الفصل الثالث والثلاثون والأخيير
رواية وقف التنفيذ
الفصل الثالث والثلاثون والأخير
أغلق الباب خلفها على الفور واستندت بظهرها إلى الباب المغلق وحدقت به لبرهة وهو يقف أمامها مباشرة محيطاً خصرها بذراعيه وهو يكاد يلتهمها بعينيه والصمت محيط بهما لا يجروْ أحدهما على شقه .. تمالك فارس قواه وقال هامساً وهو ينظر فى عينيها متعمقاً بها سابحاً بداخلها بل غارقاً فيها حتى أذنيه:
- وحشتينى
حدقت به فى ذهول غير مدركة لما حدث فجأة ..فاقترب منها وطبع قبلة على جبينها قائلاً :
- لسه مفوقتيش من المفاجأة
زاغت نظراتها وهى تحاول التقاط أنفاسها بصعوبة وهى تراه ينزع الدبوس المثبت للخمار ونزعه عنها برفق وهو يبتسم لها بشوق وقال :
- بقولك وحشتينى
وأخيراً تكلمت بصوت مبحوح وقالت :
- أنت عرفت منين أنى نازلة دلوقتى لوحدى
أخذ شهيقاً قوياً وهو يحاول أن يبدو هادئاً وقال :
- أصل شقة مرات ابوكى متسرقتش ولا حاجة .. دى لعبة اخترعتها انا ويحيى علشان هى تتلبخ وتنزل وتسيبك واعرف اشوفك .. بس بصراحة مكنتش اعرف انك هتنزلى وراها ..أنا افتكرت انها هتنزل وتسيبك لوحدك بس اتفاجأت بيكى نازلة وراها فقلت اخطفك
حاولت أن تنظر للداخل ولكن كتفيه منعاها وعيناها لا تصل لما بعدهما فقال سريعاً :
- ماما مش هنا ..عند والدة عزة بتزورها
ثم قال بعتاب خافت وهو يرفع رأسها إليه بأنامله :
- طب مفيش وانت كمان وحشتنى
مسحت وجهها براحتها بالكاد فهو لايعطيها مساحة للحركة كافية وقالت بخجل :
- وحشتنى
ضمها إلى صدره وهو يغمض عينيه بقوة مبتسماً بحب وقال :
- أنا خلاص مش هسيبك تانى .. أنتِ هتفضلى معايا هنا
أبتعدت برفق ونظرت إليه بحيرة ودهشة قالت :
- يعنى أيه هفضل هنا
مسح على وجنتها ثم خلل أصابعه بين خصلات شعرها يداعبه وهو يقول :
- يعنى انتِ مراتى ومش هسمح لحد انه يفرق بينا.. ومش هسيب ابوكى يبعدك عنى تانى ومش هتخرجى من بيتى بعد كده
بللت شفاهها بلسانها بتوتر غير مستوعبة لما يقول وقالت بتلعثم :
- أزاى يعنى مينفعش يا فارس نقعد مع بعض واحنا مكتوب كتابنا بس .. طب هنقول للناس ايه ..
هزت رأسها لعلها تستفيق من وقع كلماته وهى تردد :
- مش فاهمة حاجة
أمسكها من كتفيها ونظر إلى عينيها بقوة وقال بحسم :
- خلاص احنا مش هنفضل مكتوب كتابنا طول عمرنا .. أنتِ هتعيشى هنا معايا وهنعلن كده قدام كل الناس .. أنتِ كده كده مراتى وابوكى عاوز يبعدك عنى وبيضغط عليكى علشان تطلبى الطلاق.. وانا مش هاسمحله.. لازم احطه قدام الأمر الواقع ..
نظر إلى عينيها بقوة أكبر وقال بهدوء :
- انا هدخل بيكى يا مُهرة .. وهنا.. زينا زى أى اتنين متجوزين .. ويبقى ابوكى بقى يورينى هياخدك مني ازاى تانى
شعرت أنها تختنق واحمر وجهها من فرط حرارة جسدها المتصاعدة وقالت باضطراب :
- أنت اتجننت يا فارس بتقول أيه ..سيبنى امشى
أحكم يديه حولها وهو ينظر إليها بتصميم قائلاً :
- أيوا اتجننت .. ولو مش بمزاجك هيبقى غصب عنك ..أنتِ مراتى فاهمة يعنى أيه مراتى
حاولت أن تتحرر من يده وهى تقول بخوف:
- سيبنى يا فارس بقولك سيبنى
حملها رغماً عنها ليبعدها عن باب الشقة وأدخلها غرفته وهى تهتف به :
- لا يا فارس لاا
أغلق باب غرفته وهو يتوقع أن تصرخ أو تحاول الهرب أو تستغيث أو حتى تستسلم, ولكنها لم تفعل ذلك , نظرت إليه بهدوء وهو يغلق باب الغرفة وبمجرد أن عاد إليها عازماً على فعل ما قرره ..أقتربت هى منه بسرعة ولفت يدها حول خصره ودفنت وجهها فى صدره وهى تبكى قائلة :
- أحمينى منك يا فارس.. أحمينى منك
بدء صدره يعلو ويهبط بقوة ويديه متجمدة بجواره وهو ينظر إليها وهى فى هذا الوضع وتقول ببكاء ولوعة :
- فاكر لما قلتلى لو أى حد فى الدنيا ضايقك ولا قرب منك تعالى قوليلى وانا هاحميكى ..فاكر لما كنت بتقولى أوعى تخافى من حد وانا موجود ..أنا ضهرك وانا حماكى .. فاكر لما قلتلى بعد كتب الكتاب حتى لو انا زعلتك يا مُهرة تعالى اشتكيلى مني وانا هخدلك حقك مني ..أنا دلوقتى عاوزاك تحمينى منك يا فارس.. وانت عمرك ما خلفت وعدك معايا ..أحمينى منك يا فارس ..أحمينى منك
أغمض عينيه بقوة وهو يشعر أن كلماتها خناجر موجهة إلى قلبه بقوة وحسم , لم تخطأ هدفها أبداً , أصابته فى مقتل , تعرفه جيداً , وتعرف نبله وشهامته وقيامه تجاهها بدور الأب والأخ قبل أن يكون الزوج والحبيب, هو من رباها وكان يحملها فوق كتفه ولم يجروْ أحدا على مسها خوفا منه, فكيف الآن هو من يؤذيها, كيف تلتجأ إليه ويخذلها .
