العاصفة التي غيرت كل شيء
حين تنهار الحقيقة، وتبتلع الظلال كل يقين، يجد رجلٌ نفسه في مواجهة عالم لا يعرف فيه الصديق من العدو. وسط رماد الماضي المؤلم، تبدأ خيوط لعبة أكبر مما تخيل، حيث تُكتب مصائر وتتغير أرواح. في هذا العالم الغامض، كل خطوة قد تكون نحو الحقيقة... أو نحو الهلاك.
كان حمزة في نظر الجميع رجلاً عادياً. يعيش حياة بسيطة، لا تفرقه عن باقي الرجال في قريته. لكنه كان يعرف تمامًا معنى الكفاح من أجل عائلته. كل يوم كان يعيد نفسه في دوامة العمل والمشاغل، لكن هدفه الوحيد كان أن يوفر حياة جيدة لزوجته فاطمة وابنته مريم كان يرى فيهما كل شيء. كانت مريم، ذات الخمس سنوات هي نجم حياته، وسبب سعادته. كلما دخل المنزل، كانت ضحكتها الصغيرة تتسابق إلى أذنه، كما لو كانت تستقبله في كل يوم بابتسامة أكبر من سابقتها.
كان يتعمد أن يخصص وقتا لها كل يوم. ربما كانت تلك اللحظات القصيرة هي التي تعني له أكثر من أي شيء آخر في الحياة. كان يحب أن يحكي لها القصص قبل النوم، ويمسك بيدها الصغيرة أثناء المشاوير اليومية. كان يعشق كل ثانية يقضيها معها، وكان يعبر عن حبه لزوجته فاطمة بالكلمات التي قد تبدو عادية، لكنها كانت مليئة بالاحترام والتقدير. كانت فاطمة بطبيعتها الطيبة دائما داعمة له، حتى في أصعب اللحظات. هي من كانت توفر له السكينة التي يحتاجها بعد يوم طويل من العمل.
لكن حتى في أحلك الأيام، كان في قلبه شعور غير مريح، كأنما الرياح كانت تحمل تهديدات بعيدة، غير مرئية. كانت الأخبار تتردد بين الحين والآخر عن تهديدات متزايدة عن هجمات إرهابية في بلدان بعيدة عن منظمات تحاول السيطرة على العالم. لكن حمزة، في بساطته، كان يرى كل ذلك مجرد قلق زائد. كان يؤمن أن الحياة يجب أن تمضي، بغض النظر عن ما يحدث حوله. لكنه لم يكن يعرف أن العاصفة كانت على وشك أن تضربه، بلا تحذير.
صباح يوم الأحد، بينما كانت الشمس تشرق وتملأ السماء الزرقاء بنورها الدافئ، شعرت فاطمة بلمسة غير مألوفة في الأجواء بدت عيون حمزة وكأنها تحمل غيمة من القلق. لكنه حاول تجاهل هذا الشعور، فالأمور كانت تسير كما يجب. كانت مريم تركض بين يديه تطلب منه أن يلعب معها، فكان لا يستطيع أن يرفض لها طلبًا.
لكن فجأة، في لحظة لم يكن يتوقعها، تغير كل شيء. ارتفع الصوت المدوي لانفجار بعيد، وكأن الأرض نفسها اهتزت بدأت الطائرات المقاتلة تظهر في السماء، زاعقة، وكأنها قادمة من الجحيم. حمزة شعر بشيء غريب في قلبه، كان يتسارع بسرعة غير منطقية، كأنما يعرف أن حياته على وشك أن تتغير إلى الأبد.
أول ضربة كانت قوية لدرجة أنها اهتزت في أعماق الأرض، ثم تبعتها سلسلة من الانفجارات المدمرة. أصوات الدمار كانت تتناثر في الأرجاء، وحين نظر حمزة حوله، رأى منظرًا لم يكن ليصدقه حتى في أكثر كوابيسه رعبًا. الجنود الذين هجموا على المدينة لم يكونوا بشريين عاديين كانوا يرتدون دروعًا سوداء وتحيط بهم هالة من القوة الغامضة التي جعلت دمائهم غير مرئية. كانت ضرباتهم قاسية، أسرع من أن يتمكن أحد من مقاومتها كانت تدميرًا غير مرئي، مرعبًا، وكأنهم جاؤوا من عالم آخر.
"فاطمة مريم" صرخ حمزة بكل ما تبقى له من قوة لكنه كان يعلم أن الصوت لن يصل إليهم. كان الهجوم سريعًا، لا مفر منه. كان الهواء مليئا بالغازات السامة وكانت الأرض تهتز تحت أقدامهم. لم يكن هناك مكان للهرب.
فجأة، وبدون أي تحذير، انفصلت يد حمزة عن يد زوجته وابتعدت عنه مريم في مشهد رهيب طائرة مقاتلة انفجرت فوق مكانهما، وانقضت النيران على كل شيء. كان حمزة يركض نحوهم، لكن انفجار آخر قطع الطريق أمامه، رافعًا سحابة من الحطام في وجهه. بدأ يركض وسط الدخان الكثيف، يصرخ بأسمائهم، ولكن كان صوته يغرق في فوضى المعركة. حين اقترب، كان يرى الجثث متناثرة في كل والدماء تملأ الأرض من حوله، لكنه لم يكن يستطيع أن يراهم، ولا حتى ان يجد لهم اثرا بعد صراخه حتى جرحت حنجرته ، ركض يمينا و يسارا بدون ان يرى ما يحي امله الذي اختفى مع انقشاع الدخان و تلاشي اصوات الانفجارات.
في تلك اللحظة، شعر بشيء حارق في قلبه، شيء أكبر من الألم. شعر وكأن عينيه لا تصدقان ما ترى عينيه كانتا مليئتين بالدموع، لكنه لم يستطع أن يوجهها إلى أي شيء سوى الخراب الذي حل به.
فقد عائلته في لحظة زوجته فاطمة التي كانت تملأ قلبه بالحب، اختفت من أمام عينيه كل شيء كان قد تحطم. لا وقت للبكاء. كانت يده ترتجف وهو يضعها على قلبه يحاول التقاط أنفاسه وسط الصدمة. دماء زوجته وابنته الطائرات التي ألقت القنابل الجثث المتناثرة حوله، كان كل شيء أصبح رمادا.
في تلك اللحظة، كان حمزة يعلم أنه لن يكون كما كان من قبل. لن يعود إلى حياته البسيطة مرة أخرى. فجأة تحولت كل مشاعره إلى شيء واحد: الانتقام. وعيناه اللتان ملأهما الحزن، بدأتا تلمعان برغبة في الانتقام.
لقد فقد كل شيء، والآن لم يبق له شيء سوى الانتقام.