17 - " أمن وأمان "
زال وهج النور عن عيني (هياء) لترى أنها تقف في صف طويل من الرجال المنصتين لرجل بزي عسكري، يحدثهم ويخطب فيهم بصوت مرتفع وصارم ويقول:" أنتم اليوم صفوة شباب البلد، وقد تم اختياركم كي تكونوا جزءا من درعه الحديدي ضد أعدائه!.. خلال أسابيع ستصبحون جاهزين للمشاركة في ردع المجرمين الذين يحيكون ضدنا أبشع المؤامرات لزعزعة أمننا! "
وقفــت (هيــاء) تســمع لــذلك الرجــل وهــو يشــحن الرجــال بجانبــها، والــذين كــانوا شــبابا فــي أوائــل العشــرين مــن أعمــارهم.
أنــهى الرجــل كلامــه بــالقول:" توجــهوا الآن لعنابركم ومن الغد سيبدأ تدريبكم!"
تحرك الرجال بخطوات متناغمة نحو مبنى قريب منهم و(هياء) تسير معهم، وتُحاكي حركاتهم باستغراب.
كان الجو غائماً والأرض مشبعة بالماء والطين والبرك الصــغيرة، وكـأن السـماء كـانت تمطـر أيـاما ولـم يكـن للشـمس منفـذ بـين تلـك الغـيوم الكثيفـة والمسـودة.
اكتشـفت (هيـاء) أن هيئتـها كـانت شـابا فـي نفـس عمـر بقيـة الرجال الذين كانت تقف معهم عندما تعثرت قدمها خلال السير، ورأت محياها بعد سقوطها في بركة مائية صغيرة.
بقيت تحدق بوجهها وتتمعن في ملامحها الذكورية، ولم ينقطع تركيزها إلا بصرخة قوية أتت من خلفها:" ماذا تفعل أيها المجند؟!"
نهضت (هياء) بتوتر وبدأت تمسح الطين من على زيها العسكري وهي تقول:" لا شيء يا سيدي! "
(قائد السرية) وهو ينظر بتجهم لـ(هياء) خلال تنظيفها لزيها براحة يديها:" ماذا تفعل؟ "
(هياء) وهي تعتدل في وقفتها:" أنظف ملابسي أيها القائد! "
(قائد السرية) بنظرة احتقار وسخط:" ملابسك؟ "
لم ترد (هياء) عليه وبقيت تحدق أمامها بتوتر...
في ذلك الوقت وصل بقية الرجال الذين كانت تسير معهم (هياء) للمبنى الذي وجهوا إليه، ولم يبق في تلك الساحة المكشوفة سواها مع القائد.
(القائد) بنبرة صارمة لـ(هياء):" اِخلعْ زيك! "
(هياء) بتعجب:" ماذا؟ "
(القائد) وهو يصرخ:" لن أكرر كلامي أيها المجند! "
في لحظة رعب من صراخ القائد خلعت (هياء) الجزء العلوي من ملابسها، ورمته على الأرض الطينية، لكن القائد نهرها مرة أخرى قائلا:" الزي بالكامل! "
STORY CONTINUES BELOW
أزالت (هياء) ما تبقى من زيها العسكري وأبقت على ملابسها الداخلية، فحمل القائد الزي من الأرض وهو يقول:" ستبقى هنا حتى تصبح أهلا لهذا الزي..."
سار القائد مبتعدا عن (هياء) التي احتضنت أكتافها من نسمات البرد اللاذعة، وقال قبل ابتعاده عنها:" لا تفكر بالحركة، وإلا أرداك القناص حيث تقف!"
نظرت (هياء) خلفها لترى برجا يقف عليه جندي يوجه بندقيته نحوها...
حل الليل ومعه اشتدت قساوة البرد، وتحولت نسماته لرياح لاسعة، وازداد الطين بللا بهطول الأمطار القوية، ولم تتحرك (هياء) من مكانها بالرغم من الألم الذي كانت تحس به في جسدها من قرصات البرد، ولم تكن تتحرك إلا لتلقي نظرة على القناص الذي كان على البرج يراقبها، ويوجه طرف بندقيته نحوها وهو يدخن لفافة من التبغ.
عند منتصف الليل انهارت (هياء) من الإرهاق و َجثَت على الأرض بركبتيها، لكنها لم تفقد الوعي وبقيت تحتضن نفسها، وتمسح ساعديها بحثـا ًعـن الـدفء.
كـان المكـان مـن حولـها مظلمـًا والسـماء معتمـة بسـبب الغـيوم السـوداء الكثيفـة، ولـم تكـن تـرى مـن النـور شـيئا ً سـوى جمـرة سـيجارة ذلـك القنـاص عندما كان يدخن من وقت لآخر.
