13 - " العورة التي سترتنا "
قبل أن تصل يد والد (هياء) للكتاب الذي كان بيدها رمت به في المدفأة التي كانت تشتعل بجانبهما، فوقف الأب يشتعل غضباً كالنار التي كانت تلتهم صفحات الكتاب وقال بغضب:" متى تنوين التصرف كفتاة مهذبة؟!... هل تريدين أن ينتهي بك المطاف كأمك؟! "
(هياء) بعصبية: "أمي؟!... هل أصبحت الآن تعايرني بأمي؟!"
(الأب) بصوت مرتفع: "أنت!... أمك!... كل النساء!... لا تختلفن بعضكن عن بعض!... كلكن تنتظرن الفرصة للانفلات! "
(هياء) بعصبية وهي تدمع: "هل هذا ما تظنه بي يا أبي؟! "
(الأب) بتجهم وغضب:" لن تذهبي لذلك العجوز مرة أخرى، وستبقين حبيسة هذا المنزل ما حييت! "
(هياء) بلا اكتراث: "يمكنك أن تحبس جسدي، لكن روحي ستبقى طليقة..."
رفع الأب يده في نية للطم ابنته، لكنه عندما رأى في عينيها إصرارا لم يَرهُ من قبل أنزل يده وقال بهدوء:" أنت فتاة ويجب أن تتصرفي كذلك ."
(هياء) بعصبية وسخرية: "وكيف يجب أن تتصرف الفتاة يا أبي؟!... أخبرني!... لقد حرمتَني أمي منذ صغري ولم أجد أحدا يرشدني كي أكون فتاة مهذبة وصالحة لأعجبك! "
(الأب) بهدوء:" أنا لم أقصد ذلك. "
(هياء) بصوت مرتفع:" وإن كنت قصدتها!.. جرحك قديم وأنت تفتحه في كل مرة يحاول فيها الالتئام! "
(الأب) بهدوء وهو ينظر للأرض: "عُودي إلى غرفتك. "
(هياء) بغضب وهي تتوجه لباب القصر: "سوف أذهب لمن تذكر يوم ميلادي، وليس لمن يذكرني بأني ناقصة ولا قيمة لي! "
(الأب) وهو يصرخ: "عودي إلى هنا! "
خرجت (هياء) ولم تكترث لنداء أبيها وأغلقت باب القصر خلفها بقوة...
لم يلحق الأب بها ولم يوجه أحدا من الحراس بتعقبها، بل جلس على أريكته وعبأ غليونه بالتبغ وأشعله وبدأ يدخن بهدوء غريب.
(حليمة) من على مقربة من السيد الكبير: "هل تريد مني اللحاق بها يا سيدي؟ "
(الأب) وهو يحدق بالأفق:" لا.. اتركيها وشأنها الآن. "
لم تذرف (هياء) دمعة واحدة بعد خروجها من المنزل حتى وصولها لعتبة باب منزل (أمين)، الذي طرقته بهدوء. وبمجرد أن فتح لها الباب بدأت بالبكاء كطفلة، فما كان منه إلا أن ابتسم وعانقها وهو يقول: "لا أظن أن بكاءك هذا بسبب الكتاب."
(هياء) وهي تبكي ورأسها على صدر (أمين):" لا! "
(أمين) وهو يضحك ويطبطب على ظهرها: "هيا لندخل لتحكي لي عما حدث."
STORY CONTINUES BELOW
دخل الاثنان المنزل، وبعدما سكب (أمين) كما اعتاد كوباً من القهوة لـ(هياء) استمع لكل ما كان يفيض من قلبها من سخط على أبيها مما قاله لها، وأضافت أنه كان دائماً يعاملها بقسوة لأنه كان يريد ولدا وأنه يرى أن كونها بنتا فهذا الأمر ينتقص منها ولا يؤهلها لتحمل مسؤولية أملاكه وشركاته، وأخبرته أيضا بأنها اضطرت لرمي الكتاب في المدفأة كي لا يقرأه أبوها.
(أمين) وهو يأخذ رشفة من قهوته: "وماذا تظنين أنت؟ "
(هياء) وهي تمسح دموعها: "ماذا أظن في ماذا؟ "
(أمين): "هل تعتقدين أنك ناقصة بالفعل... أقصد عن الرجال... أو الذكور كي أكون أدق. "
(هياء) بحماس وتجهم:" بالطبع لا!... النساء متساويات تماما مع الرجال! "
(أمين): "هل تؤمنين حقاً بهذا الكلام؟ "
(هياء):" بالطبع يا (أمين)، وإلا فما قلت ذلك."
