19 - "الورق المحبور"
عادت (هياء) إلى غرفة المعيشة، وما إن انقشع الوهج الذي أعادها حتى قالت بحنق وغضب شديدين:" تلك اللعينة! "
(أمين) وهو على أريكته:" عمن تتحدثين؟ "
(هياء) بغضب:" تلك الممرضة!.. هي وراء كل ما كان يحدث! أريد العودة وتلقينها درساً قاسياً."
(أمين):" أخبرتك بأن قراءة الكتاب نفسه مرتين مخاطرة."
(هياء):" أنا لم أرَ أشياء كثيرة هذه المرة فمعظم الوقت كنت نائمة."
(أمين):" أحداث الكتاب تستمر سواء كنت مستيقظة أم نائمة؛ فعالمه لا يتوقف لأجلك، لكنه يسير بوجودك."
(هياء):" هذه المرة رأيت أكثر من زهرة بنفسجية."
(أمين):" وهذه المرة تأخرت قليلاً على غير العادة."
(هياء):" فعلاً لاحظت ذلك... بالعادة عندما أعود أكون قد رحلت لثوان فقط، لكن لِم حدث ذلك؟ هذه المرة يبدو أنني رحلت فترة أطول... "
(أمين) وهو يأخذ رشفة من قهوته:" روحك بدأت تنسلخ عن واقعك وترتبط أكثر بعالم تلك الكتب."
(هياء):" وهل هذا الأمر سيئ؟ "
(أمين) وهو يلتقط الكتاب الخامس:" يعتمد ذلك على رغبتك."
(هياء):" لا تتحدث بالألغاز يا (أمين)... أخبرني بكل وضوح عن سبب تأخري مجددا هذه المرة. "
(أمين):" بعض الأمور يجب أن تكتشفيها بنفسك... هل قررت بأي جامعة ستلتحقين؟ "
(هياء) وهي تجلس على الأريكة بجانب (أمين):" سوف أتقدم لجامعة المدينة."
(أمين) وهو يضع الكتاب في حجره:" مدينتنا؟ "
(هياء) مبتسمة:" نعم، كي أكون بجانبك دوماً."
(أمين)بتجهم :" لا تضيعي مستقبلك لسبب كهذا!... أنت تملكين عقلاً متوهجاً بالمعرفة ويجب أن تبحثي عن جامعة مرموقة! "
(هياء):" لا يهم ذلك يا (أمين) المهم أن أكون معك وبقربك."
(أمين) بصوت عال وحاد:" بل يهم!"
(هياء) وهي مصدومة:" ما بك يا (أمين)؟ هذه أول مرة تصرخ فيها علي! "
(أمين) وهو ينهض ويضع كوب قهوته على المنضدة بغضب:" لن تقرئي كتاباً آخر من المكتبة إذا كنت تنوين هدر مستقبلك لأجلها."
سار أمين والكتاب الخامس بيده نحو السرداب وحاجباه معقودان غضباً، فلحقت به (هياء) وأمسكت بلباسه وهي تقول:" ما بك؟!... لِم تقول ذلك؟! "
STORY CONTINUES BELOW
(أمين) وهو يفك قبضة (هياء) من لباسه:" اخرجي من منزلي! "
(هياء) وهي تدمع وهول كلمات (أمين) يطرق رأسها:" ماذا؟!... أخرج؟!"
(أمين) وهو يفتح باب السرداب ويغلقه خلفه بقوة:" نعم!.. ولا تعودي أبدا! "
وقفت (هياء) في حالة من الذهول، والحزن الشديد، لما سمعته. وبعد وقوفها فترة وجيزة أمام باب السرداب بدأت تسير ببطء نحو باب الخروج من منزل (أمين)، متوجهة لمنزلها.
بعد دخولها القصر وجدت في ردهته بعض الأمتعة والحقائب، وكانت (حليمة) مع بعض الخدم يرتبونها. (هياء) باستغراب وهي تمسح دمعة من خدها بظهر يدها:" ما كل هذا؟... هل سيسافر أبي لمكان؟ "
(حليمة) دون أن تلتفت إليها لأنها منهمكة بترتيب الحقائب:" كلنا سنسافر يا سيدتي. "
(هياء) وهي مصدومة:" ماذا؟!.. إلى أين؟! "
(حليمة) وهي تدير نظرها نحو (هياء) وتستمر في شد الأمتعة وترتيبها:" ما بك يا سيدة (هياء)؟ هل كنت تبكين؟! "
(هياء) بقلق وعلى عجالة:" لا عليك مني.. ما حكاية سفرنا هذه؟! "
صوت (الأب) قادماً من غرفة المعيشة:" سوف نرحل."
(هياء) وهي تلتفت إلى أبيها:" إلى أين؟!... أنا لن أرحل! "
(الأب) وهو يأخذ بضع خطوات ويقف أمام (هياء):" لم يعُدْ لدينا سبب للبقاء، لقد أتينا إلى هنا كي تجربي حياة مختلفة. وبما أنك تخرجت في الثانوية فحياتك الجديدة تنتظرك... لا تقولي إنك ستلتحقين بإحدى الجامعات هنا."
