـ فتـح عينـاه وألتفت برأسـه للجانب ليرى زوجتـه وهي تبتسم لـه بحنوٍ مُثير، بادلهــا إبتسامة المُحببة إلى قلبهـا ثم قـال بإشتيــاق:
-وحشتيني أوي يا مُنمُن.
ردت عليـه وقد أتسعت إبتسامتهـا :
-وإنت كمان يا حبيبي، بس مالك ؟؟.. شكلك تعبان كده ليـه ؟؟..
سحب نفسًا عميقًا لـ يُجيبهـا بـ هدوءٍ :
-الشُغل كان مُتعب جدًا النهاردة، أنا وعز فضلنا من صباحية ربنـا نشتغل وبنحاول نخلص كُل الشُغل إللي ورانـا.
سألتـه بإهتمام :
-المُهم خلصتوا ولا ؟؟..
أجابهـا بـ مرح :
-أومال أنا تعبـان ليـه بالشكل ده، إحنا مقعدناش النهاردة، وخصوصًا عز؛ لأنه راح لكُل شركاتـه النهاردة عشان يشوف الشُغل أتعمل ولا لأ.
أشـارت "مُنى" بـ يدهـا قائلة :
-يــاه ده إنتوا تعبتوا أوي النهاردة.
هز "إيهـاب" رأسـه قائلاً:
-تعبنـا فوق ما إنتي تتخيلي، المُهم أن اليوم عدى على خير.
هتفت تلك المرة بجديـة:
-طب قوم يالا، أدخُل على أوضتك وأنا هحضرلك العشـا.
رد سريعًا:
-لأ مليش نفس، أنا هدخُل أنـام، وتعالي إنتي كمان يالا عشان تنامي.
أجابتــه وهي تنهض:
-أنا فعلاً هنـام عشان السفر هيبقى بدري.
نهض هو الآخر من مكانـه محاوطًا خصرهـا ليُقربهـا إليسـهِ بشدة، أستنشق عبيرهـا الذي يدمنـه ويعشقـه عشقِ لا نهاية، ثم تحركـا معًا نحو غُرفتهمـا ليأخذ كُلا منهم قسطًا من الراحة.
************
ولج "طائف" إلى داخل غُرفة نومـه بعد أنتهائـه من تناول الطعـام الجاهز مع أسرتـه، أنشغل بـالـه بـ عملـه على جهاز الحاسوب، لحقت بهِ "روان" لتطمئن عليـهِ، فقد كانت ملامحـه شاردة، جلست بجواره على طرف الفراش، ثم بكُل ودٍ وحنانٍ مسحت على ظهره المُرهق برفق، أخرج تأوهة خافتـة من جوفـه وهو يُردد:
-ربنا يخليكي ليا يا روان، أنا فعلاً كُنت محتاج ده، جسمي متكسر بسبب شُغل اليومين دول.
سألتـه بإهتمام دون أن تتوقف عن تدليك ظهره:
-إنت جبت الطلبات إللي قولتلك عليهـا إمبارح بليل ؟؟..
أومأ برأسـه مُجيبًا بتأكيد:
-آه جبت طبعًا، ده إنتي مأكدة عليا النهاردة يجي خمس مرات!!..
هتفت بعبوسٍ:
-وهو ده عشاني؟؟.. ده عشانك إنت وإبنك!!..
أغلق جهاز الحاسوب ثم وضعـه على الكومود، أبعدت يديهـا عنه بعد أن توقفت عن تدليك ظهره، رمقهـا بـ بسمة جانبية وهو يرى عبوسهـا، هتف بلهجة مليئة بالرومانسية:
-تعرفي إن شكلك زي القمر النهاردة؟؟..
هتفت بـ عبوسهـا:
-على فكرة أنا طول عُمري زي القمر.
حاول أن يُتابع رومانسيتـه مُرددًا:
-طب عارفة إنك إنتي وحشتيني.
ردت عليـهِ بلهجة عادية:
-آه عارفة.
مسح على وجهه بقوة محاولاً أن يتمالك، ومع ذلك هتف بإبتسامة:
-طب عارفة أنا بحبك أد إيـه ؟؟..
أجابت بـ ذات اللهجة:
-أد البحر وسمكاتـه، ماتقلقش أنا عارفة كُل حاجة.
