18 - "ألم الأمل"
عادت (هياء) لغرفة المعيشة بعدما انقشع النور، ورفعت رأسها وهي تبتسم بحزن، ووجهت نظرها لـ(أمين) الذي أغلق كتابه للتو، وبقيت صامتة حتى تبسم لها وقال:" أرى في عينيك حديثاً ..."
(هياء):" الزهرة البنفسجية هي بوابة الخروج... "
(أمين) بابتسامة رضا:" نعم. "
(هياء):" عوالم هذه الكتب لا يمكن الخروج منها إلا من خلال تلك الزهرة. "
(أمين):" إذا لم تجدي الزهرة فلن تتمكني من الخروج أبدا."
(هياء):" عندما رأيتها في قبضة تلك الفتاة انتابني إحساس غريب، وكأن شيئاً ينادي علي، وبمجرد أن رغبت بالرحيل رحلت. "
(أمين):" لقد فهمت الآن سر وهج البنفسج. "
(هياء):" كيف حصلت على واحدة من تلك الزهور؟ "
(أمين):" تقصدين الزهرة التي أعطيتك إياها أول مرة التقينا فيها."
(هياء) وهي تضع كتابها جانباً:" نعم تلك الزهرة... كيف حصلت عليها؟"
(أمين) :" من أحد تلك الكتب التي نقرؤها."
(هياء):" نعم، لكن كيف؟... هل يمكنني قطف أي زهرة أجدها."
(أمين) بنبرة صارمة:" لا!.. اِحذري أن تفعلي ذلك!.. سوف تحبسين للأبد في الكتاب. "
(هياء):" إذا كيف تمكنت أنت من ذلك؟ً"
(أمين):" أحيانا تصادفين أكثر من زهرة... أنا وجدت بستانا كاملاً منها في أحد الكتب، فقطفت واحدة وعدت بها، لكن لا تحاولي ذلك إذا لم يكن في الجوار سوى زهرة واحدة."
(هياء):" هل يمكنني أخذ أشياء أخرى من الكتب وأعود بها معي؟ "
(أمين):" لم أحاول ذلك من قبل ولا أنصحك بالمحاولة؛ فنحن لا نعلم ما قد يحدث."
صمتت (هياء) وسرحت في الأرض بصمت...
(أمين):" بقي كتابان.. هل ترغبين في إكمالهما الآن أو لاحقاً؟"
لم تردّ (هياء) على (أمين) وبقيت سارحة في الأرض أمامها... (أمين):" ما بك؟"
(هياء) وهي لا تزال سارحة:" الكتاب الأخير استنزفني... "
(أمين):" عودي للمنزل إذا ويمكننا الإكمال لاحقاً "
نهضت (هياء) من أمام (أمين) وسارت نحو الباب، وقبل خروجها قالت وهي سارحة في الأفق:" سعيدة لعودتك... "
STORY CONTINUES BELOW
(أمين) مبتسماً:" سعيد لأنك كنت بانتظاري... "
عادت (هياء) للقصر وأمضت بقية يومها هناك...
مضت الأيام والأسابيع، وكما اعتادت (هياء) كانت تتردّد إلى (أمين) بعد عودتها من المدرسة ، وتعود أول المساء. وبالرغم من أنها كانت تزوره يوميا فإنها لم تقرأ كتاباً آخر بعد كتاب "المسوخ"، وكانت تريد قضاء معظم وقتها مع (أمين) والحديث معه، وهو لم يمانع بل كان سعيدا بذلك.
دخلت (هياء) منزل (أمين) في أحد الأيام بعد يومها الدراسي، وصرخت بصوت مرتفع قائلة:" (أمين)!.. لقد تخرجت! "
(أمين) وهو يخرج من إحدى الغرف مبتسماً:" ُمبارك يا (هياء)! "
جرت (هياء) نحوه وعانقته وقالت:" أنت أول شخص أخبِره! "
(أمين):" هل اخترت جامعتك بعد؟... أعلم أنك تفوقت ويمكنك الدراسة بأي جامعة تختارينها. "
(هياء) وهي تفك عناق (أمين):" لا ليس بعد، لكن لا يهم هذا الآن. "
(أمين) بتعجب:" ما المهم إذا؟. "
(هياء) وهي تبتسم ببهجة:" أريد أن أقرأ كتاباً "
(أمين) بسخرية:" ألم تملي من كتب المدرسة."
