الفصل 1 :البداية المظلمة
---
الفصل الأول: البداية المظلمة
كنت أستيقظ كل صباح بنفس الطريقة، وكأن الزمن قد توقف في مكانه. في مدينة آدم القديمة، التي كانت مليئة بالأزقة المظلمة والمباني المهجورة، كانت الأيام تمر وكأنها لا نهاية لها. السماء كانت دائمًا ملبدة بالغيوم الرمادية، والهواء ثقيل من العوادم والضباب الذي يزحف فوق الشوارع. لا شيء كان يميز يومي عن الآخر. العمل في المكتب، التفاعل مع الأشخاص الذين لا أعرفهم جيدًا، ثم العودة إلى شقتي الصغيرة في الطابق الرابع، حيث الجدران البيضاء الباهتة التي لا تحمل أي حياة، سوى صوت التيار الكهربائي الهادئ الذي يعزف لحنًا متكررًا في الخلفية.
كنت أعيش في فراغ، وسط عالم يزحف فيه الوقت ببطء. كل شيء كان يبدو عاديًا جدًا، حتى في اللحظة التي دخلت فيها إلى تلك المكتبة المهجورة على أطراف المدينة. كانت مكتبة صغيرة، تخفيها الأزقة الضيقة والمباني المتداعية من حولها. كان الباب قديمًا، يصدر صوتًا معدنيًا حادًا كلما فتحته، وكأن شيئًا ما كان يراقبني.
كنت قد مررت من أمام المكتبة عدة مرات من قبل، ولكن اليوم كان مختلفًا. شعرت بشيء غريب، إحساس غير مفسر جذبني نحوها. وعندما دخلت، اندهشت من منظر الكتب المصفوفة بعناية على الرفوف، رغم الغبار الذي غطاها. كان المكان هادئًا جدًا، لدرجة أنني شعرت وكأنني دخلت إلى عالم آخر. رائحة الورق القديم تعبق في المكان، والهواء كان خاليًا من أي حركة، كما لو أن الزمن نفسه قد توقف هنا.
بينما كنت أستعرض الكتب، وقع نظري على كتاب قديم جدًا. غلافه كان مهدمًا، وكأن أحدًا لم يمسّه منذ قرون. لم أكن أستطيع تحديد محتواه من مجرد مظهره، لكنه جذبني بطريقة غريبة. قررت أن أفتحه. كانت الصفحات صفراء ومتهالكة، ولكن ما لفت انتباهي هو الرسومات الغريبة التي كانت تزين أطراف الصفحات. رموز قديمة، غير مفهومة، وخرائط غامضة تشير إلى مكان ما في أعماق الأرض.
أغارثا... كان هذا هو الاسم الذي تكرر في أكثر من صفحة. مدينة أسطورية، يقال إنها تقع في أعماق الأرض. لكن ماذا لو كانت حقيقية؟ هل كانت مجرد أسطورة أم أنها حقيقة مخفية؟ كان الفضول يزداد في داخلي، ولكن هناك شعور غريب كان يساورني أيضًا، كأنني أقترب من شيء لا ينبغي لي أن أكتشفه.
لم أكن أعرف حينها أن هذا الكتاب سيكون بداية كل شيء. وفي ذلك اليوم، لم أدرك أنني كنت على وشك أن أبدأ مغامرة ستغير حياتي إلى الأبد.
لم يقتصر الأمر على الكتاب فقط. كانت الخريطة التي وجدتها في الصفحات الأخيرة هي ما لفت انتباهي أكثر. كانت قديمة للغاية، مع علامات غير واضحة وأطراف ممزقة، ولكن كان واضحًا أن مكانًا ما في أعماق الأرض ينتظر اكتشافه. كان المكان الذي تشير إليه الخريطة يقع في وسط الصحارى اللامتناهية، حيث لا يوجد أي أثر للحياة.
أخذت الكتاب معي إلى المنزل، وعندما عدت إلى شقتي، فتحت الخريطة مرة أخرى. كنت جالسًا على الأريكة، والضوء الخافت من المصباح بجانبي كان يسطع على الأوراق البالية. كان هناك شيء في تلك الخريطة، شيء جعلني أشعر كأنني على شفا اكتشاف لا يُصدق. كنت أعلم في أعماقي أن هذه الخريطة ستكون مفتاحًا لفهم شيء أكبر من مجرد أسطورة قديمة.
في اليوم التالي، اتصلت بصديقي يوسف. كان رائد فضاء سابق، عُرف عنه انشغاله بالأشياء الغريبة والألغاز. كنت أعلم أنه سيكون الشخص المثالي لمساعدتي في فك هذا اللغز. أخبرته بكل شيء، عن الكتاب، والخريطة، وأغارثا. في البداية، لم يصدق ما كنت أقوله، لكنه كان مهتمًا بما يكفي ليقرر الانضمام إلي في هذه المغامرة.
"أغارثا؟" قال يوسف وهو يضحك قليلاً. "هل تعني أنك مستعد للبحث عن مدينة خيالية تحت الأرض؟"
"أعتقد أن هناك شيئًا حقيقيًا هنا، يوسف. الخريطة هذه ليست مزحة، إنها جزء من شيء أكبر بكثير. وأنت تعرفني، لا يمكنني التوقف قبل أن أكتشف الحقيقة."
قرر يوسف الانضمام إلي، وبدأنا نخطط للمغامرة. لكننا كنا نحتاج إلى شخص آخر، شخص يعرف كيف يفك الرموز القديمة، شخص يفهم التفسيرات التاريخية لهذه الأشياء. فكرت في نورا، عالمة الآثار الشابة التي كانت تعمل معنا في بعض الأبحاث سابقًا. كانت ذكية جدًا، لكن أيضًا كانت تحفظ حذرها في مثل هذه الأمور.
"هل أنت متأكد أنك ترغب في أن نأخذ هذا التحدي؟" سألته نورا، في مكالمة هاتفية، بعد أن أخبرتها عن مغامرتنا.
"نعم، نريدك معنا. أنتِ الوحيدة التي يمكنها مساعدتنا في فك الرموز القديمة التي سنواجهها."
"حسنًا، إذا كانت لديك الشجاعة، سأكون هناك."
وهكذا بدأنا، ثلاثتنا. الرحلة التي بدأناها لم تكن مجرد مغامرة لاكتشاف أغارثا؛ بل كانت رحلة نحو أسرار مظلمة لن تعود كما كنا نعرفها.
---