ظلت تدفن رأسها بقوة فى صدره وكأنها تريد أن تختلط بعظامه وتتسلل داخل قلبه ليحيطها ويضمها ويشعرها بالأمان ... وأخيراً وبعد طول انتظار منها وجدته يلف يديه حول رأسها ويضمها أكثر فى صدره ويمسح على شعرها ويقبله قائلا بحنان :
- متخافيش .. متخافيش
أغمضت عينيها وانسابت عبراتها لتغرق قميصه وتبلل صدره ..شعر بسخونة تلك العبرات فعض شفتيه بألم وقال :
- أنا مش ممكن أذيكى وانتِ عارفة كده كويس
ثم رفع وجهها بأنامله ونظر إلى عينيها وهو يقول بابتسامة حزينة:
- أهو ده عيب اللى يتجوز واحدة فاهماه كويس
خالطت الدموع ابتسامتها وهى تنظر إليه بلهفة فمد يده ومسح عنها العبرات قائلا:
- كفاية بقى عياط.. مش عارف اشوف عنيكى من كتر الدموع
أومأت برأسها وهى تبتسم وتمسح عبراتها براحتيها وهى تقول بحب :
- خلاص مش هعيط تانى
طبع قبلة على جبينها وقال بهدوء :
- أنتِ بتعملى فيا كده ازاى .. أنا بحس انى ببقى واحد تانى خالص وانا معاكى
وضعت يديها على صدره وقالت بصوت مرتجف من فرط التاثر :
- أنا بحبك يا فارس وعمرى ما هطلب منك الطلاق أبدًا إلا اذا حسيت ان انت اللى مش عاوزنى.. أصبر بس شوية مش عاوزينه يعند معانا .. نفسى العلاقة بينكوا تبقى كويسة زى الأول .. وانا أوعدك أنى هصبر على أى حاجة تحصلى فى سبيل اننا نبقى مع بعض فى الآخر وأهالينا راضيين عننا مش غصب عنهم .
أمسك وجهها بيديه ونظر فى عينيها بقوة وهو يقول بحب :
- أنتِ بتجيبى الكلام الكبير ده منين
أشارت بأصبعها إلى صدره وهى تقول :
- منك انت .. ولا ناسى انى كنت ماشية وراك ولازقة فيك بسمع كل الكلام اللى بتقوله وبخزنه فى مخى ومش بقدر انسى منه ولا حرف
أبتسم وقال مداعباً :
- طب ما تجيبى أطه كده على الماشى
ضحكت وهى تبتعد عنه وقالت :
- لا يا سيدى أحسن بعدين تتهور ولا حاجة
أرتدت خمارها ثانية واتجهت باتجاه باب الشقة , فلحق بها ووضع يده على الباب قائلا:
- طب يعنى هشوفك ازاى تانى؟
زاغت نظراتها يمينا ويسارا وهى تفكر ثم قالت :
- قولى معاد رجوعك بالليل أمتى بالظبط .. وانا هبصلك من الشباك واهى تصبيرة كده لحد ما ربنا يفرجها
ضمها إليه مرة أخرى مودعاً وهو يقول :
- ربنا يجمعنى بيكى يا حبيبتى فى أقرب وقت
لمعت الدموع فى عينيها وهى تودعه وتذهب وتغلق باب شقته خلفها برفق ..ظلت عينيه متعلقة بباب الشقة وهو يشعر بوهن شديد فى جسده وكانه قد تسلق جبلا دفعة واحدة دون توقف .. هوى إلى أقرب مقعد بجوار الباب وأغمض عينيه وهو يدعو الله أن يقرب بينهما ويجمعه بها فى القريب العاجل
*******
فى اليوم التإلى مباشرة كان بلال يجلس فى بيت فارس ويقول بعتاب موجهاً حديثه إلى فارس :
- مقولتليش ليه يا فارس على اللى حصل ده كله.. هو انا مش صاحبك ولا أيه
تنهد فارس بعمق وقال بحزن :
- مرضتش اضايقك يا بلال ..وبعدين انا عارف انك مش فاضى
شد بلال على يد فارس وهو يقول بلوم :
- كده برضه ده انا افضيلك نفسى مخصوص يا اخى ده أحنا اخوه فى الله مش مصاحبين بعض لدنيا ولا لمصلحه
قاطعته والدة فارس وقالت :
- ربنا يكرمك يابنى بس ابوها مش عاوز يسمع لحد خالص ومش مدى فرصه لحد انه يتكلم ولا يشرح حاجة
أردف فارس قائلاً:
- وبعدين انا قلت اسببه لما يهدى من ناحيتى يمكن يرضى يسمعنى واقدر اشرحله
وضع بلال يده على كتف فارس وقال بثقة :
- سيب الموضوع ده عليا أنا ربنا يقدرنى وأقدر أحله
نظر له فارس بلهفة فقال :
- توكل على الله يا فارس وأدعى وإن شاء الله ربنا هيلين قلبه من ناحيتك وانا هحاول معاه على قد ما اقدر ... يالا هات رقمه
نظر فارس إلى والدته وقال بحرج:
- معلش يا ماما ممكن تعمللنا دور شاى تانى
شعرت والدته أنه يريد ان يتحدث مع بلال على انفراد فنهضت على الفور وهى تقول مبتسمة :
- حاضر من عنيا
توجهت والدته إلى المطبخ وتركتهما وحدهما فألتفت فارس إلى بلال واقترب منه وقال هامساً :
