الفصل الرابع:الحقيقة
اجتاح الضوء الساطع القاعة، وكان كافيًا ليجعل لينارا وإيلار يغمضان أعينهما للحظة. عندما فتحاهما، وجدا نفسيهما في مكان مختلف تمامًا. كانت القلعة التي دخلاها قد تحولت إلى قاعة بيضاء شاسعة، جدرانها مغطاة بمرايا كبيرة تعكس صورًا من حياتهما، لكن الصور لم تكن ثابتة. كانت تتحرك، تظهر وتختفي، وكأنها كائنات حية تسعى لتروي قصة ما.
وقف الكيان المظلم في المنتصف، لكنه هذه المرة لم يكن غامضًا بالكامل. ملامحه بدأت تتضح، فبدت كأنها خليط من وجوه مألوفة ولحظات قديمة. قال بصوت أعمق من المعتاد:
"مرحبًا بكما في نهاية الرحلة... أو ربما بدايتها."
تقدمت لينارا ببطء وقالت بثقة: "أخبرنا الحقيقة. لماذا نحن هنا؟"
ابتسم الكيان بطريقة مريبة وأجاب: "الحقيقة ليست كما تعتقدين. لقد تم نسج عالمكم على كذبة كبيرة، والحقيقة مخبأة في أعماق هذا المكان، حيث لا يستطيع أحد الوصول إلا من يملك الشجاعة لمواجهة ذاته."
بإشارة من الكيان، بدأت المرايا تتغير. إحدى المرايا أظهرت صورة لقرية "سيترا"، لكنها لم تكن كما عرفوها. كانت أكبر، مزدهرة، وأهلها يعيشون بسعادة، قبل أن تحل عليها الكوارث.
قال الكيان: "هذه هي سيترا قبل أن تبدأ المأساة. كان عالمكم جزءًا من نظام أكبر، متوازن ومزدهر. ولكن، كما في كل قصة، هناك من أراد السيطرة."
ظهرت في المرآة صورة لرجل يرتدي تاجًا أسود، محاطًا بألسنة من اللهب، وأمامه صندوق ذهبي يشبه الصندوق الذي وجدته لينارا.
تابع الكيان: "هذا هو الملك المظلم إيتارفوس. كان ملكًا طموحًا، سعى للخلود والقوة المطلقة. لقد استخدم بوابة الجحيم التي سمعت عنها لإطلاق كائنات من الظلام، يظن أنها ستخضع له. لكنها خذلته."
بدأت الصور تتحرك بسرعة، كأنها تعرض مشاهد من حرب كبيرة. الكائنات المظلمة اجتاحت العالم، وسيترا أصبحت محور الصراع.
قال إيلار، وقد بدأت ملامح الصدمة ترتسم على وجهه: "إذًا، بوابة الجحيم ليست مجرد أسطورة؟ إنها حقيقية؟"
أومأ الكيان برأسه وقال: "نعم، لكنها ليست كما تصورها الحكايات. إنها ليست مجرد بوابة للعذاب، بل هي باب بين العوالم، وقد خُلقت لتكون حماية من قوى لا يمكن السيطرة عليها."
استدارت لينارا نحو الكيان وسألته: "ما علاقتي أنا بكل هذا؟ لماذا أُحضرت هنا؟"
عادت المرايا لتعرض صورة لطفلة صغيرة تُسلَّم إلى امرأة عجوز في كوخ بسيط. تعرفت لينارا على الفور على نفسها في الصورة.
قال الكيان: "أنتِ لستِ مجرد فتاة عادية، يا لينارا. دماؤك تحمل إرثًا قديمًا. والداك كانا من حراس البوابة، أولئك الذين تم اختيارهم لحمايتها من الاستخدام الخاطئ. ولكن عندما سقطت القرية، ضحوا بحياتهم لحمايتك وإخفاء الحقيقة عنك."
شعرت لينارا بدموع ساخنة تتجمع في عينيها، لكنها قاومتها. "إذن كل ما عشته كان كذبة؟ كل هذا الألم، لأنهم أرادوا إخفاء هذا السر؟"
اقترب الكيان منها وقال بصوت أكثر نعومة: "ليس كذبًا، بل حماية. لكن الآن عليكِ أن تختاري. البوابة التي أُغلقت منذ زمن طويل بدأت تضعف. هناك من يحاول فتحها مرة أخرى. ويمكنكِ إما أن تعيدي دورك كحارسة وتغلقيها إلى الأبد، أو تتركيها مفتوحة وتواجهي المصير الذي قد يبتلع كل شيء."
قال إيلار بقلق: "لكن ماذا سيحدث إذا أغلقت البوابة؟ هل ستفقدين حياتك؟"
نظر الكيان إلى لينارا وقال: "إغلاق البوابة يعني التضحية بجزء من روحك. لن تموتي، لكنك لن تكوني كما كنتِ. أما إذا اخترت تركها، فمصير العالم بأسره في خطر."
صمتت لينارا للحظة، ثم نظرت إلى إيلار. "لقد قضيت حياتي أبحث عن معنى... عن شيء يجعل كل هذا الألم منطقيًا. والآن أعرف. إذا كان هذا هو قدري، فسأقبله."
تقدمت نحو الكيان وقالت: "أرني ما يجب أن أفعله."
ابتسم الكيان وقال: "شجاعتك ستعيد التوازن. استعدي، يا حارسة البوابة."
وفي اللحظة التي لمست فيها لينارا الصندوق الذهبي، غمرتها قوة هائلة، والقاعة بأكملها اهتزت. عرفت أنها لم تعد الفتاة التي كانتها من قبل.