(هياء) وهي تدفع كتف (أمين) ضاحكة:" أنت تعرف ماذا أقصد! "
(أمين) وهو يسير نحو غرفة المعيشة مبتسماً:" الكتب التي اخترتها سابقاً لا تزال موجودة ولم أرجعها للمكتبة. "
(هياء) وهي تجري نحو المنضدة وتلتقط أحدها وتقرأ عنوانه: "أربعة جدران".. هذا يبدو شائقاً."
(أمين) وهو يتوجه لركن إعداد القهوة:" ماذا تنتظرين إذا؟"
(هياء) وهي تلتفت إلى (أمين) والكتاب بين يديها:" ماذا عنك أنت؟ ألن تقرأ؟"
(أمين):" سأقرأ معك الكتاب الأخير.. اِبْدئي بهذا الكتاب، وأنا سأعد بعض القهوة لنا. "
فتحت (هياء) الكتاب ليخرج وهج قوي غطّاها بالكامل...
استيقظت (هياء) في غرفة بيضاء على صوت طنين منتظم وهي ممددة على فراش أبيض، ولحاف يغطيها ومخدة ناعمة تسند رأسها. وجدت صعوبة في التحرك، وأحست عند محاولتها الحركة ببعض الألم الحاد المنتشر في جسدها لاحظت أيضا أن أغلب جسدها كان مغطى بالضماد حتى رأسها. نظرت يمينا ورأت لوحة مكتوباً عليها "قسم الحروق".
الغرفة كانت مما رأت (هياء) معقمة جدا ومخصصة للعزل الصحي، وعندما جاهدت والتفتت يسارا رأت مريضين ممدّدين مثلها والضمادات تغطي جسديهما بالكامل. كان سريراهما معزولين بستار بلاستيكي شفاف، ولا يستطيعان الحراك إلا بمساعدة ممرضة كانت في ذلك الوقت موجودة في الغرفة تحقن أحدهما بمصل بواسطة "سرنجة" صغيرة.
تستمر القصة أدناه
بعد دقائق من الصمت تحدث أحد المريضين لـ(هياء) وقال:
(المريض 1): " كيف حالك اليوم؟ "
(هياء):" أشعر بالألم..."
(المريض 2):" نعرف، فلقد سمعنا أنينك البارحة."
(المريض 1):" أنت كنت تئن أيضا."
(المريض 2) وهو يضحك ويسعل:" كلنا كنا نئن! "
(المريض 1) يضحك بقوة:" اسكت ؛ فالضحك يؤلمني!... "
(المريض 2) وهو يضحك:" حسناً حسناً "
خلال ضحكهما كانت (هياء) لا تزال تتفحص المكان من حولها بتمعن شديد، وتحاول استيعاب الموقف حتى وقعت عينها على باب الغرفة الذي فُتح ودخل منه طبيب مع إحدى الممرضات وقال للجميع:" كيف حالكم اليوم؟"
(المريض 1):" الحمد لله، بخير يا دكتور. "
(المريض 2):" مازلت أحس ببعض الألم في صدري. "
(هياء):" أنا أحس بالألم في جسدي كله. "
(الطبيب) وهو يبتسم:" لا بأس.. سوف نحقنكم اليوم بمهدئ قوي سيساعدكم على النوم براحة... هذا الدواء جديد، لكنه سيُفيدكم بإذن الله لتسكين الألم."
(المريض 1):" حقاً يا دكتور؟!... أتمنى ذلك؛ فالألم يزداد عندما ننام بالذات. "
(الطبيب) موجهاً كلامه للممرضة:" اِحقنيهم بـ20 ملغ من المصل الجديد هذا المساء."
(الممرضة):" حاضر."
(المريض 2):" شكرا يا دكتور... "
الطبيب يرحل مبتسماً
في المساء دخلت الممرضة التي كانت حاضرة مع الطبيب صباحاً ومعها بعض الحقن والأمصال، وقامت بحقن (هياء) والمريضين الآخرين بها، وقبل خلودهم للنوم تحدثوا قليلا:
(المريض 1) وهو يغمض عينيه مبتسماً:" هذا المصل جميل، لم أعد أحس بأطرافي من الخدر."
(المريض 2):" نعم بالفعل، أحس بأنني لا أعاني أي حروق."
(هياء) وهي تتثاءب:" يبدو أني سأقضي وقتي هنا في النوم فقط."