(أمين): "إذا، فأنت حمقاء."
(هياء) بتعجب:" ماذا؟... حمقاء؟!... هل تعتقد أن الرجال أفضل من النساء؟"
(أمين) ينهض ويهز رأسه بخيبة أمل ويتوجه لباب السرداب:" اِتبعيني"
(هياء) وهي تلحق به مبتهجة:" هل سأقرأ كتاباً جديدا "
(أمين) وهو ينزل من سلالم السرداب المظلم:" اسبقيني وأشعلي الشموع. "
نزلت (هياء) في السرداب المظلم على عجالة و(أمين) من خلفها يقول:" احترسي كي لا تقعي! "
أشــعلت (هيــاء) الشــموع وجلســت علــى الكنبــة الجلــدية وعلــى وجــهها ابتسـامة عريضـة وهـي تـؤرجح سـاقيها للأمـام والخلـف، وعنـدما رآهـا (أمـين) بعـد نزولـه بتلـك الحالة قال: لِم كل هذه السعادة؟! "
(هياء) وهي مبتهجة: "لأني سأقرأ كتاباً جديدا "
(أمين) وهو يبحث بنظره بين الرفوف:" كيف وجدت كتاب 'عبير البرتقال'. "
تغير وجه (هياء) وأنزلت رأسها وقالت: "أخبرتك قبل قليل أنني اضطررت لرميه في النار كي لا يقرأه أبي بعدما قرأته. "
(أمين) وهو يمد يده ويسحب كتاباً من أحد الرفوف: "قيمة الكتاب بمحتواه وليس بأوراقه... "
(هياء): "ألست غاضباً مني لأني لم أحافظ على الكتاب؟"
(أمين) وهو يضع كتاباً على الطاولة أمامها:" أنا لا أغضب."
(هياء) وهي تتجاهل الكتاب:" كل إنسان يغضب."
(أمــين):" الغضــب هــو أقصــر طــريق للقبــر... وقتــي أثمــن بكثــير مــن أن أغضــب علــى أي شــيء... مـن المفتـرض أنـك أدركـت ذلـك بعـد الكتـب التـي قرأتـها ورؤيتـك لكـل تلـك الحيَوات."
تستمر القصة أدناه
(هياء) وهي تنظر لعنوان الكتاب الذي وُضع أمامها: " 'العورة التي سترتنا'.. هل هذا كتاب يناسب عمري؟"
(أمين) وهو يضحك بقوة ويهم بالتوجه نحو السلم المؤدي للطابق العلوي: "عندما تنتهين منه أعيديه للرف..."
(هياء) وهي ترفع الكتاب وتحدق بعنوانه الغريب: "حسناً ."
فتحت الكتاب ليضيء في وجهها وهج نور قوي غطاها بالكامل... فتحــت عينيــها لتجــد نفســها فــي قاعــة كبـيرة تجلـس بـين جمـهور غفـير مـن النسـاء مـن أعمـار مختلفـة، ولـم يكـن بينـهن رجـل واحـد. كـانت القاعـة مكتظـة والأحـاديث الجانبية بين الجالسات تُحدث طنيناً كطنين النحل. وقد رأت نفسها فتاة في العشرينيات من عمرها بقيت تراقب المكان وتستوعب ما يدور حولها حتى تحدثت فتاة كانت بجانبها وقالت: "هل هذه أول مرة تحضرين محاضرة لـ(الرؤوم)؟ "
(هياء):" لماذا؟ "
(الفتاة) وهي تبتسم: "القائدة الكبيرة لنا... لا أحد يعرف اسمها، لكنها تُكنى بـ(الرؤوم) "
(هياء) وهي تنظر حولها: "هل نحن جيش؟"
(الفتاة) وهي تضحك: "لا، لكن إذا كانت الحرب ضد الرجال فربما."