رفعت (هياء) كفها أمام وجهها عندما أنار كشاف قوي من فوق مبنى بعيد عنها، و سلّط ضوؤُه عليها برهة من الزمن، لينطفئ مرة أخرى بعد نصف ساعة تقريبا وتغوص في الظلام مجددا.
سمعت (هياء) صوت القناص وهو يتحدث مع شخص صعد للبرج معه، واكتشفت أنه قناص آخر أتى لتسلم نوبة المراقبة بعده.
نزل القناص من البرج بعدما سلم المهمة للقناص الآخر، وسار تجاه (هياء) وعندما مر بجانبها همس لها بجملة دون أن يتوقف أو يلتفت نحوها وقال:" لا تجعل القائد يكسر عزيمتك..."
بالرغم من أن تلك الكلمات كانت بسيطة ومقتضبة، فإنها أعطت (هياء) دافعاً للاستمرار والتحمل.
توقف المطر، ومع توقفه اشتعل ضوء الكشاف بنوره الأبيض القوي مرة أخرى، وبقي مسلطاً على (هياء) الجاثية على ركبتيها، ولم يكسره سوى ظل رجل بدأ بالسير نحوها ببطء.
عندما وصل صاحب الظل رمى عليها زيها العسكري وهو يقول: "يمكنك العودة لعنبرك الآن!"
وسار الرجل عائدا من حيث أتى، وخلال سيره نهضت (هياء) أخذت الزي بصمت وبدأت بلبس الزي.
توجهت بعدها بخطوات مترنحة نحو المبنى الذي دخل إليه الرجال الذين كانت تقف معهم سابقاً.
تستمر القصة أدناه
فتحت باب المبنى لترى عنبرا كبيرا مملوءا بالأسرة ، وكانت كلها غير شاغرة وبها رجال نائمون ما عدا واحدا رأته في أقصى المكان بعدما أخذت بضع خطوات داخل العنبر المظلم.
رمت (هياء) بنفسها على ذلك السرير الصغير وهي منهكة، وغطت في ثوان بنوم عميق لم يعكره سوى صوت شخص يهز كتفها ويحاول إيقاظها قائلا:" هل أنت بخير؟ "
(هياء) وهي تفتح إحدى عينيها وترفع رأسها ببطء:" ماذا؟ "
(الرجل) مبتسماً :" لا بأس، اِرتح الآن وسنتحدث في الصباح... "
عادت (هياء) للنوم دون أن تجيب...
قبل الفجر وقبل أن يشق نور السماء الأفق المظلم دخل أحد الضباط العنبر، وبدأ بالصراخ بقوة لإيقاظ الجنود النائمين. نهض الجميع بفزع بمن فيهم (هياء)، واصطفوا في خط مستقيم فاصطفت معهم، وبدأ الضابط يسير بجانبهم ويقول بنبرة قوية وحادة: "اليوم هو يومكم الأول من الشهور الثلاثة التي ستقضونها معنا... سوف تتعلمون كل شيء يختص بالسلاح والدفاع عن النفس وتلقي الأوامر، والأهم من ذلك سوف تتعلمون كيف تصبحون رجالاً!".
منذ ذلك اليوم أمضت (هياء) أسابيع في التدريبات الشاقة من أول الصباح إلى آخر المساء، وكانت تعود مرهقة ولا تتناول في اليوم سوى وجبتين تتجاذب فيهما أطراف أحاديث سريعة مع زملائها الجنود، الذين فهمت منها مع مرور الأيام أنهم فرقة يتم تدريبها لمواجهة أعداء يُهدّدون أمن الدولة الراعية لهم.
لم تستطع تحديد جنسية الجنود أو مكانها الجغرافي؛ فكل شيء كان مبهماً لها والأحداث تسير بعجالة ووتيرة سريعة.
اشتد بأسها قبل نهاية الثلاثة أشهر، وأصبحت (هياء) ملمة بالكثير من الأمور العسكرية، وأصبحت رامية ممتازة وتصيب أهدافها بدقة عالية بالأسلحة الخفيفة.
في اليوم الأخير وقف الضابط المسؤول عن تدريب تلك الكتيبة في حفل تخريجهم على منصة اجتمعوا أمامها وخطب فيهم قائلا:" اليوم تتسلمون نجوم تخرجكم لتعتلي أكتافكم... يحق لكم الفخر بهذا الإنجاز ووطنكم ينتظركم كي تردوا له صنيعه في تحويلكم إلى رجال منتجين ومساهمين في رفعته وأمنه وأمانه!"
صرخ الجنود مبتهجين، وصعدوا واحدا تلو الآخر على المنصة لتسلم نياشينهم، وعندما حان دور (هياء) وقفت أمام الضابط بوجه قاس ومتجهم فقال لها باسما :" لقد خيبت توقعاتي فيك أيها الجندي، وأثبت أن الماء يمكن أن يتحجر..."