- بلال انا عاوز اسألك فى حاجة مش متأكد منها كده
اشار له بلال بأن يتحدث فقال :
- هو انا لو دخلت بيها من غير اذن ابوها ينفع ؟
أطرق بلال مبتسماً ثم رفع رأسه ونظر إلى فارس قائلاً :
- لاء طبعاً مينفعش
عقد فارس حاجبيه وقال حانقاً :
- ليه يا بلال دى مراتى أومال عقد الجواز اللى بينا ده ايه
رفع بلال حاجبيه وقال :
- على اساس انك مدرستهاش فى الكليه مثلا
زفر فارس بضيق قائلا:
- نسيتها يا عم .. هو انا فى أيه ولا فى أيه
ابتسم بلال وهو ينظر إليه وشد على يده قائلاً :
- أنت عقدت عليها والاشهار كان للعقد بس يعنى هى لسه فى بيت ابوها حقوقها وواجباتها دلوقتى غير المدخول بيها وانت كده هتلغبط الدنيا فى بعض .. ده غير أن ده مش هيحل حاجة غير أنك هتزود عناد ابوها
هتف فارس حانقاً :
- أنت هتعملى زيها وتقولى ده مش هيحل حاجة وكده ابويا هيعند أكتر .. وبعدين ده لو حصل مش هوديها عند ابوها تانى وهتقعد معايا هنا ويبقى ده اعلان الدخول اللى بتقول عليه
عقد بلال حاجبيه وقال باستنكار :
- هى كمان قالتلك كده .. معناه ايه الكلام ده هو أنت حاولت يا فارس
أشاح بوجهه قائلا:
- أعمل ايه.. هتجنن عقلى طار مني مش لاقى حل
لانت ملامح بلال وهو يربت على كتفه قائلا:
- ياسيدى قلتلك سيبها على الله وبعدين مش قادر تصبر شويه يعنى خلاص .. ما أنت كده ولا كده مكنتش هتدخل دلوقتى وكنت هتستنى سنة كمان
مسح فارس على شعره وهو يقول بحنق :
- معرفش بقى يا بلال انا كنت بدور على أى حل وخلاص.. الموضوع بالنسبالى مش زى ما انت فاكر .. أنا كنت هعمل كده علشان أحط ابوها قدام الأمر الواقع ويبطل يقولى طلقها وكل اللى كنت عاوزه انى أجيبها تعيش هنا وابقى مطمن عليها بدل ماهى قاعدة لوحدها مع مرات ابوها الله أعلم بتعاملها ازاى .
أخرج بلال هاتفه وقال على الفور :
- طب هات رقم أبوها
****
- لقوهم مقتولين فى شقة باسم ... أظاهر ان علاقتهم ببعض قديمة ومن زمان أوى
حدق فارس وعمرو فى الضابط وهو يتحدث إليهم من خلف مكتبه وهتف فارس
على الفور :
- أمتى حصل الكلام ده
مطت الضابط شفتيه وقال :
- الشغالة معاها مفتاح وكانت بتروح كل يوم الصبح بدرى تنضف الشقة ..واضح انهم كانوا بيسهروا كل ليلة .. دخلت النهاردة الصبح لقيتهم مرمين على الأرض ومقتولين .. صرخت طبعا والعمارة كلها اتلمت واتصلوا بالبوليس
نظر عمرو إلى فارس بخوف وقال :
- يعنى ايه الكلام ده طب مين اللى عمل كده
قال الضابط بتركيز :
- البحث الجنائى شغال بس لحد دلوقتى ملقيوش حاجة بصماتهم وبصمات الشغالة بس .. واضح كمان من المعاينة ان الباب متكسرش يعنى القاتل عارفهم وعارف طريقهم ومعاه مفتاح أو هما فتحولوا الباب بأرادتهم.. مفيش دليل على أى حاجة خالص وشكلها كده هتتأيد ضد مجهول .
تقطعت أنفاس فارس وهو يشعر انه يختنق و ينظر إلى عمرو الذى كان ينظر إليه هو الآخر بذهول وهتف عمرو بلوعة :
- يعنى القضية كده باظت ولا أيه .. أنا مش فاهم حاجة
شعر فارس بالأسى تجاه الدكتور حمدى بينما سمع الضابط يقول لـ عمرو:
- أنت كده قضيتك خلصت خلاص.. التقرير هيتقدم انها مزيفة وانت هتطلع براءة والقضية تتقفل ... قضية الرشوة هى اللى باظت بموت باسم ونادر ومنعرفش مين اللى وراهم ولا مين اللى كان بيحركهم .. وده اللى مخالينى متأكد أن اللى قتلهم هو اللى وراهم ومش عاوز يتكشف ..بس هتجنن واعرف ..عرف منين انهم هيقعوا خلاص .. واننا هنقبض عليهم تانى يوم .
تبادل النظرات مع فارس الذى قال باصرار :
- أنا بقى مش هسكت والموضوع متقفلش على كده.. المكان اللى الفندق بيتبنى فيه ده مكان أثرى وانا هقدم بلاغ للنائب العام بالكلام ده وهطلب انهم يكشفوا بأجهزة الدولة اذا كان فيه أثار تحت الحفر ده ولا لاء .. ولازم اجيب اللى ورا نادر وباسم بأى شكل .