(هياء) وهي تلتفت إلى الفتاة: "ماذا تقصدين؟ "
انقطــع حــديثهما عنــدما بــدأت أصــوات طــرق قويــة تعــم المكــان أسـكتت كـل الحاضـرات اللاتـي وجـهن انتباهـهن وأنظـارهن للمسـرح أمامـهن، والـذي خـرجت مـن بابـه الخلفي امرأة في منتصف الأربعين من عمرها تقريبا، واعتلت المنصة وبدأت تجول بنظرها بين الحاضرين بصمت وعلى وجهها تبدو صرامة وحدة، ثم قالت بصوت مرتفع مسموع للجميع من خلال ميكرفون أمامها عززته السماعات المنتشرة في أرجاء القاعة: " يوم آخر بلا رجال! "
(الحضور) يهتفن بصوت واحد عدا (هياء): "بلا هم! "
(الرؤوم) بصوت مرتفع: "وبلا غباء!"
(الحضور) بصوت واحد عدا (هياء) التي التفتت باستغراب خلفها لتشاهد المتحمسات وهن يرددن: "وبلا قمع! "
(الرؤوم):" شكرا لحضوركن... محاضرتنا اليوم ستكون عن موضوع لا يقل أهمية عما قلناه سابقاً، وهو عن تاريخنا كبنات حواء على هذه الأرض!... أين المخترعات عبر التاريخ؟... أين المكتشفات ؟... أين إنجاز نصف سكان هذا الكوكب؟... هل يُعقل أن كل إنجاز غيّر مسار البشرية كان بيد رجل فقط؟!... هل يعقل أن المرأة وقفت أسهم في نهضة الإنسان؟! متفرجة منذ بدء الخليقة حتى يومنا هذا ولم تقدم شيئاً ."
(هياء) وهي تهمس في أذن الفتاة التي تحدثت معها سابقاً : "لِم تصرخ هكذا؟"
وضعت الفتاة سبابتها على شفتيها وعينها لا تزال منصبة على المنصة وهي تقول لـ(هياء): "الحديث ممنوع خلال المحاضرة. "
تستمر القصة أدناه
(الــــرؤوم) وهــــي تســــتأنف كلامــها: "الإجابــة المنطقيــة هــي بــالطبع لا... وألــف لا!،... لكــن أيــن إنجازاتــها؟... أيــن إنجــازات حــواء وبناتــها؟!... ومــن المســؤول عــن إخفــاء هــذه الإنجازات وقمع صاحباتها؟!... لا يوجد رجل لم يستفد من امرأة بشكل أو بآخر!... أو بالأحرى لا يوجد اختراع غير مجرى التاريخ إلا وكان للمرأة يدٌ فيه، تدون تحت اسم "مجهول" فقط، لأن من خلفها غالباً كان امرأة! لكننا لم ولن نسمع ذلك لأنها كانت وكأن الأمر جريمة لأن الفاعل هنا من منطقهم الضيق والعقيم لا يمكنه أن يقترفها لعجزه التام!... هل تعرفون لماذا؟... لأن َمن كتب تلك الكلمة "مجهول" ودوّن أحداث التاريخ منذ بدايته حتى يومنا هذا كان رجلا… "
لثوان.. أنزلت (الرؤوم) نظرها لورقة كانت أمامها وبدأت تمعن النظر فيها (هياء) تشير للفتاة عما إذا كان بإمكانها الحديث الآن، لكن الفتاة أشارت لها بالصمت والتركيز مع المحاضرة...
رفعت (الرؤوم) رأسها وقالت بصوت مرتفع: "حقيقة يتجاهلها البعض وينكرها الكثير، وهي أن أغلب النساء متيقنات من أن الرجل لا يملك قدرة عقلية أو فكرية تفوقهن، بل على الأرجح أنهن متقدمات عليه بمراحل، لكن تجدن أن أغلب هؤلاء النسوة لا ينكرن على الرجل انتقاصه لهن ولعقولهن كلما سنحت له الفرصة... لماذا؟... هل لأنهن مدركات لذلك فاكتفين بذلك الإدراك؟... أم لأنهن بلغن من التفوق العقلي الذي يمنعهن من التعامل مع فئة أدنى منهن عقلياً مثلما يتعامل أحدا يبرر قوته لطفل يدعي الشخص مع طفل يصر على أنه أقوى منه؟... لن تجدن عكس ذلك إلا في بعض الحالات التي يكون فيها معيار الذكاء للمتحدث أدنى من المعتاد.