سمع الثلاثة أنينا في الغرفة.. أنين شخص يتألم.. ً َ
(المريض 1) وهو على وشك فقدان الوعي من أثر المصل:" من منكم يصدر هذا الصوت... ألم يعمل المصل مع أحدكم؟"
(المريض 2) وهو يغرق تدريجيا في النوم:" أنا... لم... أتكلم..."
غط الثلاثة في نوم عميق و(هياء) كانت تشخر بقوة...
تستمر القصة أدناه
في الصباح استيقظ الثلاثة على صوت الطبيب الذي كان يقوم بجولته الصباحية مع ممرضته المرافقة له دائماً، ولما رآهم قد استيقظوا سألهم:" كيف وجدتم المصل الجديد؟ "
(المريض 1) وهو يمسح النوم من عينيه:" إنه مصل من الجنة يا دكتور... لم أنم هكذا منذ وقت طويل."
(المريض 2):" كان رائعاً، لم أحس بشيء طَوَال الليل. "
(هياء) وهي تبتسم بوجه متخدّر وناعس:" من روعته مازلت أحس بالخدر إلى الآن."
(الطبيب) مبتسماً:" جيد... سنصرفه لكم بشكل يومي حتى تتحسن حالتكم وتبرأ حروقكم."
خرج الطبيب ولحقت به الممرضة...
(المريض 1):" من منكم كذب على الطبيب؟ "
(هياء) باستغراب:" ماذا تقصد؟... أنا لم أكذب في شيء. "
(المريض 2):" ولا أنا."
(المريض 1):" لقد سمعت شخصاً يئن البارحة بعدما أخذنا المصل، وهذا يعني أن أحدكما لم يتأثر بالدواء، وكذبه هذا غباء وقد يعرض حياته للخطر."
(المريض 2):" أنا لم أكذب؛ فقد استفدت فعلاً من المصل. "
(هياء):" وأنا كذلك."
(المريض 1) بتعجب:" من كان يئن ليلة البارحة إذا؟"
(المريض 2):" ربما كنت تتوهم. "
(المريض 1) باستغراب:" ربما... "
حل المساء وحضرت الممرضة لإعطاء المرضى جرعاتهم من الأمصال، وتكرر ما حدث في الليلة الماضية، فقبل أن يغفوا سمعوا جميعاً صوت أنين من شخص رابع، ولكونهم مضمدين بالكامل ولا يقوون على الحراك أو الرؤية بوضوح بسبب ستائر العزل التي تحيط بهم، لم يستطيعوا تحديد مصدر الصوت.
وفي اليوم التالي وخلال زيارة الطبيب الروتينية أخبره الثلاثة بما سمعوه، وسألوه عما إذا كان هناك مريض رابع، قد تم إحضاره ليلاً بينهم دون إخبارهم، فأجابهم الطبيب بالنفي ورحل عنهم وتركهم في حيرة يتناقشون:
(المريض 1):" ماذا تظنون مصدر الصوت الذي سمعناه البارحة؟ "
(هياء):" لو لم أسمعه بنفسي لقلت إنكم واهمون."
(المريض 2):" لا يمكننا القيام بشيء؛ فنحن عاجزون تماما عن الحركة."
(المريض 1):" لدي فكرة. "
(المريض 2):" ما هي؟ "
(المريض 1):" أحدنا يجب أن يرفض أخذ المصل اليوم ويتحقق من الأمر، ويحاول الحديث مع صاحب الصوت."
تستمر القصة أدناه
لم ترد (هياء) على الاقتراح وصمتت في انتظار كلام المريض الآخر...
(المريض 2):" ولِم يرفض شخص واحد فقط؟ لِم لا نرفض نحن الثلاثة أخذ المصل؟"
(المريض 1):" عدم أخذ المصل سيترك صاحبه في ألم حتى الصباح، ولا يوجد سبب كي نعاني جميعاً ."
(المريض 2):" معك حق، الأمر لا يتطلب استيقاظنا جميعاً وحرماننا الدواء.. واحد منا يجب أن يُضحي ليلة واحدة."
(هياء):" ومن سيضحي بمصله؟ "
(المريض 1):" أنا صاحب الفكرة وأنا من سيتحقق من الأمر."