مال عمرو للأمام وهو يقول :
- متكبرش الموضوع يا فارس الناس دى ايديها طايله
أستدرك الضابط قائلا:
- بلاش يا دكتور فارس .. أنا عارف حاجات كتير عن الشغل ده انت متعرفوش ..وبنصحك بلاش
نهض فارس وهو يقول باصرار :
- انا رايح اقدم البلاغ حالاً
*****
هاتف بلال والد مُهرة وأاتفق معه على موعد فى المركز الخاص بالدكتور بلال وبالفعل ذهب إليه والدها فى الميعاد المتفق عليه, نهض بلال من خلف مكتبه مصافحاً أياه بحرارة وجلس قبالته فقال والد مُهرة على الفور :
- انا عارف انت كنت عاوز تقابلنى ليه يا دكتور ووالله لو مكنتش غالى عليا مكنتش وافقت اجى اقابلك
أخرج بلال زجاجة مسك وأعاطها له قائلاً بابتسامة :
- طب مش هتقبل هديتى كمان ولا ايه
أخذها والدها على استحياء قائلا:
- هديتك مقبولة يا دكتور
قال بلال مبتسماً :
- أوعدنى بقى انك هتسمعنى من غير ما تقاطعنى ولا تتعصب
أومأ والدها برأسه موافقاً بغير ترحيب .. فقال بلال :
- أنا عارف انك بتحب النبى عليه الصلاة والسلام وبتحب تسمع كلامه مش كده ؟
قال والدها على الفور :
- عليه الصلاة والسلام
تمتم بلال :
- عليه الصلاة والسلام ..
ثم قال بهدوء :
- بص بقى يا راجل يا طيب النبى عليه الصلاة والسلام قال :
- " درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم, أشد من ستة وثلاثين زنية"
وقال كمان عليه الصلاة والسلام
"لعن الله آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه. وقال: هم سواء"
وأنا بحبك يا عم أبو يحيى ومرضالكش أبدا أنك تاكل ربا.. وعلشان كده فارس قال ان عم عامر على حق.. علشان هو كمان بيحبك وخايف عليك
قال أبو مُهرة حانقاً :
- يا دكتور بلال ده مش ربا.. ده زى قرض البنك كده وليه فوايد وبعدين هما اتفقوا من الاول والعقد شريعة المتعاقدين
قال بلال على الفور :
- بس اللى نعرفة أن ما بنى على باطل فهو باطل.. ولو العقد ده عقد ربا يبقى باطل ويبقى الاتفاق بينهم باطل برضه.. الكلام ده لو العقد ده بيوافق شرع ربنا لكن لو يخالفه ميبقاش شريعة المتعاقدين ولا حاجة..أما بقى بالنسبة لحكاية أن البنك بيسلف بالفوايد .. بغض النظر عن حكمها انت جار بيسلف جاره يا ابو يحيى مش بنك
طرق الباب فقال بلال :
- أتفضل
دخل عامر ومعه ولده مينا ومد يده يصافح أبو يحيى الذى صافحه ببرود وجلسا بجواره
فقال ابو يحيى متبرماً وهو يوجه حديثه لـ بلال:
- بس برضة مكنش يصح ينصفه على حسابى.. ده انا حماه وهو حتى مش من دينه
نظر له عامر ومينا بضيق فقال بلال على الفور :
- بس فارس معملش حاجة غريبة.. فارس عمل زى ما الرسول عليه الصلاة والسلام عمل بالظبط ..
عقد أبو يحيى جبينه بينما انتبهت حواس عامر وولده مينا وبلال يقول :
- فى واحد راح للرسول عليه الصلاة والسلام وقاله ان فى دقيق أتسرق منه وأنه تتبع اثره فوجد الاثار موديه على بيت يهودى .. ولما شافوا بيت إليهودى فعلا لقوا اثار الدقيق من بيت الراجل صاحب الدقيق لحد بيت إليهودى.. وكان ده دليل قوى ضد إليهودى.. لكن الحقيقة أن اليهودى مكنش هو اللى سرق ..وان واحد تانى مسلم هو السارق الحقيقى.. وانه خبى الدقيق عند اليهودى لما حس انه هيتكشف ... ساعتها تنزل الوحى على النبى عليه الصلاة والسلام بالآيه الكريمة اللى بتقول:
(إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (105) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (106) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا} إلى قوله تعإلى: {وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (111) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا)
الآية دى يا عم ابو يحيى كانت آيه تبرئة اليهودى ... كان ممكن الرسول عليه الصلاة والسلام يسكت ويقول خلاص بقى ماهو يهودى يعنى معقوله أطلع اليهودى شريف والمسلم حرامى ... لكن لاء.. الرسول عليه الصلاة والسلام أنتصر لليهودى وبرأه وأدان المسلم اللى سرق فعلا.. هو ده الإسلام وهو ده شرع ربنا .
****
لم يصدق فارس نفسه وهو يدخل المدرج فى الكلية ليجد مُهرة جالسة أمامه وسط زميلااتها تنظر له وتبتسم ابتسامة واسعة ... تعلق بصره بها فى دهشة وألقى محاضرته بسرعة وبمجرد أن انتهى أشار لها بعينيه أن تلحقه .. جمعت مُهرة أشيائها وخرجت مسرعة فى فرحة غامرة.. أخذها للخارج وهو يقول بلهفة :
- أحكيلى اللى حصل بقى وبالراحة كده
قالت بسعادة :
- بابا رجع امبارح من عند الدكتور بلال وقال لمراته تمشى وترجع بيتها وراح جاب ماما ويحيى رجع البيت ..وقعد اتكلم معايا وهو مسكوف من اللى عمله وكان عاوز يتاسفلك بس محرج ..
