16 - "الشهيق الشاهق"
فتحت (هياء) عينيها عندما أحست بأن النور القوي قد انقشع وحل مكانه رياح قوية تقف داعبت شعرها وجسدها بالكامل.
أخذت نَفسا عميقاً عندما رأت نفسها فــوق قمــة جبــل شــاهق، فحــاولت التــراجع بضــع خطــوات للــوراء لتبتعــد عــن الحافـة التـي كـانت تطـل منـها، لكـن قـدمها زلـت وبـدأت بالسـقوط نحـو الأسـفل.
خـلال سقوطها كانت (هياء) تصرخ في بادئ الأمر، لكنها عندما حركت أذرعها خلال هبوطها المتسارع نحو الأرض، ارتفعت للأعلى وبدأت تحلق في السماء.
شعرت (هياء) بانبهار ودهشة شديدين وهي تشاهد قمة الجبل أسفل منها تتقلص في الحجم، وكيف كانت الغيوم القطنية الباردة تحيط بها من كل جانب.
خفت وتيرة تسارعها للأعلى حتى استقرت وسط السماء بين الغيوم، فعدلت من مسارها وبدأت تحلق رويدا للأمام ورويدا أجادت التحليق والتحكم بنفسها وبدأت بالنزول للأسفل مرة أخرى.
رأت عند اقترابها من القاع نهرا عظيماً منبعه شلال كبير يتدفق من بين سلسلة جبال خضراء كان ماؤه صافياً مزرقا، تحيط به أشجار خضراء كبيرة امتدت على مد البصر.
رأت كذلك كماً كبيرا من الطيور المحلقة بألوان مختلفة، بعضها كان يغرد ويزقزق فوق تلك الأشجار. كانت جنة بمعنى الكلمة.
تملّكت (هياء) رغبة جامحة في الاندفاع نحو النهر والغوص في مائه العذب، وبالفعل هذا ما قامت به، لكن المفاجأة هي أنها بعد أن غمرها الماء وجدت أنها تستطيع التنفس بسهولة وبحرية تحته مثل الأسماك الملونة والجميلة التي أحاطت بها.
شعرت بالسعادة تتفجر من قلبها، واندفعت خروجاً من النهر العذب نحو السماء وهي تقول في نفسها:" لطالما رغبت في زيارة القمر...لنَر مدى اتساع هذا الحلم الجميل ."
انطلقت (هياء) صعودا بالغيوم ولم تتوقف عن التحليق في السماء الزرقاء المكتظة حتى رأت في الأفق سواد الفضاء الممتلئ بالنجوم.
توقفت لثوان تُمعن النظر بــذلك الفضــاء الواســع ثــم انــدفعت مجــددا نحـوه، واختـرقت غـلاف السـماء الـرقيق والقمـر المكتمـل نصـب عينيـها.
حـدث مـا كـانت تتوقعـه وهـو قـدرتها علـى التنفـس بسهولة في الفضاء، مثلما حدث معها في النهر. كانت تتنفس بسهولة وكأنها على سطح الأرض تماما. بعد مسير لم يدُم أكثر من عشر دقائق اقتربت من سطح القمر وحطت عليه بكل هدوء.
بدأت تتجول على سطحه الخاوي من كل مظاهر الحياة، فلم يكن هناك حولها سوى الحجارة والرمال البيضاء وتساءلت في نفسها قائلة:" أين جمالك الذي نراه من بعيد؟"
STORY CONTINUES BELOW
خلال تجوالها كانت الألوان معدومة؛ فكل ما حولها كان محصورا بين الأبيض والأسود، وكأنها في أحد الأفلام القديمة، لكن تلك الشحوبة كُسرت عندما لمحت شيئاً ملوناً على مسافة قريبة منها.
توجهت نحو ذلك الشيء بخطوات متسارعة تخللها بعض التحليق الخفيف حتى وصلت إليه، لتجد أنه زهرة بنفسجية نمت من بين أحد الشقوق. تأملت (هياء) تلك الزهرة البنفسجية وقالت في نفسها:" تلك الزهرة مرة أخرى... ماسبب ظهورها المستمر؟"
انقطــع تحــديقها بــالزهرة عنــدما لمحــت شــهاباً يمــر مــن أمامــها فــي الســماء، فابتســمت وانــدفعت محلقــة للأعلــى وقــررت اللحــاق بــه.
