20 - "وهج البنفسج "
انقشع النور عن عيني (هياء) لتجد نفسها في بستان كبير من زهور البنفسج يمتد بامتداد نظرها.
كانت السماء منيرة، لكنها لم تَر شمساً في الأفق أو في عنانها.
نَسـمـات الــريح تـداعب خصـلات شـعرها ورداءهـا الأبـيض الفضـفاض.
كـل مـا أحـاط بـها كـان خـاطفا للأنفـاس، وعبـق الزهـور قـد تشـبعت بـها تلـك النسـمات الـدافئة.
أخــذت نَفســًا عميقــًا ورفعــت نظرهــا للســماء وحــدقت مبتســمة بـالغيوم القطنيـة.
لـم يكـن فـي الجـوار شـيء سـوى شـجرة غريبـة، أوراقـها لـم تكـن خضـراء، بـل كـانت بنفسجية اللون كبتلات الأزهار المنتشرة حولها.
تقدمت (هياء) نحو الشجرة، لكنها لاحظت أنها لا تستطيع الوصول إليها مهما حاولت السير.
بدأت تجري نحوها، لكن ذلك لم يزد تلك الشجرة إلا ابتعادا عنها! أحست لوهلةٍ بأنها حبيسة مكانها وبدأ القلق ينتابها، وخلال ذلك انحنت وقطفت إحدى الزهور البنفسجية على أمــل أن تعــود مــن حــيث أتــت، لكــن مــا حــدث هــو أن تلــك الزهــرة أخــرجت وهجــًا قويــًا غطـاها وغطـى المكـان بـالكامل.
انقشـع النـور عـن عـيني (هيـاء) لتجـد نفسـها فـي البستان نفسه، لكن الزهور لم تكن بنفسجية، بل كانت ملونة والشجرة كذلك كانت خضراء بهية تجلس تحتها امرأة.
تقدمت (هياء) نحوها ورأت أنها تستطيع الاقتراب منها، وأن المسافة تتقلص بشكل طبيعي حتى وقفت أمامها وانتبهت أن تلك السيدة تمسك بين ذراعيها طفلاً صغيرا كانت تلاعبه.
(هياء) وهي تبتسم:" هل هذا ابنك؟ "
رفعت المرأة رأسها مبتسمة وقالت:" بل ابنتي."
(هياء):" ما اسمها؟ "
(المرأة) وهي تداعب أنف طفلتها وتضحك:" (هياء)... "
(هياء) مبتسمة:" اسمها على اسمي. "
(المرأة) وهي تنظر لـ(هياء):" بل هي أنت... "
(هياء) وهي مصدومة:" ما..؟ "
وقبل أن تكمل سؤالها خرج وهج نور قوي أعادها للبستان البنفسجي حيث كانت تقف مرة أخرى...
وقفت (هياء) مندهشة مما حدث، لكنها لم تطل في التفكير، وقطفت زهرة أخرى لتنتقل بالطريقة نفسها لمكان آخر...
وجدت (هياء) نفسها هذه المرة جالسة على كرسي في غرفة ضيقة بسقف وباب مرتفع يقبع أمامها، وكان مصدر النور الوحيد آتيا من بعض الفراشات المضيئة التي كــانت تحــوم علــى الأرض فــوق شــيء مــا.
STORY CONTINUES BELOW
نهضــت مــن الكرســي وتوجـهت نحوهـا، فتفـرق جمـع الفراشـات لتكشـف عـن مفتـاح بـدا أنـه للبـاب الوحيـد بالغرفـة الضـيقة.
أخــذت المفتــاح وأدخلتــه فــي ثقــب البــاب وأدارتــه.
فُتــح البــاب مــن نفســه بمجــرد أن أدارت (هيــاء) القفــل، وكشــف خلفــه عــن قاعــة كبــيرة مــذهبة بـالكامل تُعزف فيـها موسيقى جميلة، لكنها خالية من الناس.
تقدمت (هياء) فيها بضع خطوات فظهر أمامها شاب انحنى ومد يده يدعوها للرقص، لم تتعرف إليه في بادئ الأمر؛ لأن وجــهه كــان لــلأرض خــلال انحنائــه، لكــن مــا إن أمســكت يــده حتــى اعتــدل فــي وقوفــه، ووضــع يــده علــى خاصــرتها وبــدأ بــالرقص معــها، ورأت أنـه أبوهـا لكـن وهـو فـي العشرين من عمره تقريبا.