أغلب الرجال ينجذبون للمظهر والقشور الخارجية للوهلة الأولى، وهذا أكبر دليل ومؤشر صارخ للسطحية التي يعيشونها حسب تفسير جميع كتب علم النفس والاجتماع، على عكس المرأة التي تنجذب للجوهر في معظم الأمور التي تواجهها، وهذه الحقيقة وحدها كافية كدليل على عمق تفكير جنسنا ومدى تفوقه العقلي بالمقارنة مع نصفه الآخر، لكن العالم الذكوري اختار مصطلح "الحس الأنثوي" ليصف هذا التفوق العقلي ليلطف الحقيقة ويستر عورته! "
(هياء) وهي تراقب حماس (الرؤوم) في خطابها وتقول في نفسها: "من هذه المرأة الحديدية؟"
(الرؤوم) وهي تفتح علبة جلدية وتُخرج منها نظارة طبية صغيرة وتلبسها وتنظر للورقة التي كانت معها وتستأنف حديثها:" وأن ما يملكونه من أكثر الرجال يرون أنفسهم محظوظين لأنهم وُلدوا ذكورا قدرات عقلية وجسدية تخولهم الهيمنة على مقدرات الأرض بمن فيها نساؤها! وفي المقابل لا تفكر النساء بهذه العقلية الانتهازية...
حتى القدرات الجسدية بنظرة بسيطة للمخاض والولادة تعطينا مؤشرا جلياً وواضحاً لما يمكن للمرأة أن تتحمله من ألم وإرهاق، لكنها غالباً تختار الصمت وعدم مجادلة الرجل في وهمه...
وأكرر السؤال مرة أخرى... لماذا؟!
لمــاذا نبقــى نحــن تلــك المخلوقــات المتفوقـة عقليـًا وحسـيا وفـي نظـري جسـدياً أيضـًا صـامتات أمـام الـهيمنة الـذكورية؟ هـل هـو ضـعف؟!... لا أعتقـد… هـل هـو خـوف؟!.. لا أظن… ما السبب إذا؟! "
تستمر القصة أدناه
صمت الجميع، لكن (هياء) تحمست ورفعت يدها ظناً منها أن السؤال حقيقي وليس مجازياً، فأسرعت الفتاة وأنزلت يدها قبل أن تنتبه (الرؤوم) لها.
(الرؤوم) وهي تخلع نظارتها وتطوي الورقة التي معها: "لنأخذ استراحة بسيطة."
وقف الحضور وبدأ بالتصفيق بحرارة بينما كانت (الرؤوم) تسير مبتعدة عن المنصة... وقفــــت (هيــــاء) تــــراقب حمــــاس التصــــفيق وهــــي مندهشــــة، وتــــدريجياً بــدأت تخلــو المــدرجات مــن الحاضــرات، فســألت الفتــاة التــي كــانت واقفــة بجانبــها: "هــل انتــهت المحاضرة؟ "
(الفتاة): "لا... هذه مجرد استراحة."
(هياء) وهي تراقب النساء وهن يخرجن من باب كبير في آخر القاعة: "لكنهن يَرحلن ."
(الفتاة):" إنهن ذاهبات للمقهى... هل ترغبين في تناول كوب من الشاي معي؟ "
(هياء): "هل لديكم قهوة؟"
(الفتاة) وهي تبتسم:" بالطبع."
(هياء) وهي تضع يدها على رأسها: "أظن أني أحتاج واحدا "
خرجت الاثنتان من القاعة الكبيرة ودخلتا في مكان واسع انتشرت فيه الطاولات الصغيرة، ويتوسط ذلك المكان مقهى يقدم المأكولات الخفيفة والمشروبات الساخنة والباردة.
أجلست الفتاة (هياء) وقالت:" سوف أذهب لأحضر لنا كوبين من القهوة... ما سكرك؟ "
(هياء) وهي تتمعن في الجالسات المنشغلات بأحاديث ونقاشات جانبية محمومة مع بعضهن بعضا:" كما تشائين. "
توجهت الفتاة للمقهى و(هياء) لا تزال تجول بنظرها في المكان حتى وقعت عيناها على المرأة التي كانت تلقي المحاضرة، وكانت تجلس وحدها تقرأ كتاباً وتحتسي كوباً مجهول المحتوى.