اســتمرت (هيــاء) بــالتحليق نحـو الشهاب ومبتعدة عن سطح القمر بسرعة، لكنه اختفى قبل أن تصل إليه. بقيت عائمة في الفضاء تفكر في وجهتها التالية، خلال ذلك خرج وميض من خلف القمر وكان ذلك الوميض هو نور الشمس، وعندما رأت (هياء) ذلك النور ابتسمت وقررت التحليق نحو الشمس وهي تحدث نفسها مبتسمة وتقول:" لنَر مدى اتساع هذا الحلم الجميل.."
مع استمرار (هياء) بالتحليق نحو قرص الشمس المتوهج زادت سرعتها أكثر وأكثر وأحاط بها وهج مشتعل وأصبحت كالشهاب الذي رأته سابقاً، لكنها لم تُحس بأي حرارة، بل كانت سعيدة ومبتهجة بما يحدث حولها.
بدأت الشمس تزداد حجماً مع اقتراب (هياء) منها، وزاد مع اقترابها الوهج المحيط بها وقبل أن تصل للسطح غطى الوهج عينيها وحجب رؤيتها، لتستيقظ أمام (أمين) وهي ممسكة بالكتاب.
(هياء) وهي تقف في حالة من الدهشة تخالطها ابتسامة خفيفة:" ما الذي حدث؟ "
(أمين) وهو يأخذ الكتاب من يدها:" هل استمتعت بالكتاب؟"
(هياء):" نعم، لكن... "
(أمين) وهو يضع الكتاب على المنضدة بجانبه:" لكن ماذا؟"
(هياء):" كنت أريد أن أصل للشمس. "
(أمين) مبتسماً:" المتعة قد تكون بالرحلة وليس بالهدف منها... "
(هياء):" ماذا تقصد؟ "
(أمين) وهو يتناول كتاباً آخر:" ما رأيك أن نكمل بقية الكتب؟... "
(هياء) مبتسمة:" حسناً ما عنوان الكتاب الذي سنقرؤه الآن؟"
(أمين) وهو يمد الكتاب لها:" هل يهمك عنوان الكتاب أم محتواه؟ "
(هياء) وهي تأخذ الكتاب مبتسمة وتجلس مقابل (أمين):" لا، فلكل كتاب جماله الخاص."
(أمين) وهو يأخذ كتاباً آخر:" مهما كان محتوى أي كتاب يجب أن نبحث عن مصدر الجمال فيه... تذكري ذلك دائماً "
(هياء):" أريد أن أسألك عن أمر ما قبل أن نشرع بالقراءة. "
(أمين):" ماذا؟ "
(هياء):" ألن تخبرني ما حكاية الزهرة البنفسجية التي تظهر لي في كل كتاب أقرؤه؟!"
صمت (أمين) وبقي يحدق في (هياء) بنظرة تعجب...
(هياء):" ما بك؟ "
(أمين):" ألم تكتشفي الأمر بعد؟ "
(هياء):" لا... "
(أمين) بابتسامة خفيفة:" لا يمكنني إخبارك! يجب أن تكتشفي الأمر بنفسك. "
(هياء):" ألا يمكنك على الأقل تقريب الأمر لي؟"
(أمين):" لا... "
(هياء) بإحباط:" حسنا"
بدأت (هياء) تتفحص الكتاب الذي اختاره (أمين) لها وقرأت عنوانه... (هياء) بتساؤل:" المسوخ ...؟ "
(أمين):" كتاب جميل ويحمل قيماً جميلة... "
(هياء) وعيناها لا تزالان منصبتين على العنوان المنقوش بحبر أسود:" هل قرأته من قبل؟"
(أمين):" نعم. "
(هياء) وهي ترفع نظرها وتوجهه نحو (أمين):" العنوان غير مطمئن. "
(أمين):" هل ترغبين في تغيير الكتاب؟ "
(هياء) وهي تعيد نظرها لعنوان الكتاب:" لا أعرف.. "
(أمين):" اِتخذي قرارك الآن."
(هياء) وهي تعض شفتها السفلية وتحدق بالكتاب:" سأقرؤه."
(أمين) وهو يفتح كتابه:" جيد... أراك بعد قليل..."
(هياء) وهي تفتح كتابها مع (أمين):" حسناً "
خرج وميض قوي من الكتابين وغطى (هياء) و(أمين)...
••••
+