أمتعضت ملامحـه وهو يُخبرهـا:
-تعرفي إنك إنتي إنسانة رخمـة، إيـه الفصلان ده !!.. أنـا هنـام أحسنلي.
شهقت بصدمة وهي تمسك ذراعـه قائلة:
-إيــه!!.. رخمة!!.. أنا رخمة؟؟.. إنت أد الكلمة دي؟؟..
أجابهــا بصوتٍ رخيـم :
-آه أدهـا وإلا مكُنتش قولتهـا، عندك مانـع؟؟..
هزت رأسهـا نفيًا بطريقة طفولية هاتفة:
-لأ معنديش.
أعتدل في جلستـه هاتفًا:
-بحسب، ويالا نامي بدل ما ألغي السفرية دي.
قالت بعبوس:
-لا وعلى إيـه، بس أنا عايزة أقولك على حاجة مُهمة.
رمقهـا بنظرة جادة، ولكن سُرعان ما تحولت إلى الأستغراب حينما أرتمت في أحضانــه، وقبل أن يقول أي شيء وجدهـا تقول:
-أنا بحبك أوي يا طائف، وإنت كمان واحشني جدًا فوق ماإنت تتخيل.
نظر لهـا بذهول مُتسائلاً:
-طب وكان لازمتها إيـه الردود الرخمة دي من الأول؟؟..
ردت بـ طفولية:
-كُنت عايزة أرخم عليك، إذا مكُنتش أرخم عليك هرخم على مين يعني؟؟..
ضحك بحُب قائلاً بلهجة حانية:
-خلاص رخمي براحتك.
أنتهى من كلماتـه الأخيرة ثم أنحنى برأسـه ليُقبًّل رأسهـا قُبلة عميقة، ثم قال بلهجة لا مثيـل لهـا:
-إنتي وقاسم أغلى حاجة في حياتـي.
************
في اليوم التالي، أستقل "عزالدين" سيارتـه بعد أن تأكد من ركوب زوجتـه وأولاده، أخرج ذراعـه ليُشير إلى ثلاثة سيارات -الذين يقفون خلف سيارتـه- بالتحرك، كانت من ضمن تلك السيارات الثلاث سيارة حراستـه، وبالفعل تحركت السيارات بعد أن تحرك هو أولاً.
************
وقف ذاك الرجل الذي يُدعى "عزيز مُصطفى" خلف مكتبــه مُنتظرًا مجيء أحدهم من الخارج لـ يخبره آخر الأخبار التي ينتظرهـا بفارغ الصبر، أخرج علبة سجائره وقبل أن يفتحهـا سمع صوت خطوات وحينما رفع عينيـه القاسيتين وجد الشخص الذي ينتظره قد أتي، فـ ألقى العلبة على سطح مكتبـه، ثم تحدث بصوتٍ قاسي يأمره قائلاً:
-إيـه آخر الأخبار ؟؟..
أجـاب "علي" بصوتٍ جدَّ:
-خلاص يا باشا، فاضلهم ساعة ونُص ويوصلوا إسكندراية، وأتأكدت إللي ساند إيهاب أو طائف فـ شُغلهم هو عزالدين السيوفي، وأن أي حد يأذي صُحابـه دول، يمحيـه من على وش الأرض.
هتف بلهجة يملؤهـا الشر:
-يبقى لازم نبدأ بيـه عشان أعرف أنتقم براحتي من صاحبـه.
سحب نفسًا عميقًا قبل أن يُتابع مُتسائلاً:
-إيـه نُقطة ضعف عزالدين السيوفي؟؟..
أجاب "علي" بدون تردد:
-مراتـه، أسمهـا ياسمين.
هز "عزيز" رأسـه وقد لمعت عينيـهِ بوميض مُخيف:
-يبقى أخلص عليهـا أو حادثة تحصلهـا تخليـه يبعد عن طريقنـا اليومين دول، وده هيحصل النهاردة ودلوقتـي.
************
بعد ساعتـان، بداخل إحدى الفنادق الشهيرة، دخل "عزالدين" الغُرفة ليرى زوجتـه تضع يدهـا على قلبهـا، تحولت ملامحـه إلى قلق وهو يسألهـا :
مالك يا ياسمين؟؟..
أجابتـه بشرود:
-قلبي مقبوض يا عز.
************
"أَنَتْهَاءُ الفَصْلُ الثَّالِثُ"
************