حدقت (هياء) بها مطولاً حتى كُسر تحديقها بها عندما رفعت (الرؤوم) رأسها ونظرت لـ(هياء) مباشرة وكأنها أحست بمراقبتها لها.
بدأت (هياء) تلتفت يمينا وشمالا في حالة من الارتباك، وعندما حاولت اختلاس النظر مرة أخرى نحو (الرؤوم) رأت أنها عادت لقراءة كتابها كما كانت.
رجعت الفتاة بكوبين من القهوة ووضعت أحدهما أمام (هياء) وهي تقول: "أتمنى أن يعجبك."
(هياء) وهي ترفع الكوب وتأخذ رشفة منه وعينها مسلطة على (الرؤوم): "ما حكاية تلك المرأة؟ "
(الفتاة) وهي تجلس أمامها: "أي امرأة"
(هياء) وهي تضع الكوب على الطاولة وتنظر للفتاة مباشرة: "المرأة التي كانت تلقي المحاضرة. "
تستمر القصة أدناه
(الفتاة) وهي تبتسم: "تقصدين السيدة (الرؤوم)؟ "
(هياء):" نعم.. ما حكايتها؟"
(الفتاة): "لا حكاية لها."
(هياء): "حماسها غريب. "
(الفتاة): "هذا يسمى إخلاصا."
(هياء): "إخلاصا؟ لماذا؟ "
(الفتاة): "هذا إخلاص للقضية"
(هياء): أي قضية؟
(الفتاة): قضية المرأة.
(هياء): وما قضية المرأة؟
(الفتاة) بتعجب:" ماذا تقصدين بهذا السؤال؟ "
(هياء): "هل السؤال غامض لهذا الحد؟ "
(الفتاة) وهي تأخذ رشفة من قهوتها:" لا، ولكن..."
(هياء) وهي توجه نظرها لـ(الرؤوم): "هل هي ناشطة نسوية؟ "
(الفتاة): "كلنا هنا نؤمن بما تؤمن به بغض النظر عن المسمى."
(هياء) وهي تعيد نظرها نحو الفتاة وترفع كوب القهوة وتقربه من شفتيها: "ألا تعتقدين أنها مزيفة؟ "
(الفتاة): "ماذا تقصدين بمزيفة؟ "
(هياء) وهي تضع الكوب على الطاولة: "أقصد أنها لا تؤمن بالكثير مما تقوله، وأن الأمر مجرد مسرحية. "
(الفتاه) بتعجب:" وما الذي يدفعك لمثل هذا الاعتقاد؟ "
(هياء): "هو إحساس لا أكثر، لكني أنوي التأكد منه. "
(الفتاة) بقلق: "وكيف تنوين القيام بذلك؟ "
(هياء): "بالحديث معها مباشرة. "
(الفتاة) مبتسمة: "هذه فرصتك الآن. "
(هياء): "فرصتي لماذا؟ "
(الفتاة): "للسؤال.. ألم ترفعي يدك سابقاً في المحاضرة ؟... (الرؤوم) وحدها الآن."
(هياء):" في المحاضرة لم أكن أريد سؤالها فقط، كنت أريد أن أعترض على نقطة في كلامها أيضا. "
(الفتاة): "يمكنك ذلك فـ(الرؤوم) تتقبل الرأي الآخر برحابة صدر. "
(هياء) وهي توجه نظرها نحو (الرؤوم): "لا يبدو أنها ممن يقبلن سماع صوت غير صوتها."
(الفتاة):" جربي.. لن تخسري شيئاً "
(هياء) وهي تقف وتسير تجاه طاولة (الرؤوم): "سنرى."
تستمر القصة أدناه
(الفتاة) وهي تلحق بـ(هياء) بقلق: " لكن حاولي ألا تستفزيها. "
(هياء) وهي تصل إلى طاولة (الرؤوم):" وما الغرض من السؤال إذا؟ "
رفعت (الرؤوم) رأسها ونظرت لـ(هياء) وهي تقف أمامها مبتسمة...
(هياء): "هل يمكنني أن أسألك سؤالاً أستاذة (الرؤوم)؟ "
(الرؤوم) وهي تعيد نظرها لصفحات الكتاب الذي بين يديها:" يمكن توجيه سؤالك خلال المحاضرة. "
(هياء): "قد لا تتاح لي الفرصة؛ لذلك أريد أن أسألك الآن. "
(الفتاة) بتوتر:" لنذهب الآن ولنترك الأستاذة براحتها."