تنهد بقوة وهو يقول بفرحة :
- بركاتك يا دكتور بلال
ضحكت مُهرة وشرعت فى التوجه إلى المدرج مرة أخرى وهى تقول :
- سيبنى بقى كفاية عليك كده
جذبها من يدها قائلا بابتسامة سعيدة :
- لاء أحنا هنتغدى مع بعض بالمناسبة الحلوة دى
رفعت حاجبيها وقالت معترضة :
- لاء طبعا مش موافقه أنت مبذر أوى على فكره
قال بحنان وهو ينظر فى عينيها محاولا التاثير عليها قائلا:
- طب لو قلتلك علشان خاطرى .. نفسى اقعد معاكى شوية
نجحت خطته فقالت على الفور وقد احمرت وجنتيها :
- موافقة.. بس نقعد فى حته فيها بحر
عقد حاجبيه وهو يقول مداعباً :
- دلوقتى بتتشرطى.. مش لسه كنتِ بتقولى لاء من شوية
عقدت ذراعيها أمام صدرها متبرمة وهى تقول بمرح طفولى :
- خلاص مش عاوزه منك حاجة
ضحك وهو يجذبها من يدها ليخرج بها خارج الجامعة ليجلسا وحدهما مرة أخرى لتعود المهرة الأصيلة إلى حضن فارسها المغوار.
****
عادا من نزهتهما بعد صلاة العصر ليجدا حالة من الهرج والمرج داخل شارعهم ودخان كثيف يخرج من أحد المحلات الجانبية الصغيرة فى الشارع .. نظرت إليه مُهرة وهى تقول بقلق :
- ياترى حصل ايه
أخذها إلى بنايتهم ودفع بها برفق داخلها وهو يقول :
- أطلعى انتِ لما اشوف أيه اللى بيحصل
توجه فارس إلى الحاج عبد الله صاحب محال البقالة ليسأله عن الأمر فقال له :
- مش عارفين حصل ازاى ده يا دكتور فارس .. أحنا فجاة كده لقينا النار طالعة من المحل المقفول ده .. قعدنا نطفى فيه والناس كلها اتلمت تساعدنا وكانت هوجة فى الشارع بس الحمد لله لحقناها قبل ما تكبر
عقد فارس حاجبيه بدهشة وعاد أدراجه إلى بنايته, وما إن دخلها حتى وجد مُهرة تتصل به وهى تهتف :
- ألحقنى يا فارس ..
لا يعلم كيف صعد تلك الدرجات إليها .. فى لمح البصر كان واقفا أمام شقتها المفتوحة ووجد والدته خارجة منها وعلى وجهها علامات الفزع وقالت له :
- تعالى يا فارس شوف أوضة مُهرة
توجه فارس على الفور إلى غرفة مُهرة فوجدها تقف فى منتصفها تنظر إلى ملابسها المبعثرة فى كل مكان وعلى وجهها قد رسم الخوف لوحة ظاهرة للعيان بمجرد النظر إليها .. نظرت إليه وهى تقول بفزع :
- ألحقنى يا فارس
تقدم إليها فوجد فى يدها ورقة مدت يدها بها إليه وهى تقول :
- لقيت الورقة دى على سريرى محطوطة هنا
وأشارت إلى كومة ملابس موضوعة بشكل معين ..ليست مبعثرة مثل بقية الملابس ولكن موضوعة فى مكان ظاهر على فراشها بعناية ... كانت كومة من ملابسها الداخلية !.. اتسعت عينيى فارس وأعاد النظر للورقة سريعاً فوجد بها كلمات قليلة :
- المرة دى أوضتها وهدومها.. المرة الجاية هى نفسها.. ومتلومش غير نفسك
رفع رأسه بفزع إلى كومة ملابسها الداخلية .. نعم لقد وصلت الرسالة .. طرقت عقله بجنون .. تهديد بالاغتصاب ... ولكن من ... من يجروْ على هذا ... أستدار إلى والدتها صائحاً :
- أزاى ده حصل وأمتى
قالت والدتها وهى تضع يدها على صدرها مكان قلبها وهى تلهث من شدة الخوف :
- انا كنت تحت عند الست ام فارس وفجأة لقينا ناس بتزعق فى الشارع وبيقولوا حريقة . طلعنا انا وهى ووقفنا فى البلكونة .. ولما لقيناك انت ومُهرة راجعين من بره سيبت الست ام فارس وطلعت شقتى ولقيت مُهرة طالعة ورايا ولقينا باب الشقة مكسور وأول ما دخلت أوضتها لقيناها كده على حالتها دى واتصلت بيك...
أخرج فارس هاتفه وأتصل على الضابط صديقه وقص عليه ما حدث فصمت الضابط لحظة بعد ما سمع ما سرده عليه فارس وقرأ عليه الرسالة فقال :
- نصيحة مني أبعد عن حكاية الآثار دى خالص يا دكتور فارس
صاح فارس بانفعال :
- يعنى انت شايف ان قضية الآثار دى ليها علاقة باللى حصل ؟
قال الضابط بثقة :
- انا مش شايف .. انا متاكد ... شوف يا فارس قضية صاحبك خلصت وطلع براءة والحكاية خلصت والبلاغ اللى انت قدمته اتحفظ حتى من غير ما يحققوا فيه ..وقضية القتل كمان اتحفظت برضه من غير ما نوصل لحاجة فيها ..وكل الأدله أطمست .. مبقاش فيه دلوقتى غير عنادك.. واعتقد اللى حصل ده والتهديد ده خطوة.. ونصيحة مني تبعد وتقفل موضوع الاثار ده خالص
مسح فارس على رأسه بعنف وهو يهتف :
- يعنى أيه ..يعنى فعلا دى عصابة بقى ومش عاوزين أى شوشرة حواليهم ودلوقتى بيهددونى بمراتى
أجابة الضابط بهدوء :
- بالظبط كده واديك شفت نادر وباسم اتقتلوا لمجرد انهم لفتوا الأنظار ليهم.. شوف انت بقى ممكن يحصلك أيه لو مشيت فى الموضوع ده اكتر من كده ... خدها نصيحه من واحد شغال فى مكان ماليان فساد بالشكل ده.. أقف لحد كده يا فارس ..لو حصلك حاجة انت ولا مراتك محدش هيسأل فيكوا وبرضه القضية هتتحفظ ...