في المساء تناول الاثنان ُجرعتيهما من المصل ما عدا (المريض 1)، الذي تحجج للممرضة بأن العقار يصيبه بالغثيان عندما يستيقظ، وأنه يريد التأكد من الطبيب قبل تعاطيه جرعات أخرى، وحيث إن الطبيب غير موجود في الفترة المسائية للاستشارة، وافقت الممرضة على طلبه من باب الاحتياط وأخبرته بأنها ستترك باب الغرفة مفتوحاً كي ينادي عليها إذا احتاج لشيء، لكن (المريض 1) رد على اقتراحها باستغراب شديد وقال:" ما فائدة جهاز المناداة القريب مني إذا؟"
(الممرضة) وهي تبتسم:" هذه الأجهزة لا يمكن الوثوق بها؛ فقد تتعطل وأنت في حاجة ماسة للمساعدة، ولو أغلقت الباب فلن أتمكن من سماع ندائك. "
(المريض 1) وهو يوافق والتعجب والشك لا يزالان يُساورانه:" حسناً ."
بعد خروج الممرضة من العنبر بدقائق، بدأت أصوات الأنين تصدر، وبدأ (المريض 1) يسمعها بوضوح. حاول المريض التواصل مع مصدر الصوت بمناداته، لكنه لم يرد، واستمر بالتوجع والأنين والمريضان الآخران غارقان في نوم عميق.
قرر (المريض 1) استدعاء الممرضة من خلال جهاز النداء، فحضرت بسرعة وفتحت الستارة المحيطة بسريره وقالت:" ما الأمر؟!... ما بك؟!"
شرح المريض لها ما سمعه، فتفحصت المكان ولم تجد شيئاً فقالت بغضب:" إذا كان عدم تعاطيك المصل سيُسبّب لك الهلوسات فإني أقترح عليك أخذه والخلود للنوم!"
أغلقــت الممرضــة الســتارة بعنــف، وبعــد قليــل ســمع بــاب العنبــر وهــو يغلــق بقــوة، وبمجــرد إغلاقــه عــاودت أصــوات الأنــين والتــوجع فــي الغرفـة، مـا دفـع (المـريض 1) للصراخ فيه قائلا:" من أنت؟!... وماذا تريد؟!"
في الصباح دخل الطبيب مع الممرضة التي كانت مناوبة ليلة البارحة، فهي تعمل نوبات الليل وأول الصباح وترحل في الظهيرة، وسأل المرضى عن أحوالهم قائلا:" كيف حالكم هذا الصباح؟ "
تستمر القصة أدناه
(المريض 2) من الستار المحيط بسريره:" الحمد لله، أحس بتحسن اليوم."
(هياء) وهي تبتسم بخدر من خلف الستار المحيط بسريرها:" مع هذا المصل يا دكتور لا تحتاج لسؤالي."
(الطبيب) وهو يهم بالرحيل:" جيد... سأزوركم غدا بإذن الله."
(المريض 2): لحظة يا دكتور! لِم لم تسأل صاحبنا عن حالته... هل مازال نائما؟"
(الطبيب):" (أبو هيثم) تُوفي في الفجر... ألم تخبركم الممرضة بذلك؟ "
(هياء):" ماذا؟!.. كيف حدث ذلك؟! "
(المريض 2):" كيف؟!... لقد كان في تحسن مستمر وصحته أفضل مناً جميعاً"
(الطبيب):" الأعمار بيد الله، ولا اعتراض على مشيئته.. أراكم غدا بإذن الله.."
خرج الطبيب ولحقت به الممرضة...
(المريض 2):" لا حول ولا قوة إلا بالله، رحمك الله يا أبا هيثم..."
(هياء):" سبحان الله لقد كان أكثرنا حيوية."
(المريض 2):" هل تعتقد أن الأمر له علاقة بما فعله البارحة؟ "
(هياء):" ماذا تقصد؟... ماذا فعل؟ "
(المريض 2):" هل نسيت؟... قراره الاستغناء عن المصل للتحقق من أمر صوت الأنين الذي سمعناه. "
(هياء):" لا أعتقد... أظن أنها كانت ساعته والأمر مجرد مصادفة. "
صمت (المريض 2) ولم يرد...
(هياء):" ما بك؟... لِم سكت؟ "
(المريض 2):" أفكر..."
(هياء):" تفكر بماذا؟ "
(المريض 2):" أفكر في الاستغناء عن المصل الليلة..."