(هياء):" أنا لست خائفة منها مثلكم. "
(الرؤوم) ترفع نظرها وتحدق بـ(هياء) بصمت...
(هياء) وهي تبتسم: " هل ستجيبينني عن سؤالي؟ "
(الــرؤوم) تُخــرج زهـرة بنفسـجية مـن حقيبتـها وتضـعها فـي وسـط الكتـاب وتغلقـه ثـم تقـول بعـدما رفعـت كـوب قـهوتها لتأخـذ رشـفة منـه:" كـيف أجـيب عـن سـؤال لـم أسمعه بعد؟ "
(هياء) سارحة في طرف الزهرة البنفسجية المطل من صفحات الكتاب المغلق...
(الفتاة) تهز كتف (هياء) وتقول: " هيا اسألي! "
(هياء) وسرحانها ينقطع:" سؤالي..."
(الرؤوم) وهي تضع الكوب على الطاولة: " هل ستضيعين الكثير من الوقت؟ "
في تلك الأثناء بدأت الحاضرات بالتجمع حول طاولة (الرؤوم) يراقبن ما يحدث باهتمام، لأنه لا امرأة في العادة تجرؤ على الحديث معها خلال فترات الاستراحة، وكسر (هياء) لذلك العرف كان لافتاً للانتباه.
(هياء) وقد بدأت بالتوتر عندما لاحظت أعين الناس من حولها وهي تراقبها: "أنت جيدة بالكلام، لكن هل أنت جيدة بالحوار مع من لا يتفق معك؟ لِم لا تجربين؟ "
نظرت (الرؤوم) لـ(هياء) باستخفاف ثم قالت: " هل هذا هو سؤالك؟..."
(هياء) بتوتر: " ماذا تقصدين؟ "
(الرؤوم) بصوت مسموع لمن حولها:" لنَر قدرة هذه الفتاة في محاورتي..."
(هياء) وهي تجلس أمام (الرؤوم) وتقول بهدوء: "أنت تعتمدين على إثارة الجماهير كي يبدو كلامك منطقياً وذا معنى، لكن الحقيقة هي أن كلامك في أغلبه خاو ٍ "
(الرؤوم) تبتسم وتقول: "هل لديك كلام آخر؟ "
(هياء): " نعم لدي سؤال. "
تستمر القصة أدناه
(الرؤوم) مبتسمة بسخرية: " تفضلي. "
(هياء):" هل أنت أم؟ "
(الــرؤوم): " الأمومــة شــعور لا مثيــل لــه، ولــم ولــن يحــس بــه أي رجــل! ولا يحــق لأي رجــل أن يصــف أو يحــاول وصــفه؛ فــهو شــرف وتشــريف للأنثــى التــي أوكلــت لــها مسؤولية رعاية كل نفس عند دخولها لهذه الدنيا حتى تستطيع الاعتماد على نفسها أو يستطيع الاعتماد على نفسه، وفي المقابل ومن منطلق الحسد والغيرة لهذا الشرف ابتدع الرجل مصطلح "الأبوة" فقط كي يجاريها وينافسها في ذلك الشرف. "
(هياء) وهي تبتسم بتهكم:" ما هذه الإجابة النموذجية المنمقة؟... شعرت وكأني أتحدث مع آلة وليس إنسانا يحمل مشاعر... ثم ما دخل الرجل في الموضوع؟... لِم تقحمينه في كل كلامك؟ "
(الــرؤوم) بتجــهم:" 'الأبــوة' التــي تُذكـر صـفاً بصـف مـع الأمومـة لا تعـادل عُشـر مـا تشـكله الأمومـة مـن تضـحيات وسـمو فـي المشـاعر والحـب غـير المشـروط فلـيس مـن المستغرب أن يهجر الأب أطفاله سواء كان حيواناً أم بشرا، لكنه من الغرائب النادرة أن تجد أما تهجر أطفالها لأغراض دنيوية! "
(هياء) وهي تضحك:" هل أنت جادة؟!... ألا تستطيعين الحديث دون إقحام حياتك الشخصية في الموضوع؟ "
(الرؤوم) بتجهم:" حياتي الشخصية؟! "
(هياء): "نعم، فمن الواضح أن حديثك كله نابع من معاناة شخصية عانيت منها أنت وليس معاناة كل النساء... أنت إنسانة مكسورة أو صاحبة تجربة سيئة مع رجل، وربما لعدم قدرتك على الاقتصاص منه قررت الأخذ بثأرك من كل الرجال."