جمع فارس بلال وعمرو والضابط وقص عليهم ما حدث وما قاله الضابط صديقه فأعاد الضابط كلماته مرة أخرى أمامهم فأطرق بلال فى سكون ثم قال دون أن ينظر إليهم :
- حضرة الظابط معاه حق يا فارس ..أديك شفت لما اتشدينا كلنا على المعتقل محدش حس بينا ولا حد سال علينا واللى خرجنا من هناك هما هما نفس الناس اللى احنا شاكين فيهم دلوقتى.. والخوف دلوقتى مش علينا احنا.. الخوف دلوقتى على الحريم اللى ممكن يتبهدلوا معانا لو كملنا
ضغط فارس قبضته فى راحته وهو يقول بغضب :
- عارف لو هددونى بالقتل مكنش همنى حاجة ... المشكلة انهم بيهددونى بمراتى .. مراتى يا بلال
وضع عمرو وجهه بين راحتيه وهو يقول موبخاً نفسه :
- ياريتنى ما كنت رحت اشتغلت فى الشركة دى ..ياريتنى لما قدمت استقالتى صممت عليها ومشيت ولا كنت سافرت ولا اتهببت
هتف فارس بحنق :
- لازم نلاقى حل مش معقول نسيبهم ينهبوا البلد كده واحنا خايفين على نفسنا لازم نوصل لأكبر مسؤل فى البلد
نهض الضابط صديقه من مكانه واقفا ً وهو يقول فى شرود :
- أكبر مسؤل اللى انت عاوز توصله ده هو اللى خد أوامر من اللى أكبر منه أن محضر القتل يتقفل والحفر يفضل شغال فى وادى الريان مكان الفندق واهو نفذ الأوامر وقفل المحاضر واتحفظ عليها من غير تحقيق .. عارف لما جارك يتعدى عليك وتروح لابوه تشتكيله تلاقى ابوه هو اللى مسلطه.. أهو هو ده بالظبط .
وضع يده على كتفه وقال بأسى :
- شيل أيدك من الموضوع يا فارس ..الفساد فى البلد دى من سنين كتير.. فوق الستين سنة ويمكن أكتر.. لدرجة ان الناس تعايشت معاه واتعودت عليه .. مينفعش تواجهه لوحدك أستنى شوية .. محدش عارف بكرة هيحصل أيه !
********
جلست بجواره حول المائدة وهى تقول بنعومة :
- معلش يا فارس اشرحلى الحتة دى تانى.. مش فاهماها كويس ..الجنائى ده صعب أوى
مال عليها وهمس فى أذنها :
- طب خشنى صوتك شوية انا كده مش هعرف اشرح حاجة خالص
ضحكت بصوت خفيض ثم قالت :
- معلش استحملنى خلاص الامتحانات قربت تخلص
تافف وهو يغلق الكتاب بيده وقال :
- ما انتِ لو حنيتى عليا بأطه هستحمل
ضحكت ثانية وامتزجت ضحكاتها بصوت والدته وهى تعود من المطبخ حاملة أكواب الشاى بيدها ووضعتها أمامهم وهى تنظر إليهما بمكر قائلة :
- أيه الدرس اللى كله ضحك ده
أمسك يد والدته وأجلسها أمامهما وقال متبرماً :
- بصى بقى يا ست الكل ..أنا عاوز اتجوز ماليش دعوه اتصرفى ..مش انتِ امى ومسؤلة عنى.. أنا كده هنحرف
تبادلت النظرات مع مُهرة وقالت بلامبالاة :
- استنى بقى لما تخلص الكلية بتاعتها
هتف فارس على الفور :
- نعم ؟! .. لالالا ..أنا يدوب هستحمل لحد امتحانات السنة دى ما تخلص
ثم نظر إلى مهُرة نظرة ذات معنى وقال :
- وبعدها بقى محدش يلومنى
قالت والدته على الفور :
- طب اصبر لما نجيب لمُهرة عفش جديد ولا هتدخل على القديم
ظهرت سحابة حزن فى عينيى مُهرة وأمطرت حروف غيرتها الواضحة وهى تقول :
- الحكاية مش حكاية عفش قديم ..الموضوع ده ميفرقش معايا.. أنا بس مش عاوزه أوضة النوم دى .. مش بتاعتى.. فى واحدة غيرى نامت عليها
ثم نظرت إليه نظرات عتاب ولوم فقال :
- تانى يامُهرة ... مش انا فهمتك الحكاية كلها قبل كده.. وبعدين يا ستى انا نفسى مش هوافق تدخلى على عفش قديم وهغيرهولك بالقسط
قالت والدته متسائلة :
- أنت ليه يا فارس مرجعتلهاش عفشها.. مش ده فى القايمة بتاعتها
أخرج فارس ميدالية المفاتيح وقال :
- كويس انى لسه معايا نسخة من مفاتيح شقتها.. هروح بكره انقلها حاجتها فيها.. ده حقها
هتفت مُهرة على الفور بضيق :
- وانت بقى هتروح شقتها لوحدك لاء انا هاجى معاك
رفع كتفيه مقلداً لها وهو يقول مداعباً :
- هو انا مش قلتلك أنها محكوم عليها بسبع سنين .. خايفة من أيه بقى ..هتطلعلى من الصورة تاكلنى يعنى
أستندت برأسها على راحتها وقالت بعناد:
- برضة هاجى معاك
*****
أنهت مُهرة أختباراتها وبدأت فى أتمام أمر الأثاث الجديد, أخذته إلى معرض الأثاث الخاص بوالد صديقتها وانتقيا غرفة نوم جديدة وغرفة أخرى للأستقبال ولقد كانت مُهرة فى غاية السعادة والفرحة وهى تتعلق بيده وهما يتنقلان بين الغرف المعروضة .. أشارت له على غرفة صغيرة الفراش وقالت :
- مش ملاحظ ان الأوضة دى الكومدينو فيها أكبر من السرير
مال على أذنها وقال :
- هو فين السرير اصلا
كتمت ضحكتها وأكملا رحلتهما فى البحث عن أسعار مناسبة وقسط مناسب لحالتهما المادية فى ذلك الوقت وتم تحديد ميعاد الزواج بعد أيام من أتمام تجهيز شقة الزوجية .
