وهج البنفسج - 14 - " لغز الصندوق " - بقلم اسامه المسلم - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: وهج البنفسج
المؤلف / الكاتب: اسامه المسلم
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: 14 - " لغز الصندوق "

14 - " لغز الصندوق "

وجدت (هياء) بعد انقشاع الضوء نفسها في السرداب مرة أخرى والكتاب بين يديها. أغلقته ووضعته على الطاولة أمامها ولم تنهض من الكنبة الجلدية وبقيت تفكر. امضت في تفكيرها وقتا ليس بالقليل، ولم ينقطع ذلك السرحان حتى سمعت خطوات نزول من السلم أمامها. رأت بعد ثوان من سماع الخطوات (أمين) وهو يدخل وفي يده كوبان من القهوة تتصاعد منهما الأبخرة ليضعهما على الطاولة أمامها ويقول:" لِم لم تصعدي للطابق العلوي بعد انتهائك من الكتاب؟ " (هياء) ببال مشغول:" هذا الكتاب لم يكن كبقية الكتب التي قرأتها سابقاً " (أمين) وهو يشد كرسياً خشبياً كان بجانبه ويجلس أمام (هياء) قائلا:" لماذا؟.. ما المختلف فيه؟ " (هياء) وهي توجه نظرها لـ(أمين):" هل قرأته من قبل؟ " (أمين):" لا... " (هياء):" إذا؟ لِم اقترحته علي " (أمين):" لأني كنت أرى أنك بحاجته." (هياء) باستغراب:" كيف وأنت لا تعرف محتواه؟ " (أمين) وهو يبتسم بشيء من الحزن:" أنت لست أول من يقرؤه. " (هياء):" لا أفهم كلامك." (أمين) مبتسماً:" اشربي قهوتك قبل أن تبرد. " تناولت (هياء) كوب القهوة وأخذت منه رشفة وبدأت تنظر لرفوف الكتب... (هياء) وهي سارحة في الرفوف:" لدي الكثير من الأسئلة يا (أمين)... هل ستجيبني عنها؟ " (أمين) وهو يمسك كوب القهوة الخاص به:" إذا كنت أعرف الإجابة فلن أبخل عليك بها. " (هياء) وهي تضع كوبها على الطاولة:" لقد فتحت الكتاب الذي أهديتني إياه أمام أبي... لِم لم ير وهج النور؟ " (أمين):" هذا الوهج لا يراه سوى القارئ فقط. " (هياء):" ما سر الزهرة البنفسجية؟ " (أمين):" ماذا تقصدين؟" (هياء):" في كل كتاب أقرؤه دائماً ما أصادف زهرة بنفسجية... لماذا؟... وهل لها علاقة بتلك الزهرة البنفسجية الجافة التي أهديتني إياها عندما تقابلنا أول مرة؟" (أمين) وهو يبتسم ويأخذ رشفة من قهوته:" كنت أنتظر سؤالك هذا." (هياء):" وأنا أنتظر الإجابة. " (أمين) وهو يضع كوب القهوة على الطاولة:" الوقت لا يزال مبكر كي تعرفي الإجابة. " STORY CONTINUES BELOW (هياء):" ومتى يحين الوقت؟ " (أمين):" الأمر عائد لك." (هياء):" لا تتحدث بالألغاز يا (أمين)!... كن صريحاً معي! " (أمين):" ما ترينها ألغازا ليست إلا جزءا من اللوحة التي ستكتمل قريباً " (هياء):" لدي سؤال آخر. " (أمين):" ما هو؟ " (هياء) وهي تشير لصندوق خشبي صغير على أحد الرفوف:" ما الذي يحتويه هذا الصندوق؟ " (أمين) وهو يوجه نظره للصندوق ثم يبتسم ويقول:" ما الذي أثار فضولك به اليوم بالذات... لطالما كان هذا الصندوق موجودا هنا، لِم تسألين عنه الآن؟ " (هياء) وهي تحدق بالصندوق:" لا أعرف.. منذ أن انتهيت من قراءة هذا الكتاب أحسست بتغيير كبير في تفكيري، وتساؤلات أكثر تضج في عقلي، لدي رغبة كبيرة في السؤال عن كل شيء ولا أعرف لماذا! " (أمين) وهو يعود بنظره نحو (هياء):" هذا أمر جيد. " (هياء) وهي توجه نظرها لـ(أمين):" ألن تجيبني؟ " (أمين) وهو يوجه نظره مرة أخرى للصندوق الخشبي:" هذا الصندوق أحفظ فيه أجمل ما قرأت في حياتي." (هياء) بحماس وعينين متسعتين:" حقاً؟! " (أمين) وعيناه لا تزالان على الصندوق:" نعم. " (هياء):" هل يمكنني فتحه؟ " (أمين) وهو يلتفت إلى (هياء):" لماذا؟ " (هياء) بحماس:" هل تمزح؟!.. أريد أن أرى ما تراه أنت أجمل ما كُتب وأن أقرأه أيضا! " (أمين):" الصندوق أمامك... اِفتحيه." نهضت (هياء) وهي متحمسة ومتشوقة لرؤية محتوى الصندوق، ومدت يديها وحملته ووضعته على الطاولة بينها وبين (أمين)، وفتحته وألقت نظرة بداخله. (هياء) بوجه محبط:" الصندوق فارغ. " (أمين) وهو يراقبها:" نعم. " (هياء):" لكنك قلت... " قاطعها (أمين) قائلا:" أعرف ما قلتُه.. لم أجد حتى الآن شيئاً يستحق أن يوضع في هذا الصندوق. " (هياء) بتعجب:" كل هذه الكتب العجيبة التي تملكها ولم تجد شيئا يستحق القراءة." (أمين):" هذا الصندوق ليس للكتب التي تستحق القراءة فكل كتاب يستحق القراءة. " تستمر القصة أدناه (هياء):" ماذا إذا؟ " (أمين):" أنا أبحث عن شيء يمكن أن أسميه "أجمل ما قرأت". " (هياء):" وكيف ستعرف أن ما قرأته هو أجمل ما قرأت؟ " (أمين):" أريد نصا بمجرد الانتهاء منه أرغب في سماعه مرة ثانية وثالثة... نصا يسعدني ويبكيني في كل مرة أعود إليه، ولا أمله أو يفقد جماله مهما سمعته… نصا متجددا في جماله كبئر لا تنضب . " (هياء):" تسمعه؟... النصوص المكتوبة تقرأ ولا تسمع. " (أمين) مبتسماً:" يمكننا سماع النصوص المكتوبة." (هياء):" عدَت لتتحدث بالألغاز مرة أخرى. " (أمين):" لا يهم في النص الذي أبحث عنه أن أقرأه أو أسمعه. المهم أن يكون جميلاً بالقدر الذي يجعلني أتنفس بعده وكأني وُلدت للتو. " (هياء):" وهل هناك كتاب أو نص بهذا الوصف؟ " (أمين) وهو يبتسم:" بحثت خمسين عاماً وما زلت أبحث..." (هياء) وهي تلف بنظرها حول المكان وتتفحص الرفوف العليا:" ماذا الآن؟ " (أمين):" أنا لدي سؤال." (هياء) وهي توجه نظرها لـ(أمين):" تفضل. " (أمين):" كيف كانت علاقتك مع أمك؟" (هياء) باستغراب من سؤال (أمين):" أمي؟... لِم تسألني؟ " (أمين):" يمكنك الامتناع عن الإجابة، لكن لا تجيبيني بسؤال. " (هياء):" لا، لكني مستغربة من سؤالك. " (أمين):" وهل هذا الاستغراب يمنعك من الإجابة؟ ..." (هياء):" لا يوجد إجابة فأنا لا أعرف عنها شيئاً ماتت وهي تلدني.. حتى إني لم َأر شكلها من قبل، فأبي يحتفظ بصورها ولا يسمح لي برؤيتها. " (أمين):" لماذا؟ " (هياء) بحزن:" لا أعرف. " (أمين):" عودي لمنزلك الآن." (هياء) :" أريد قراءة كتاب آخر. " (أمين):" يكفي ما قرأتِهِ اليوم." (هياء) بقلق:" هل أنت مستاء مني؟ " (أمين):" لا... لِم تقولين ذلك؟ " (هياء):" أحسست بذلك." (أمين) مبتسماً:" لا أبدا... البرد تمكن مني وأريد العودة لمدفأتي. " (هياء) وهي تحتضن نفسها:" فعلا... البرد قارس هذه السنة على غير العادة." تستمر القصة أدناه (أمين):" سوف أكون بانتظارك غدا " (هياء) وهي تنهض:" ألن تصعد للطابق العلوي؟ " (أمين):" لا سأبقى هنا قليلا." (هياء):" لكن المدفأة في الطابق العلوي. " (أمين):" أعرف... " (هياء) وهي تمازحه:" هل تريد القراءة وحدك من دوني؟ " (أمين) يبتسم بحزن دون أن يرد... (هياء) تضع يدها على كتف (أمين) وتقول بقلق:" ما بك يا (أمين)؟ لم أرك هكذا من قبل! " (أمين) وهو يضع يده على يد (هياء):" لا تقلقي، أنا بخير... مجرد ذكريات ضالة وجدت طريقها لعقلي. " (هياء) بقلق:" هل تريد مني البقاء؟" (أمين) وهو يربت على يد (هياء) التي لا تزال على كتفه مبتسماً:" لا يا عزيزتي...عودي قبل أن يقلق والدك عليك. " قبلــت (هيــاء) جبـين (أمـين) وبـدأت بصـعود السـلالم، وعنـد وصـولها للسـلمة الأخـيرة وفتحـها البـاب، سـمعت (أمـين) يسـعل، فأحسـت بقبضـةٍ فـي صـدرها وخـرجت وأغلقت باب السرداب خلفها. دخلت (هياء) باب القصر وتوجهت مباشرة إلى غرفتها. وبالرغم من أنها رأت أباها و(حليمة) في غرفة المعيشة، فإنها لم تمر بهما أو تتحدث معهما. وصلت إلى غرفتها واستلقت في سريرها وغطت نفسها. طرقت (حليمة) الباب وهي تقول:" هل تأذنين لي بالدخول يا سيدتي؟ " (هياء) وهي تحت الغطاء:" أريد النوم يا (حليمة) لنتحدث لاحقاً " (حليمة) من عند الباب:" أمرك يا سيدة (هياء). " همت (حليمة) بالرحيل، لكن (هياء) نهضت وقالت:" ما الأمر؟.. ما الذي تريدين التحدث فيه؟ " (حليمة) وهي تدخل الغرفة:" أمر يشغل بالي يا سيدة (هياء). " (هياء):" ما هو؟ " (حليمة):" أنت... " (هياء):" أنا؟ " (حليمة):" نعم. " (هياء) بتجهم :" هل أرسلك أبي للحديث معي؟ " (حليمة):" لا أبدا... حديثي معك سببه انشغالي أنا. " (هياء):" وما الذي يشغل بالك؟ " (حليمة):" خروجك المتكرر للذهاب لمنزل ذلك العجوز. " (هياء) بتجهم:" اسمه السيد (أمين)! " تستمر القصة أدناه (حليمة) وهي تقترب من (هياء) وتقول بتوتر وقلق شديدين:" أرجوك يا سيدتي توقفي عن الذهاب إليه! " (هياء) بتجهم وتعجب:" ما حكايتكما أنت وأبي؟!... لِم تحاولان منعي من الذهاب إليه؟!" (حليمة):" أنت لا تلاحظين ما نلاحظه... في كل زيارة له تعودين متغيرة تماما وكأنك شخص جديد. " (هياء):" وما المشكلة؟... هل آذيتكما بشيء؟ " (حليمة):" لا، ولكن... " (هياء) بعصبية:" ولكن ماذا؟!... الرجل لم أر منه سوى كل خير، ولا أشعر بالضيق إلا عندما أعود إلى هنا وأحاصر بهذه الأسئلة والشكوك! " (حليمة) وهي تنزل رأسها:" أعتذر يا سيدتي لأني تحدثت في الموضوع. " (هياء) وهي تنهض من فراشها وتتوجه نحو (حليمة) وتمسك كتفيها وتقول مبتسمة:" (حليمة)... أنت أقرب لي من أي شخص في هذه الدنيا... أنت من ربيتني بعد وفاة أمي... فلا تظني يوما أني سأخفي عليك شيئاً أنت أقرب لي حتى من أبي... " (حليمة):" إذا بحق تلك السنين أجيبيني عن سؤال واحد. " (هياء) وهي تترك كتفي (حليمة):" ما هو؟" (حليمة) وهي ترفع نظرها:" ما الذي يجذبك ويدفعك للذهاب لمنزل السيد (أمين) بهذا الشغف وبشكل متكرر؟ " صمتت (هياء) قليلاً وهي تحدق بعينَي (حليمة) القلقتين، ثم قالت:" لن أخبرك..." (حليمة) وهي تنزل رأسها بحزن:" لا بأس. " (هياء):" لكني سأريك... " (حليمة) وهي ترفع رأسها:" ترينني ماذا؟ " (هياء) تمسك بيد (حليمة):" هيا بنا! " (حليمة) باستغراب:" إلى أين؟! " (هياء) وهي تسحب (حليمة) نحو باب الخروج:" إلى السيد (أمين)! " (حليمة) وهي تُجر خلفها:" لكنك أتيت منه للتو. " (هياء):" لا بأس فهو لن يمانع. " خرجت الاثنتان من الغرفة ونزلتا إلى الطابق السفلي وخرجتا من باب القصر. وخلال مرورهما بغرفة المعيشة لم يكن السيد الكبير موجودا بها، لكنهما لم تلقيا بالا لذلك الأمر، ثم مشتا حتى وصلتا إلى باب منزل (أمين) وطرقت (هياء) الباب. (حليمة) بقلق:" لِم لا نأتي في وقت آخر؟ " (هياء) وهي تطرق الباب مجددا:" لماذا؟ " تستمر القصة أدناه (حليمة):" ربما يكون نائما." (هياء) وهي تضحك وتطرق الباب مرة أخرى:" لم أر السيد (أمين) ينام من قبل، فلا تقلقي. " لم يفتح أحد الباب بالرغم من تكرار طرق (هياء) على درفته بقوة، وعندها بدأ القلق يتسلل لقلبها وقالت:" غريبة... في العادة لا أضطر لطرق الباب مرتين كي يفتح السيد (أمين)." (حليمة): أخبرتك بأنه قد يكون نائما. " (هياء) وهي تطرق الباب بقوة:" سيد (أمين)! " لم يرد أحد...، بدأت (هياء) بإدارة المقبض بتوتر لفتح الباب، لكنه كان مغلقاً فجرت نحو السور وهي تبحث بتوتر شديد عن مكان آخر يمكنها الدخول منه للمنزل. (حليمة) بقلق:" ما بك يا سيدة (هياء)؟ " (هياء) وهي تصرخ في (حليمة):" أحضري مساعدة بسرعة!" (حليمة) بتوتر:" ماذا تقصدين؟ " (هياء) بعصبية:" استدعي بعض الرجال من القصر. " عادت (حليمة) جرياً فورا نحو القصر، وبعد دقائق عادت ومعها بعض الحراس. وبمجرد وصولهم صرخت فيهم (هياء) وقالت:" اِكسروا الباب! " نفــذ الرجــال أمرهــا، ولحظــة أن فُتــح البــاب هــرعت (هيــاء) لــداخل المــنزل وهــي تصــرخ وتنــادي علــى (أمــين). لــم تجــد لــه أي أثــر فــي غرفــة المعيشــة أو أي غرفــة أخـرى، فتذكرت أنها تركته قبل رحيلها في السرداب، فتوجهت مسرعة نحو بابه ونزلت على عجالة عبر السلالم. وما إن وصلت إلى نهايتها