(هياء):" لماذا؟ ولأي غرض؟ "
(المرض 2):" موت صاحبنا يثير الريبة."
(هياء):" كيف تفكر؟... لو فرضنا جدلاً أن موته متعلق بتركه المصل، وهذا أمر وارد جدا، فهل ترمي بنفسك في الطريق نفسه الذي هلك بسببه صاحبنا؟... ربما كان للمصل تأثيرات جانبية نجهلها بتركه!"
ً
(المريض 2):" إذا كان هناك خطر في الغرفة فهو ما زال موجودا، وكوننا نائمين فذلك لن يغير من حقيقة تعرضنا للخطر."
(هياء):" ماذا ستفعل وأنت بهذا الوضع العاجز؟ "
(المريض 2):" بصراحة لا أستطيع أخذ مخدرٍ وأنا أحس بالخطر يحيط بي في هذه الغرفة."
تستمر القصة أدناه
(هياء):" كما تشاء، أنا سوف آخذ دوائي كالمعتاد. "
حل المساء وبعد أن أخذت (هياء) مصلها وخلدت للنوم، توجهت الممرضة إلى (المريض 2) وهي تحمل الحقنة، لكنه أوقفها قائلا:" لا أريد المصل اليوم... "
(الممرضة) بتعجب يخالطه بعض التجهم:" لماذا؟!"
(المريض 2) بغضب:" لا أشعر برغبة في ذلك! وأنا لست مجبرا."
(الممرضة):" ما حكايتكم مع رفض تعاطي المصل؟!"
(المريض 2) وهو يصرخ في وجه الممرضة:" لا أريد المصل.. ألا تفهمين؟! "
(الممرضة) وهي تضع الحقنة جانباً بهدوء:" كما تشاء..."
خرجت الممرضة ولم تغلق باب العنبر خلفها. بعد خروجها بدقائق بدأ صوت الأنين يُسمع من أحد أركان الغرفة، فتسلل التوتر المختلط بالخوف لصدر المريض وأخذ يحاول النظر من خلال الستارة البلاستيكية تجاه مصدر الصوت، لكنه لم يستطع رؤية شيء. لم تتوقف أصوات الأنين، بل أخذت تزداد ويصاحبها توجع بتمتمات غير مفهومة.
(المريض 2) بقلق شديد:" من هناك؟! "
الأنين يستمر دون أن يرد أحد...
(المريض 2) وهو يتصنع الشجاعة:" لا تظن أني خائف منك!... من أنت؟! وهل كان لك يد في موت صاحبي؟!
الصوت يستمر بالأنين دون أن يرد على المريض...
في الصباح دخل الطبيب على عجالة للعنبر، وتوجه مباشرة لسرير (هياء) وفتح الستارة وهو يقول بتوتر شديد:" هل أنت بخير؟! "
(هياء) وهي تستيقظ من النوم:" أهلا يا دكتور، ما بك؟ لِم تبدو قلقاً هكذا؟"
(الطبيب) بقلق شديد:" أجبني أولا!... هل أنت بخير؟!... هل تحس بأي آلام أو صداع؟!"
(هياء) بتعجب:" لا أبدا، أنا بخير ولله الحمد."
(الطبيب) وهو يزفر نَفسا ثقيلا بارتياح:" الحمد لله!ً "
(هياء) وهي تعتدل في جلستها على السرير:" ما الأمر؟... ماذا حدث؟ "
(الطبيب) وهو يسحب كرسياً ويجلس بجانب سرير (هياء):" المصل الذي كنتم تتعاطونه في الأيام السابقة كان يسبب هلوسات في ما يبدو، وهذه الهلوسات تقود تدريجيا للموت، وقد نبهتني إلى ذلك الممرضة اليوم من خلال ملاحظاتها لكم في الأيام الفائتة.
(هياء):" فعلا،ً لقد كنا نسمع أصواتا كثيرة لم نجد لها أي تفسير."
(الطبــيب):" كلامــك يتطــابق مــع كــلام الممرضــة... تــرك صــاحبيك لتعــاطي المصــل يبــدو أنــه عجــل مــن اســتحلابه فـي الكبـد وضـاعف مـن أعراضـه الجانبيـة وهلوسـاتهما، وتسبب في موتهما، وأعتقد أن استمرارك بتعاطي المصل جنبك مواجهة المصير نفسه، لكن لن نتأكد من ذلك إلا بإجراء تحاليل أكثر على المصل، لذا قررنا إرجاعه للشركة المصنعة وفتح تحقيق بالموضوع.