(هياء) وهي تتذكر سخط (أمين) عليها وتنزل رأسها:" لا يا أبي.. "
(الأب) وهو يضع كفه على رأس ابنته مبتسماً:" كنت أعرف أنك عاقلة ولن تفكري بمثل هذا القرار غير الحكيم."
بدأت (هياء) بالبكاء...
جرت (حليمة) نحوها وهي تقول بقلق:" ما بك يا سيدتي؟! "
(الأب) وهو يرفع كفه عن رأسها ويخرج غليونه من جيب سترته:" تبكي لأنها ستفارق ذلك الكهل... لا تقلقي، موعد سفرنا سيكون بعد ثلاثة أيام يمكنك خلالها توديعه."
لم ترد (هياء) على أبيها، وتوجهت للسلالم المؤدية لغرفتها وصعدت للطابق العلوي وهي تبكي و(حليمة) خلفها...
(الأب) وهو يشعل عود ثقاب ويقربه من رأس غليونه ويحدث نفسه:" توقعت مقاومة أكثر منها... يبدو أنها مستعدة للرحيل من هذا المكان. "
تستمر القصة أدناه
مضى اليومان الأول والثاني، وفي صباح اليوم الثالث، وعلى مائدة الإفطار، تحدث الأب مع ابنته الصامتة منذ تلقيها خبر الرحيل وقال:" ألن تودعي العجوز قبل رحيلنا؟... سوف نتوجه للمطار عند الظهر."
(هياء) وهي تتناول إفطارها ببرود:" لا. "
(الأب):" هل تعرفين أين سنرحل؟... هل أخبرتك (حليمة)؟ "
(هياء):" لا، ولا يهمني ذلك. "
(الأب):" إنها بلاد بعيدة جدا، وقد نمضي هناك سنوات."
(هياء):" كما تشاء يا أبي.."
(الأب):" ما بك؟ َ لِم كل هذا الذبول؟ "
(هياء) وهي تقضم قطعة من الخبز وتحدق بالصحن أمامها:" أليس هذا ما تريد؟"
(الأب):" أنا؟.. من قال إني أريد أن تتحول ابنتي إلى جسد بلا روح؟ "
(هياء) وهي تبتسم بحزن:" لن ترضى عني مهما فعلت... "
تجهم (الأب)، لكنه كظم غيظه وقال:" هل لي بطلب؟ "
(هياء):" تفضل يا أبي، كلي آذان ُمصغية. "
(الأب) وهو يأخذ نَفسا ويزفره ويخرج صندوقاً من تحت الطاولة:" خذي هذه."
(هياء) وهي تنظر للصندوق دون أن تتحرك:" ما هذا؟ "
(الأب):" هاتف متنقل. "
(هياء):" هاتفي يعمل بشكل جيد. "
(الأب):" الهاتف ليس لك. "
(هياء) باستغراب:" لمن إذا؟."
(الأب):" لصديقك (أمين)... ألم تخبريني من قبل بأنه لا يملك هاتفاً "
(هياء) بتعجب:" ولِم تريد إعطاءه هاتفاً؟ "
(الأب):" كي تبقي على تواصل دائم معه حتى وأنت مسافرة، ولا تقلقي من تكاليف المكالمات."
(هياء) بحزن:" لا حاجة لذلك. "
(الأب):" لماذا؟ "
(هياء)..:" (أمين).. (أمين) لم يعد يريد رؤيتي."
(الأب) مبتسماً:" لا تضيعي الوقت واذهبي إليه."
(هياء) بتجهم:" لقد كان كلامه لي واضحاً آخر مرة، وهو أنه لا يريد رؤيتي مرة أخرى! "
(الأب) وهو يضع يده على الصندوق ويسحبه باتجاهه مبتسماً:" حسناً كما تشائين... "
نهضت (هياء) بسرعةٍ ُمفاجئة من مقعدها، وخطفت الصندوق وجرت كالريح نحو باب القصر وأبوها يبتسم ويقول:" لا تتأخري على موعد رحيلنا! "
تستمر القصة أدناه
استمرت في العَدْو نحو منزل (أمين) وهي حافية القدمين حتى إنها أثارت استغراب الحراس عند بوابة القصر عندما مرت بجانبهم بسرعة خاطفة.
(البواب) موجهاً كلامه للحارس وعيناه تراقبان (هياء) وهي تجري تجاه منزل (أمين):" ما بها السيدة؟ "
(الحارس) وهو يتابع المنظر نفسه: "لا أعرف."
وصــلت (هيــاء) لمــنزل (أمـين) وطـرقت البـاب وهـي تتنفـس بسـرعة وتمسـح قطـرات العـرق المنـهمر علـى وجـهها، فتـح (أمـين) البـاب وقبـل أن يتكلـم باغتتـه (هيـاء) وهـي تتحدث بسرعة وعجالة وتوتر بالقول: " أنا آسفة!.. أنا فعلاً آسفة!... أنت أجمل شيء حدث لي في حياتي، وآخر شيء أريده هو أن يخيب ظنك بي... سوف أرحل... وسوف أصبح كما تتمنى... سوف أدرس حتى أحصل على أعلى شهادة يمكنني الحصول عليها... لأجلك أنت... أنت فقط...!"