حزمت عزة حقيبتها وهى تقول :
- خلاص يا عمرو كل حاجة جاهزة
دلف إلى الغرفة وقال وهو ينظر للحقائب :
- ده أحنا هنشوف بهدلة يابنتى
قالت باعتراض :
- ليه بس ده انا بحب اسكندرية أوى وكان نفسى أعيش فيها من زمان ..كويس انك لقيت شغل هناك
بدل ملابسه وهو يقول :
- آه طبعا مصائب قوم عند قوم فوائدُ
لفت ذراعيها حول ساعده وهى تقول بابتسامة واسعة :
- على الأقل هنقضى شهر عسل جديد مع مُهرة وفارس وكمان بلال وعبير هيسافروا معانا أسبوع
وضع يده على بطنها وهو يقول بمرح :
- شهر عسل أيه بقى ما خلاص أدبست واللى كان كان
دفعته وهى تقول بتبرم:
- أمشى كده هو انت كنت تطول ابقى ام عيالك
دفعها من كتفها برفق وهو يقول :
- أمشى كده وانا متجوزك شفقة ورحمة اصلا
****
كالعادة كانت زفة بسيطة جميلة , أحاطت النساء مُهرة وهن يحملن الدفوف والشعلات وأطواق الزهور وهى تمر بينهن, زهرة يافعة فى مقتبل العمر, فى عينيها ترى الأمل والسعادة والتفاؤل والحب .. تصفق وتنشد معهم كالأطفال .. أما فارس فى قاعة الرجال فكان يشعر للمرة الأولى أنه فى حفل زفافه, كانت السعادة بادية على وجهه وبين الحين والاخر يقترب من عمرو قائلا :
- ما تنهى بقى يا عم انت مسافر الفجر ولا ايه
أقترب بلال منهما وسمع عمرو وهو يقول لـ فارس مداعباً :
- أيه ده هو مش الفرح عندكوا بيبقى اسبوع متواصل ولا ايه
ضحك بلال ضحكات رنانة بينما دفعه فارس من كتفه وهو يقول :
- أسبوع مين يا عم.. أنا هروح أخد مراتى وامشى ..اقعد انت بقى الأسبوع ده براحتك
وضع بلال ذراعيه على كتفيهما وهو يقول مشاكساً :
- لا يا عمرو حرام أسبوع كتير مشيها تلات تيام بس
نظر له فارس بحنق بينما صفق عمرو وهو يقول بمرح :
- العريس هيقتلنا يا شيخ بلال .. وبعدين كلنا مسافرين مع بعض فمفيش داعى نقطع على بعض يعنى
دفع بعضهم البعض وهم يضحكون بشدة فى نشوة ومرح كبير والناس ينظرون إليهم ما بين سعيد ومندهش ..هل الملتحون يضحكون مثلنا !.. هل هم من كوكبنا أم هجموا علينا من كوكب آخر !