رفعت (هياء) كفها بجانب جبينها وقدمت التحية العسكرية للقائد بينما كان يعلق نيشان التخرج على كتفها.
تستمر القصة أدناه
تفرق الجنود وبدؤوا يحتفلون في عنبرهم بآخر يوم لهم في المعسكر، وبينما كانوا في مخض ذلك الاحتفال دنا أحد الجنود من (هياء) قال:" وأخيرا سنرى براعتك في الرماية على الأحياء بدل القطع الخشبية التي كنت ترميها. "
(هياء) وهي تنظف بندقيتها بتجهم ووجه خاٍل من المشاعر:" لا فرق... سأصيب هدفي مهما كان. "
(الجندي) ساخرا:" الأحياء يجرون ويتحركون. "
(هياء) وهي تنفخ كمامة بندقيتها:" لن يزيد ذلك إلا متعتي في اقتناصهم."
(جندي آخر):" أظن أن القائد لن يسمح لك بالمشاركة في الغارة، وسيضمك للقناصين لاقتناص الهاربين من مداهمتنا."
(هياء) وهي ترفع البندقية وتنظر من خلال نطاقها:" سألبي أوامر القائد مهما كانت."
بعد أيام خرجت الكتيبة ليلاً بأمر من قائدها في عمليتهم الأولى، وكانت العملية عملية " تقص وإبادة" كما سماها الضابط المسؤول عن تلك المهمة، والذي وجه أفرادها بالإغارة على مجموعة من البيوت في قرية صغيرة، وأمر مجموعة القناصة الذين كانت (هياء) من ضمنهم بأخذ مراكزهم، وقنص كل من يحاول الهروب مستعينين بنطاق الرؤية الليلية. وبالفعل ما إن هجم الجنود ودخلوا البيوت حتى بدأت أصوات القذائف وصرخات قاطنيها تملأ المكان، وأمسك القناصة ببنادقهم متشبثين بمقابضها ينتظرون أي أحد يخرج فار من تلك المذبحة.
بعد دقائق بدأ يظهر في مرمى القناصة الأشخاص الهاربون من المنازل، والذين فروا من تلك الإبادة فلم يترددوا وقنصوهم واحدا تلو الآخر، وكانت (هياء) تتفنن في إصابتهم في الرأس مباشرة وهي تلوك قطعة من العلك في فمها.
(القائد) مبتسماً وموجهاً كلامه لـ(هياء):" اترك القليل منهم لزملائك..."
(هياء) وهي تُعمر الذخيرة في بندقيتها وعيناها تحدقان من خلال نطاقها المكبر:" لا تقلق يا سيدي؛ هناك الكثير منهم. "
استمر الجنود في القتل داخل البيوت، واستمر القناصة بالتقاط وقنص الفارين، حيث تسلم القائد مكالمة عبر جهازه الخلوي بأن جميع الأهداف قد تمت إبادتها، ولم ينتهِ الأمر إلا مع أول الصباح فأمر القناصة بحزم أمتعتهم واللحاق به نحو القرية.
سار القناصة خلف القائد المنتشي بالانتصار، ومع اقترابهم من مدخل القرية بدؤوا يشاهدون من كانوا يقنصوهم وصعقت (هياء) من المنظر.
لم تر بينهم أحدا يمكن أن يكون مصدر خطرٍ أو تهديد، فكلهم كانوا من النساء والأطفال وكبار السن، ولم تشاهد رجلاً واحدا، بل إنها لم َ تَر أيا منهم يحمل سلاحاً أو شيئاً يشكل خطرا أو تهديدا.
توقفت (هياء) خلال مسيرها عندما لمحت طفلة صغيرة منكبة على وجهها، وعلمت أنها ماتت من إحدى طلقاتها لأن رأسها كان ينزف من طلقة اخترقته.
لاحظ القائد وقوف (هياء) عند جثة الطفلة، فتوقف والتفت إليها قائلا:" ما بك؟...لِم توقفت؟ "
(هياء) وهي تنزل على ركبتيها عند جثمان الطفلة:" لِم قتلنا هؤلاء الأبرياء؟"
(القائد) بسخرية:" هؤلاء الأبرياء كما تسميهم هم من أخطر منابع الإرهاب."
قلبت (هياء) الفتاة وهي تدمع، فشاهدتها قابضة بيديها على زهرة بنفسجية...
(القائد) بتجهم:" هل سنبقى طويلاً عند هذه الجثة؟! "
(هياء) وهي تغمض عينيها:" لا.. أنا راحلة. "
خرج وميض قوي من الزهرة البنفسجية وغطى ذلك الوهج الجميع...
2
••••