ابتسمت (هياء) وهي ترقص معه وقالت:" أبي؟... ما الذي جاء بك إلى هنا؟"
لم يرد الأب عليها بل اكتفى بالابتسام وإكمال الرقصة حتى توقف العزف، لينحني أمام (هياء) التي صفقت له وهي سعيدة جدا ، ليخرج وهج من الأرض المذهبة أعادها للبستان البنفسجي من جديد.
وقفت (هياء) في البستان البنفسجي الكبير وانتبهت إلى أنها باتت أقرب من السابق لتلك الشجرة، فتبسمت وقطفت زهرة بنفسجية أخرى نقلتها بوهجها لمكان آخر.
وجدت نفسها هذه المرة في باحة مدرسة وكانت مملوءة بالأطفال الذين يلعبون ويمرحون في ما بدا أنها وقت فسحتهم.
راقبت (هياء) المنظر لثوان حتى رأت بعضا مــن الصــبية مجتمعــين علــى طفـل صــغيرٍ ويضــربونه بقســوة.
توجــهت (هيــاء) نحــوهم وأبعــدتهم عنــه ونَهَرتــهم بقــوة حتــى تفــرقوا وبقــي الطفـل علـى الأرض ممسـكاً برأسه، لكنه لم يكن يبكي.
نزلت (هياء) على ركبتيها ومدت يدها لطمأنة الطفل الصغير وهي تقول:" يمكنك النهوض الآن يا عزيزي، لقد رحلوا."
أبعد الطفل يديه عن رأسه، وتأكد بنظره من أن بقية الأولاد قد رحلوا بالفعل، وجلس على الأرض بحزن ولم ينهض.
(هياء):" لِم كانوا يضربونك؟ "
صمت الطفل واكتفى بالنظر أمامه...
(هياء) مبتسمة:" يمكنك أن تخبرني؛ فربما أستطيع مساعدتك "
(الطفل) دون أن ينظر لـ(هياء):" الأولاد يسخرون مني لأني لا أجيد القراءة."
ابتسمت (هياء) وقالت:" لا تقلق سوف تجيدها بالممارسة.. في أي صف أنت؟ "
(الطفل):" لا؛ فالمعلم يقول إني أعاني من مشكلة. "
STORY CONTINUES BELOW
(هياء) باستغراب:" مشكلة؟.. مشكلة من أي نوع؟"
(الطفل):" لا أعرف، لكنه أخبر أبي بأني أحتاج مدرسة خاصة. "
(هياء):" لا تقلق سوف تجيد القراءة، أعدك بذلك. "
(الطفل) وهو يرفع نظره وينظر لعيني (هياء):" لا تعِديني بشيء لن يتحقق.. "
استغربت (هياء) من كلام الطفل، وقبل أن ترد عليه خرج وميض قوي من عينيه غطاها وأعادها للبستان البنفسجي مرة أخرى، وهذه المرة لم يتبق بينها وبين الشجرة إلا خطوات بسيطة، فقطفت زهرة أخرى وانتقلت لمكان آخر.
فتحــت عينيــها بعــد زوال الـوهج ورأت أنـها فـي مـنزل (أمـين) مـرة أخـرى، وظنـت لوهلـةٍ أنـها خـرجت مـن الكتـاب وعـادت، لكنـها ارتـابت مـن هـدوء المكـان وعـدم وجـود (أمين) أمامها، إضافة للغبار الذي غطى كل شيء بالكامل، وهي حالة لم تَر فيها المنزل من قبل.
بدأت تتحرك وتتفحص بنظرها المنزل الذي بدا مهجورا وتوجهت للسرداب، لكنها وجدت بعد نزولها الأرفف فارغة، وبعضها تغطى بخيوط العنكبوت.
استنكرت (هياء) المنظر بشدة وأصابها الضيق منه، وهمت بالصعود للطابق العلــوي، لكنــها لمحــت صــندوق (أمــين) الخشــبي فـي مكانـه يغطيـه الغبـار.
سـارت نحـوه وفتحتـه ووجـدته فـارغا كمـا عـهدته.