سافروا جميعاً إلى عروس البحر المتوسط .. فارس ومُهرة .. بلال وعبير .. عزة وعمرو
كل ثنائى فى شقته الخاصة المؤجرة خصيصا لهذه الأجازة باستثناء شقة عمرو التى كانت مؤجرة بشكل دائم نظراً لعمله الذى جعله ينتقل للأسكندرية للأقامة الكاملة فيها ... وضع فارس الطعام على المائدة ثم توجه إلى غرفة نومها وطرق الباب بخفة وقال :
- مُهرة العشا جاهز يا حبيبتى
هتفت من الداخل:
- أوعى تدخل لسه مخلصتش
تنهد بسعادة وهو يتجول فى أركان الشقة ينتظرها .. خرجت بعد قليل بعد أن بدلت ملابسها
تنهد بعمق ثم توجه إليها وجلس بجوارها وبدأ يطعمها فى فمها بعض اللقيمات الصغيرة وبعد أن انتهى أخذت يده فى يدها ولعقت أصابعه بمرح وهى مبتسمة له فنظر لها بحب وشوق كبيرين وقال بخفوت :
- أوعى تقولى عبير علمتك دى كمان
أومات برأسها وهى تقول :
- أه عبير هى علمتهإلى
أمسك يدها وقبلها بحنان قائلا :
- خلصتى أكل ولا لسه ؟
شعر بها ارتجفت فجاة وأنتفض جسدها وتقلصت عضلات وجهها خوفاً ووجلاً فعقد جبينه وقال بقلق :
- مالك خايفة كده ليه
تلعثمت وهى تقول :
- لا ابدا مفيش
شعر بخوفها وسمع طرقات قلبها وكأنه رأى خفقانه وقفزاته بجنون .. شعر بالشفقة تجاهها ومسح على شعرها وهو يجذبها إلى صدره قائلا :
- من أمتى وانتِ بتخافى مني ؟ فاكره اليوم اللى قلتيلى فيه أحمينى منك يا فارس ؟
رفع رأسها إليه قائلا :
- محدش فى الدنيا دى يخاف عليكى أدى ..صح ولا لاء؟
أومات برأسها وقد شعرت ببعض الهدوء النفسى يغلفها على أثر كلماته الرقيقة ووضعت رأسها على صدره بهدوء فمسح على ذراعها وهو يقول :
- لازم تتأكدى من كده كويس أوى ..أنا هفضل طول عمرى حمايتك وأمانك حتى من نفسى أنتِ يا مُهرة مش حبيبتى وبس ومش مراتى وبس ..أنتِ بنتى واختى قبل أى حاجة تانية وزى ما كنت بخاف عليكى وانتِ لسه بيبى بين أيديا.. هفضل برضة اخاف عليكى وانتِ مراتى وحبيبتى وبين أيديا
اتسعت ابتسامتها ورفعت رأسها إليه وطبعت قبلة صغير ممتنة على وجنته ..فنظر إليها بشغف قائلا :
- أنتِ صدقتى ولا أيه ده انتِ عبيطة أوى !
لم تكن تلك الليلة هى ليلة عادية فى عمرهما , كانت بداية جديدة لعمر آخر ... فارس آخر ومهرة أخرى , يطوفان حدائق حبهما فى سكون وصمت , يهدى كل منهما رحيقه طواعية وحب, أصبح الأخذ هو العطاء , والعطاء هو الأخذ , أختلفت المقاييس , توحدت الأنفس أصبحت كياناً واحداً , يتنفس برئة واحدة , يبتسم بثغر واحد , روحاً واحدة و جسداً واحداً ... وقلبان ينتفضان عشقاً .
******
لامست مياه البحر أقدامهما وهما يجلسان على شاطئه ويتأملان شروق الشمس فاسندت رأسها على صدره وقالت :
- أنا جسمى قشعر من جمال وروعة المنظر الخلاب ده .. شفت عظمة ربنا فى أبداعه ..
أجابها فارس بعد أن قبل كفها بحنان :
- أومال لو شفتى الأجمل والأروع من المنظر ده هتقولى أيه
رفعت رأسها تنظر إليه فى فضول كبير قائلة :
- فين ده
قال وهو ينظر إلى عينيها الواسعتين :
- عنيكى
أحمرت وجنتيها خجلاً وقالت بخجل :
- بتهزر ؟
قال بحب :
- انا بتكلم جد ..أنا لما بشوف عنيكى بنسى الدنيا كلها وبحس أنى فى الجنة ... أنا معرفتش طعم الحب الا وأنا معاكى .. عشت حياتى قبلك فى وهم وانا فاكر أنى بحب غيرك .. عشت أكبر كدبة فى حياتى .. لكن لما عرفت أنى بحبك دوقت ساعتها طعم الحب الحقيقى ...
أنتِ عارفه يا مُهرة.. أنا عشت حياتى كلها كل ما أدخل محكمة واسمع حكم وراه جملة مع وقف التنفيذ .. كنت بفتكر حياتى اللى عشتها .. الجملة دى هى تلخيص حياتى كلها .. من ساعة ما اتخرجت من الجامعة وانا بحلم ابقى وكيل نيابة ..وكنت بذاكر واطلع الأول وكنت عايش دور وكيل النيابة بس مع وقف التنفيذ .. لحد ما اتجوزت وكنت فاكر انى بحبها وهى بتحبنى وبعد ما عرفتها على حقيقتها والناس فاكرانا متجوزين ومتفاهمين وبنحب بعض ميعرفوش اننا متجوزين بس مع وقف التنفيذ ...حتى لما دخلت المعتقل كنت فاكر انى هموت ومحضر نفسى للموت لكن كنت بموت كل يوم من الانتظار.. لكن برضه مع وقف التنفيذ .. ولما اتجوزتك وابوكى كان هيفرق بينا ومكنتش عارف اشوفك ..كنتِ مراتى مع وقف التنفيذ .. و لما فكرت واتحمست انى أطهر البلد دى من الفساد والسرقة واللى بيحصل فيها عرفت ساعتها اننا كلنا شايفين السرقة والفساد لكن مش قادرين نعمل حاجة وفاكرين نفسنا أبطال ..بس كلنا أبطال مع وقف التنفيذ .
كانت تنظر إليه تسمعه بتركيز واهتمام فقالت :
- تفتكر يا فارس فى أمل بلدنا تتغير ؟
قال بشرود :
- أنا متاكد ان ده هيحصل ... بس عشان ده يحصل لازم نكون كلنا أيد واحدة لازم الشعب ده يفوق من الغفلة اللي عايش فيها من سنين طويلة... إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم... ده مهما كان حجم الظلم والطغيان اللي موجود في البلد مش هايقدر يقف أدام ثورة الناس كلها ... بس الخوف كله إن لو الشعب عمل ثورة فعلا وما غيرش نفسه وفضل عايش فى الضلمة ... هاتبقى ثورة .. بس مع وقف التنفيذ .
*****
تمت بحمد الله
***
**
*
لقراءة بقية الرواية حمل التطبيق
https://play.google.com/store/apps/details?id=com.stories4all