ابتسم (أمين) وتقدم بضع خطوات نحو (هياء) التي كانت شبه منهارة، وعانقها بقوة وهو يقول:" متى سترحلون؟ "
(هياء) وهي تعانق (أمين) بحزن:" بعد بضع ساعات. "
(أمين) وهو يضحك:" ولِم كل هذا الحزن؟ "
(هياء) بصوت مختنق:" لأني لن أراك فترةً طويلة! "
(أمين) مبتسماً ومطبطباً على رأس (هياء):" يمكننا التواصل."
(هياء) وهي تفك عناق (أمين) وترفع الصندوق أمامه وتستنشق بعض دموعها:" نعم صحيح، وهذه هي الطريقة. "
(أمين) وهو يتناول الصندوق من يدها وينظر له باستغراب:" ما هذا؟ "
(هياء) وهي تبتسم وتمسح ما تبقى من دموعها:" هاتف! "
(أمين) مقلب الصندوق بيده:" كنت أتمنى أن يكون بعض البن. "
(هياء) بحماس: " يمكننا من خلاله التواصل في أي وقت ولأي مدة نشاء، ولا تقلق بشأن التكاليف! "
(أمين) وهو يعيد الصندوق لـ(هياء): "لا، لن نتواصل بهذا الجهاز الغريب؛ فأنا لا أحسن ولا أحب استخدام الأجهزة الحديثة، ولا نية لي لتعلم ذلك."
(هياء) وهي تأخذ الصندوق بخيبة أمل:" أتفهم عدم رغبتك بالتواصل معي."
(أمين) مبتسماً:" حقاً؟... ولماذا؟ "
(هياء) بحزن شديد:" لا أعرف."
(أمين) وهو يضحك ويهم بالدخول:" اِتبعيني. "
دخل الاثنان المنزل وتوجه (أمين) لغرفة المعيشة وفتح أحد الأدراج، وأخرج منه بعض الأوراق والمظاريف وقلماً جميلاً ومدّها لـ(هياء) وهو يقول:" سنتواصل بهذه! "
(هياء) وهي تأخذ القلم والأوراق والمظاريف باستغراب:" ما هذه؟"
(أمين) وهو يجلس على الأريكة:" ألم تري ورقاً وقلماً من قبل؟ "
(هياء):" بلى، لكن... "
(أمين):" سنتواصل بالمراسلة. "
(هياء) باستنكار:" المراسلة؟ "
(أمين):" نعم... هل أشرح لك ما المراسلة؟ "
(هياء):" لا، لا.. أعرفها، لكن من يستخدم الرسائل الورقية في هذا الزمن؟"
(أمين) وهو يُغمض عينيه ويشبك أصابعه ويأخذ نَفسا عميقاً:" من لا يزالون يؤمنون بالجمال فقط؟! "
(هياء) وهي تحتضن الأوراق والمظاريف مبتسمة:" حسناً كما تشاء يا (أمين)."
(أمين) وهو لا يزال مغمض العينين:" هل لديك وقت لقراءة كتاب أخير قبل رحيلك؟ "
(هياء) وهي تبتسم:" كنت أريد أن أطلب منك ذلك، لكن... "
(أمين) وهو يفتح عينيه:" لكن تريدين العودة للاستعداد للسفر. "
(هياء) وهي تبتسم ودمعة تنزل من محجرها:" لا، لكن كنت أخشى أن ترفض..."
(أمين) وهو يشير بحاجبيه للدرج الذي أخرج منه الأوراق والمظاريف:" كتابك ينتظرك. "
وضعت (هياء) ما كانت تحمله على الأرض، وتوجهت بسرعة وأخرجت الكتاب من الدرج ورفعته أمام ناظريها وهي تتمعن في عنوانه وتقول: "وهج البنفسج"؟
(أمين) وهو ينظر تجاه (هياء) مبتسماً:" نعم... كتابي الأول..."
(هياء) وهي تحتضن الكتاب وتلتفت إلى (أمين):" كتابك الأول؟ "
(أمين) وهو يحدق بالكتاب وكأنه يسترجع أياما جميلة ولت:" نعم... لم أقرأه إلا مرة واحدة عندما قدمه لي أبي ولم أفتحه مرة أخرى... "
(هياء):" لماذا؟ "
(أمين) وهو يحيد بنظره للأمام ويسرح في النافذة بوجه حزين:" مرة واحدة كانت أكثر من كافية..."
(هياء) وهي تنظر للكتاب بين يديها بتوجس:" ما الذي يحويه هذا الكتاب يا (أمين)؟ "
(أمين) وهو لا يزال سارحاً في أشعة الشمس المخترقة لنافذته: " لا تتأخري في العودة. "
فتحت (هياء) الكتاب ليخرج وهج نور قوي غطاها بالكامل