زادت وحشـة المكـان حولـها بعـدما فتحـت الصندوق، فصعدت للطابق العلوي.
وبعد دخولها غرفة المعيشة رأت كوباً من القهوة على المنضدة التي اعتاد أمين الجلوس بجانبها، فجلست على الأريكة، لكنها لم تمس الكوب وبقيت تفكر بصمت.
لم يدُم تفكيرها مطولاً حتى خرج وهج نور قوي من النافذة أمامها أعادها للبستان البنفسجي وأمام الشجرة تماما.
احتارت (هياء) لوهلةٍ حيث إن الشجرة لم يكن حولها أي زهور لتقطفها، ولم تكن الأوراق كذلك في مدى تصل إليه يداها، فالشيء الوحيد الذي كان بإمكانها لمسه هو جذع الشجرة فقط، فلمسته ولم يحدث شيء.
حاولت المسير مبتعدة عن المكان، لكنها وكما حدث معها في السابق لم تقدر على الابتعاد؛ فالأفق أمامها كان أشبه بالأرض التي تتحرك بتحركها لتُبقيها مكانها.
جلست وأسندت ظهرها لجذع الشجرة، وبدأت تستمتع بالمنظر بالرغم من قلقها المتزايد.
طال جلوسها وزاد معــه قلقــها وأحســت بأنــها حبيســة لمكــان لا يتغــير، وبــدأت تشــعر بــالملل الــذي اســتمر واســتمر ولــم ينتــهِ إلا عنــدما شــعرت بــالنعاس، لتسـتلقي علـى أثـره تحـت ظـل الشجرة وتغمض عينيها وتغفو.
لم تدُم تلك الغفوة ثوانِي حتى فتحت (هياء) عينيها لترى نفسها عند مجموعة من القبور والسماء مغطاة بسحب رمادية وكأنها توشك أن تمطر.
نهضت مفزوعة ولم تكن متيقنة مما إذا كانت تحلم أو أنها لا تزال في الكتاب.
بدأت تتجول بين تلك القبور التي نبتت على كل واحدٍ منها زهرة بنفسجية، وغُرس فوق كل قبر شاهد صخري كُتب عليه اسم صاحبه.
أمعنت (هياء) النظر في بعض الشواهد الصخرية، ولم تتعرف إلى أي من تلك الأسماء حتى رأت قبرا بلا شاهد، فمدت يدها وقطفت الزهرة البنفسجية التي نمت عليه، وما إن التقطت الزهرة حتى بدأت السماء تمطر.
كان لون الماء أسودَ كالحبر الداكن غطى خلال ثوان كل القبور، فشعرت (هياء) برعب شديد خاصة عندما ذابت الأزهار جميعها بما فيها الزهرة التي كانت بيدها.
توقف المطر... وانقشعت الغيوم وخرجت الشمس من خلفها بوهج قوي غطى كل شيء، لتجد (هياء) نفسها أمام (أمين) وقد خرجت من الكتاب.
(هياء) وهي في حالة لا توصف:" ما هذا الكتاب يا (أمين)؟"
(أمين) وهو جالس على الأريكة:" هذا الكتاب بالذات لا يمكنني أن أناقشك فيه "
(هياء):" لكن... "
(أمين) بهدوء:" عودي للمنزل، لقد حان وقت رحيلكم... "
(هياء) وهي توجه نظرها للساعة في هاتفها:" لكن الوقت لا يزال..."
فوجئت (هياء) بأنها أمضت ساعات في الكتاب وأن الظهر قد حل، فارتبكت وقالت لـ(أمين):" لقد تأخرت! "
(أمين) مبتسماً بحزن:" لا تقلقي، لا يزال هناك وقت كاف."
التقطت (هياء) المظاريف والقلم والأوراق من على الأرض، وجرت نحو (أمين) وقبلته على وجنته وهي تقول:" أعدُك! سوف أكتب لك دائماً... "
همت (هياء) بالتوجه نحو الباب، لكن (أمين) أمسك ساعدها، فالتفتت إليه ورأت في عينيه كلمات كثيرة ضج بها محجراه، لكنه لم يتفوه بأي منها وأفلت يدها قائلا:" لا تجري بسرعة كي لا تقعي... "
ابتسمت (هياء) وعادت مسرعة للقصر...