تستمر القصة أدناه
(هياء) وهي مصدومة:" هل مات المرض الآخر أيضا؟"
(الطبيب):" للأسف نعم... لكن الحمد لله أنك مازلت بخير كي نحقنك بالترياق المضاد الذي سيعكس مفعول المصل في جسمك."
(هياء) وهي تنزل رأسها بحزن:" لقد حذرته من الامتناع عن أخذ المصل..."
(الطبيب) وهو ينهض من الكرسي ويهم بالرحيل:" سوف أوجه الممرضة بأن تحقنك بالترياق في أسرع وقت."
(هياء) والحزن لا يزال يعتلي ملامحها:" هل لي بطلب يا دكتور."
(الطبيب):" نعم تفضل."
(هياء):" هل يمكنكم فتح الستائر البلاستيكية المحيطة بي بالكامل... أشعر بالاختناق! "
(الطبيب) وهو يفتح الستائر مبتسماً:" لا بأس، لم تعُدْ بحاجتها بما أنك وحدك بالغرفة الآن"
(هياء) بابتسامة حزينة:" شكرا."
خرج الطبيب وترك (هياء) تجول بنظرها في أركان الغرفة التي خلت من المرضى، ولم يكن بها سوى سريرين خاويين، وخلال تحديقها بهما دخل رجل يحمل باقة من زهور البنفسج وهو يقول:"أليست هذه الغرفة التي بها (أبو هيثم)؟"
(هياء) بحزن:" بلى، لكنه تُوفي قبل الأمس."
وقف الرجل صامتاً وعلى وجهه صدمة وحزن ولم ينطق بكلمة، وبعد ٍ ثوان من الصمت والتحديق بـ(هياء) تقدم نحوها بضع خطوات ومد لها باقة الزهور ورحل.
أمسكت (هياء) بالباقة ونظرت لزهور البنفسج وقالت في نفسها:" يبدو أن موعد رحيلي قد اقترب."
دخلت الممرضة عليها وبدأت بإعداد الحقنة وهي تقول:" باقة جميلة. "
(هياء) وعيناها على الزهور:" نعم بالفعل."
(الممرضة) وهي تسحب المصل من الزجاجة بالإبرة:" ليت زوجي يحضر لي هدية كهذه من وقت لآخر، لكن كيف له ذلك وأنا محبوسة هنا في هذا العمل الذي لا ينتهي."
(هياء):" هل هذا هو العقار المضاد للمصل الذي سبّب لنا الهلوسات؟"
(الممرضة):" نعم."
(هياء):" هناك أمر غريب..."
(الممرضة) وهي تضرب الحقنة بأصبعها:" ماذا تقصد؟ "
(هياء):" إذا كان العقار يسبب الهلوسة َ لِم لم نسمعها إلا ليلاً؟ لماذا لم نتعرض لها في النهار؟ "
(الممرضة) وهي تمسح بقطنة معقمة مكان الوخز:" لا أعرف."
(هياء):" ألا تجدين أن هذا الأمر غريب؟ "
(الممرضة) وهي تقترب بالإبرة من ذراع (هياء):" لا. "
(هياء) وهي تبتسم:" أنت ملاك رحمة بالفعل."
(الممرضة) وهي تحقن (هياء):" أحيانا قد يأتيك الموت على شكل ملاك..."
(هياء) وهي تحتضن باقة زهور البنفسج وقد بدأت بالدوخان وفقدان الوعي:" ماذا تقصدين؟ "
(الممرضة) وهي تهمس في أذنها:" لأن المصل سليم ولا يسبب أي مضاعفات... أنا من كنت أصدر أصوات الأنين كي تشكوا بالمصل وتنقلوا تلك الشكوك للطبيب... كنت أريد أن أحميكم من العيش كمسوخ مشوهة بتلك الحروق في مجتمع لن يرحمكم ولن يتقبلكم بهذه الصور إلا بداعي الشفقة وليس الحب... لم أجد طريقة سوى قتلكم واحدا تلو الآخر، وإلقاء اللوم على المصل الجديد، ولقد ساعدتني بتأكيد تعرضكم للهلوسات عندما أقررت بها أمام الطبيب... تصبح على خير. "
أغمضت (هياء) عينيها ورأت وهج نور قوي...
••••