الفصل 4:الحقيقة المظلمة
---
الفصل الرابع: الحقيقة المظلمة
كان الممر الذي انفتح أمامنا مظلمًا بشكل غير طبيعي، كأن الضوء نفسه كان يهرب من المكان. كانت جدرانه الحجرية ضيقة، والأرضية خشنة، كما لو أن كل شيء هنا كان قديمًا جدًا لدرجة أنه لا يستطيع تحمل مرور الزمن. كان الهواء كثيفًا، مليئًا بالغبار، ورائحة شيء عفن كانت تملأ أنوفنا، لكننا لم نتمكن من التوقف. كانت خطواتنا تتردد في المكان الصامت، وكل حركة تصدر صدى غريبًا في الأرجاء.
"هل نحن حقًا في المكان نفسه؟" همست نورا، بينما كانت عيناها تبحثان عن أي إشارات تدل على الطريق الذي يجب أن نسلكه. كان وجهها شاحبًا، لكن لا يزال هناك شرارة من الفضول في عينيها.
لم أستطع الإجابة. كان ما يشعر به الجميع، بما فيهم أنا، أقوى من أي كلمة يمكن أن تقال. كان شعورًا باردًا يسرع في جسدي، وكأننا كنا نتجه نحو قدر مظلم لا مفر منه. كل خطوة كنا نخطوها كانت تجعل المكان أكثر غرابة. كان يزداد اختناقًا، وكأننا اقتربنا من قلب شيء قديم، شيء شرير.
"يجب أن نكون حذرين. هذا لا يبدو مكانًا آمنًا." قال يوسف بصوت منخفض، بينما كان يراجع خطواته بحذر. "لا أعرف كيف، لكني أشعر أن هذا المكان يراقبنا."
حاولت أن أركز، رغم الضباب الذي بدأ يكتنف عقلي. "نعم، وأنا أيضًا أشعر بذلك. كل شيء هنا مشوه بطريقة غير طبيعية."
لكننا لم نتوقف. استمررنا في التقدم، وكلما اقتربنا من نهاية الممر، بدأ الضوء يزداد خفوتًا. كان هناك نوع من الظلال التي تتحرك على الجدران، وكأنها تتراقص مع الأنفاس الباردة في الهواء.
أخيرًا، وصلنا إلى غرفة كبيرة جدًا، كانت جدرانها مليئة بالرموز والنقوش التي كانت مشوهة بطريقة غريبة. كان هناك تمثال ضخم في المنتصف، تمثال لرجل عجيب، وجهه مشوه وعيناه مفتوحتان على اتساعهما، وكأنهما يحدقان في أعماقنا. كانت يداه مرفوعتين كما لو كان يحاول أن يوقفنا أو يأمرنا بالرحيل.
"من هذا؟" سأل يوسف وهو يقترب من التمثال. "هل هو واحد من سكان أغارثا القديمة؟"
"ربما يكون أكثر من ذلك." أجبت، بينما كنت أدرس النقوش حول التمثال. كانت الرموز معقدة للغاية، وكأنها تحمل أسرارًا قديمة لا يمكن فهمها بسهولة.
لكن فجأة، حدث شيء غريب. بدأت الأرض تهتز تحت أقدامنا، وسمعنا صوتًا غريبًا، كان أقرب إلى زئير بعيد. كنت أشعر بشيء يقترب، شيء غير مرئي، وكأن المكان كان يستجيب لوجودنا. على الجدران، بدأت النقوش تضيء فجأة، ولكن ليس بالضوء الطبيعي. كان الضوء أحمر قاتمًا، كما لو أن دماء غريبة تتدفق عبر هذه الرسوم القديمة.
"ماذا يحدث؟" سأل يوسف بينما كان ينظر حوله بعيون واسعة.
كنت أحاول التركيز على ما يحدث. فجأة، ارتفع التمثال أمامنا وبدأ يتحرك بشكل غير طبيعي. كان كل شيء في الغرفة يتشوه. ظهر شعاع ضوء ساطع من عيني التمثال، وأصبح الصوت الذي كان يملأ المكان أقوى وأكثر تشويشًا.
"اخرجوا من هنا!" صاحت نورا، وركضت نحو المخرج الذي كان يظهر أمامنا، لكن الأرض كانت تهتز بشكل متسارع، وكأن المكان كان ينقض علينا.
ولكن، لم يكن لدينا مكان للهرب. ارتفعت جدران الغرفة فجأة، وشعرت بأن الهواء أصبح أكثر كثافة. وظهر أمامنا مخلوق ضخم، عيونه مليئة بالكراهية، وجهه يشبه وجه التمثال الذي كنا أمامه، لكن بشكل أكثر بشاعة. كان يتنفس بصوت منخفض، وكأن الزمان نفسه كان يتوقف عنده.
"ماذا هو؟" همست نورا، وقد تجمدت قدماها في مكانها.
كنت في حالة من الذهول، لكنني أجبت بصوت منخفض، "هذا هو الحارس، الحارس الذي يحمي أغارثا. وهو هنا ليمنعنا من الوصول."
الحارس بدأ يتحرك ببطء نحونا، ولكن لم يكن الأمر كما لو أنه كان يسير ككائن حي. كان يشبه الزمان نفسه، كما لو أن وجوده في هذا المكان كان دائمًا، وكأن الأرض نفسها كانت تشده إلى الداخل. وكلما اقترب، كانت الغرفة تتأرجح حولنا أكثر.
"يجب أن نغادر الآن!" صاحت نورا، وركضت نحو الممر الذي كان يبدو ضيقًا أكثر من أي وقت مضى.
لكن الحارس لم يتوقف. كان ينظر إلينا بعينين فارغتين، ويقترب أكثر فأكثر. وفجأة، صمتت الأرض حولنا، وتوقف الوقت للحظة. كنت أعرف أننا قد اقتربنا من شيء أكبر بكثير مما كنا نتصور. في تلك اللحظة، لم يعد لدينا وقت للتفكير.
ركضنا جميعًا بسرعة باتجاه المخرج، بينما كان الحارس يلاحقنا. كان الزمان والمكان في حالة تشوش، وكل شيء كان ينهار من حولنا. لقد اقتربنا من كشف الحقيقة، لكننا كنا على حافة الانهيار أيضًا.
---