حتى رأت (أمين) ملقى على الأرض وفاقدا لوعيه. جرت نحوه وجثت عند رأسه ووضعته على حجرها وهي تصرخ وتبكي بقوة: " سيد (أمين)!.. سيد (أمين)!" دخلت (حليمة) مع من كانوا معها للمنزل عندما سمعوا صراخ (هياء) وتوجهوا مباشرة للسرداب، وعند رؤيتها لهم صرخت فيهم وهي تبكي:" خذوه للمستشفى الآن! " نُقــل (أمــين) للمســتشفى بالســيارة، وكــانت (حليمــة) فــي المقعــد الأمـامي مـع السـائق، و(هيـاء) فـي المقعـد الخلفـي ممسـكة بــ(أمين) طَوَال الطـريق وتمسـح علـى رأسـه وتبكي. لحقت بالسيارة سيارة أخرى استقلها بعض الرجال الموكلين بمرافقة (هياء) وحراستها. وبعد أن وصلوا للمستشفى أدخلو (أمين) للطوارئ في الحال. ساعة من الانتظار خرج الطبيب الذي أشرف على الكشف عليه، ورأى ممر المستشفى ممتلئاً بالرجال المحيطين بفتاة تبكي بجانبها سيدة عجوز تواسيها. تستمر القصة أدناه تقدم الطبيب نحو (هياء) وقال لها:" هل أنت أحد أقربائه؟ " (هياء) وهي تنهض بسرعة وقلق شديد:" هل هو بخير؟! " (الطبيب):" لقد تعرض لجلطة وهو الآن في غيبوبة. " (هياء) وهي تبكي بحرقة:" ما معنى ذلك؟!.. هل سيتعافى أم لا؟! " (الطبيب):" الأمر بيد الله الآن. " (هياء) وهي تمسح دموعها المنهمرة:" ومتى سيخرج من غيبوبته؟ " (الطبيب):" الله أعلم، لكنه يجب أن يبقى تحت الملاحظة فترة من الزمن. " (هياء):" سوف آخذه لمستشفى آخر! " (الطبيب):" هذا من حقك، لكن لا أنصح بنقله الآن. انتظروا حتى تستقر حالته. " بدأت (هياء) تبكي بحرقه و(حليمة) تواسيها... (الطبيب):" من سيتكفل بعلاجه؟ " (هياء) وهي تشد لباس الطبيب بقوة وتصرخ في وجهه: " لا تتحدث عن التكاليف!.. قم بعملك فقط! " أمسكت (حليمة) بقبضة (هياء)، وحررت الطبيب منها وهي تقول:" ماذا تفعلين يا سيدة (هياء)؟! " (هياء) وهي تترك الطبيب وتعانق (حليمة) وتبكي بقوة:" يجب ألا يموت!.. يجب ألا يموت! " (حليمة) وهي تضمها بقوة:" لا تقلقي، كل شيء سيكون على ما يرام." (الطبيب) وهو يُرتّب هندامه بتجهم:" لا تنسوا المرور بقسم المحاسبة قبل رحيلكم. " (هياء) وهي تفك عناق (حليمة) بعينين دامعتين:" أين هو؟.. أريد رؤيته! " (الطبيب) وهو يهم بالرحيل:" الغرفة 634 " توجهت (هياء) ومن كان معها للغرفة التي كان بها (أمين)، ودخلت عليه بخطوات بطيئة ودموع منهمرة، ورأته في سريره الأبيض والأجهزة موصلة به وصوت طنين جهاز مراقبة نبضات القلب يرن كل ثانية. مشت (هياء) ببطء حتى أصبحت عند رأسه، فسحب أحد الرجال المرافقين لها كرسياً ووضعه خلفها، لكنها لم تجلس وبقيت تحدق بوجه (أمين) الشاحب وهي تقول بحزن شديد ووجنتين مبتلتين بالدموع:" لا تتركني يا (أمين)... أرجوك. " بعد دقائق من الوقوف أمامه بصمت أحست (هياء) بيد (حليمة) وهي تلمس كتفها وتقول لها:" لنرحل الآن وسنزوره غدا. " (هياء) وهي تدمع وتحدق بوجه (أمين):" قد يستيقظ وحده ولا يراني. " (حليمة):" لا فائدة من بقائنا هنا الآن. سنعود غدا، أعدك بذلك. " تستمر القصة أدناه سارت (هياء) بهدوء معها وهي تدمع بصمت... عنــدما عــاد الجمــيع للمــنزل كــان الســيد الكبــير فـي انتظـارهم، وكـان غاضـبا بسـبب غيـاب الجمـيع دون علمـه. وعنـدما دخلـت (هيـاء) القصـر وقبـل أن يُوبخـها أبوهـا عانقته وبدأت تبكي. نظر السيد الكبير بتعجب لـ(حليمة) التي كانت تقف خلفها وقال:" ما الأمر؟.. ما الذي حدث؟" (حليمة) وهي تشير للسيد الكبير بتأجيل السؤال لاحقاً. عانق السيد الكبير (هياء) وهو يواسيها ويقول:" لا تقلقي يا ابنتي، مهما حدث فستكون الأمور بخير... " بعــد ذلــك الــيوم، وبعــد معرفــة الســيد الكبــير ســبب حزن ابنتــه، أمــر بنقــل (أمــين) لأكبــر مســتشفى فــي المــدينة بــالرغم مــن أنــه كــان ســينقله لمســتشفى متخصـص فـي الخارج، لكن (هياء) أخبرته بأنها ستذهب حيث سيذهب، لذلك قرر إبقاءه في المدينة نفسها، خاصة أن جميع الأطباء الذين استدعاهم للكشف عليه اتفقوا على أنه لن يفيق من غيبوبته، وأنه سيقضي بقية حياته بتلك الحالة. مرت خمس سنوات منذ أن سقط (أمين) في غيبوبته، وخلالها بلغت (هياء) الثامنة عشرة من عمرها، وكانت تزوره بشكل شبه يومي في غرفته الخاصة في ذلك المستشفى الفخم الذي نُقل إليه. كانت في كل زيارة تتحدث معه وتقرأ له وكأنه ينصت إليها. رافقتها (حليمة) في بعض زياراتها، ورافقها السيد الكبير عدة مرات أيضا. وفي إحدى زيارات (هياء) لـ(أمين) وحدها، دار حوار بين (حليمة) والسيد الكبير في القصر (السيد الكبير) وهو يدخن غليونه:" هل ستبقى (هياء) بهذه الحالة؟ " (حليمة):" لا نستطيع منعها يا سيدي فأنت ترى كيف أنها متعلقة به. " (السيد الكبير):" أنا متعجب من قدرتها على التفوق في دراستها، وهي تقضي معظم يومها في المستشفى. " (حليمة):" أقدر قلقك يا سيدي، لكن أرى أن الوقت الحالي ليس مناسباً كي نتدخل. " (السيد الكبير) وهو ينفخ سحابة من الدخان:" لن يطول الأمر. " (حليمة) بقلق:" ماذا تقصد يا سيدي؟ " (السيد الكبير): سوف تنتهي (هياء) من دراستها الثانوية خلال أسابيع، وحالما يحدث ذلك سوف أرسلها كي تُكمل دراستها بالخارج، وبذلك سوف تنسى كل شيء يربطها بهذه المدينة، وقد ألحق بها لاحقاً بعد تصفية جزء من أعمالي هنا. " (حليمة):" هل تنوي الهجرة يا سيدي؟ " (السيد الكبير):" لم أعُدْ أطيق البقاء هنا... سوف أدير أعمالي من هناك، وسأربي (هياء) بعيدا عن هذه الأجواء الكئيبة. " تستمر القصة أدناه (حليمة):" ماذا عن السيد (أمين)؟ " (السيد الكبير) وهو يضع بعض التبغ في غليونه:" لا تقلقي، لن أتوقف عن الصرف على تكاليف علاجه حتى بعد سفرنا. " (حليمة) وهي تنزل رأسها:" هل لي بسؤال يا سيدي؟ " (السيد الكبير) وهو يشعل عود ثقاب:" ماذا يا (حليمة)؟ " (حليمة):" لِم انتقلنا لهذا الحي؟... لقد كنا سعيدين في الحي السابق. " (السيد الكبير) وهو يزفر بعض الدخان:" كنت أظن أني أستطيع تصحيح أخطائي في الماضي، لكن يبدو أن الفرصة لن تتاح لي مرة أخرى. " (حليمة):" لم أفهم قصدك يا سيدي. " (السيد الكبير):" لا يهم الآن. المهم هو ألا تخبري (هياء) بما دار بيننا. " (حليمة):" أمرك يا سيدي." فــي تلــك الأثنــاء كــانت (هيــاء) قــد وصــلت للتــو إلــى المســتشفى، وتحــديدا عنــد بــاب غرفــة (أمــين) وطرقتــه وهــي تبتســم، ثــم دخلــت وهــي تحمـل كتـابا وبعـض الزهـور. استبدلت الزهور التي أحضرتها أمس بأخرى جديدة، ثم جلست بجانب السرير وهي تقول بسعادة:" لقد أحضرت كتاباً جديدا اليوم! " منذ أن دخل (أمين) في غيبوبته لم تقرأ (هياء) أي كتاب من كتبه، لكنها بدأت تجرب قراءة كتب أخرى من مكتبات المدينة ووجدت في بعضها متعة. (هياء) وهي تتصفح الكتاب الذي أحضرته معها:" تعرف يا (أمين) لم أكن أعلم أن بعض الكتب الموجودة في المكتبات يمكن أن تكون ممتعة. " (أمين)... (هياء) وهي تضحك وتتمعن بإحدى صفحات الكتاب:" بالطبع، لا أحد منها يقارن بكتبك. " (أمين)... (هيــاء) ووجــهها يتحــول للــحزن وهــي تحــدق بطــرف صــفحة مــن صـفحات الكتـاب:" لكنـي أقسـمت ألا أقـرأ أيـا منـها حتـى تفـيق... ولا تقلـق، لقـد أغلقـت بـاب السـرداب جيدا، وعينت حراساً على المنزل حتى تعود إليه سالماً ." (أمين)... (هياء) وهي تبتسم مرة أخرى، وتشد على دفتي الكتاب بين يديها:" كتاب اليوم أخذته من المكتبة وأنا قادمة إلى هنا... عنوانه شدني... آمل أن يكون شائقاً كعنوانه. " بعد نصف ساعة من القراءة بصوت جهوري، توقفت (هياء) وأغلقت الكتاب، ولفته ونظرت لعنوانه وقالت:" كيف يجد كاتب الجرأة على نشر مثل هذا الكلام... ألا يخجل من وضع اسمه على هذا الهراء؟ " (أمين) وهو مغمض العينين:" أخبرتك سابقاً أنه لا يوجد كتاب سيئ... " رمت (هياء) الكتاب من يدها عندما سمعت صوت (أمين)، وبدأت تهزه بقوة وهي تصرخ وتدمع:" (أمين)!... هل أنا أحلم؟! " (أمين) وهو يفتح عينيه مبتسماً:" توقفي عن هزي بهذا الشكل! " (هياء) ترفع يديها بسرعة وتغطي فمها وتدمع وتقول بتوتر وهي ترجف:" أنا لا أحلم... أليس كذلك؟! " (أمين) وهو يبتسم:" لا أظن. " اندفعت (هياء) نحو (أمين) وعانقته بقوة، وبدأت تبكي بنحيب قوي... (أمين) وهو يبتسم ويطبطب بكفه على ظهرها:" لقد كبرت كثيرا... كم كنت غائباً عن الوعي؟ " (هياء) وهي لا تزال تعانق (أمين) وتبكي كالأطفال:" كثيرا أيها الأحمق! " (أمين) وهو يضحك:" أعتذر إذا. " فكت (هياء) عناق (أمين) وقالت له بتوتر:" اِبق هنا ولا تتحرك، سوف أستدعي الطبيب!" (أمين) مبتسما ومراقباً (هياء) وهي تخرج من الغرفة جرياً:" لا تقلقي، لن أذهب إلى أي مكان."