(الرؤوم) وهي تضرب براحة يدها بقوة على سطح الطاولة: " كلام فارغ! "
(هياء) بابتسامة خبيثة: "هل تتمنين أن تكوني رجلاً؟ "
(الرؤوم) بغضب ونبرة صوت ساخطة ومرتفعة قليلا: "ماذا؟!.. أنا لست حمقاء كي أتمنى ذلك! قد تقع بعض النساء ضحايا لهذه الفكرة الغبية لاقتناعهن بأنهن أقل شأناً من الذكور حولهن، وذلك من باب الارتقاء، غير مدركات أنه لو حدث فعلاً فسيكون ذلك تطورا للأسفل!... فكرياً وعقلياً وعاطفياً على أقل تقدير.المرأة تتعــــامل غــــالبا مــــع الرجــــل كــــالطفل لــــيس غبـــاء منــها، لكــن تفــهماً لســطحيته، فــهي وبســبب تطورهــا العقلــي مزودة بقــدرات علــى التعــامل مــع التقلبــات المزاجيــة والقرارات الارتجالية التي يتخذها الرجل بحقها وبحق نفسه كل يوم... لذا كانت هي الطرف المتنازل معظم الوقت، وقد فسر الرجال بسطحية تفكيرهم هذا الرقي الفكري على أنه ضعف وهوان، واختارت المرأة بسبب تفوقها العقلي على الرجل ألا تفسر له الحقيقة لأنه لن يفهمها حتى وإن فعلت!"
تستمر القصة أدناه
(هياء) بتجهم: " لِم أنت غاضبة هكذا؟ "
(الرؤوم) : "أنا لست غاضبة!"
(هياء): "تحملين في صدرك هماً كبيرا يؤججك كلما تحدثت. "
(الرؤوم) وهي تعتدل في جلستها وتدفع نظارتها بسبابتها للوراء محدقة بـ(هياء) قائلة:" هل انتهينا؟ "
(هياء): "لا أعرف.. هل يمكنك احتمال المزيد؟"
(الرؤوم) بوجه ساخط:" احتمال المزيد؟!.. عن ماذا تتحدثين؟! "
(هياء):" من الواضح أنك تعانين في كل مرة تجيبين فيها عن سؤال من أسئلتي."
(الرؤوم) تضحك بسخرية:" لا تعطي نفسك أكبر من حجمك! من الواضح أنك من النسوة اللاتي يريْن أنهن أقل من الرجل، لذلك لا أستغرب طريقتك المهزومة في الكلام! "
(هياء) وهي تسند ظهرها للكرسي:" أكمل إذا؟ "
(الرؤوم): " لدي محاضرة أريد إكمالها لذا لا تطيلي بالأسئلة. "
(هياء):" لا تقلقي لقد حصلت على الإجابة التي أريد، لكن بقي سؤالان فقط."
(الرؤوم):" قوليهما كي ننتهي. "
(هياء):" من يجيد اختيار شريك حياته أكثر.. الرجل أم المرأة؟ "
(الرؤوم) بتهكم: "الرجل بكل سذاجة يمكن أن ينجذب لأي امرأة ذات مظهر خارجي لافت لأن عقله السطحي يكتفي بالقشور الخارجية ويمكن أن يقرر الزواج بها دون أن يتحدث معها مرة واحدة فقط، لكونها تحمل صفات جسدية راقت له، لكن المرأة السوية لا تفعل ذلك بتاتا، بل تأخذ وقتها حتى تشعر بالحب تجاه أي رجــــل ومــــدة أطــــول كــــي تتخــذ قــرارا مصيريا كــالزواج... لكــن بــالطبع وللأســف هنــاك اســتثناءات فبعــض النســاء مســخن لــيفكرن كــالرجال وينجــذبن مثلــهم للمظــهر الخارجي فقط، وهن في الأغلب من ترينهم يَنُحن بسبب الهجر أو الخيانة، وأعتقد أنك واحدة منهن! "
(هياء): "وهل بكيت ونحبت عندما هجرك زوجك؟ "
(الرؤوم) بنظرة متفاجئة وعينين اتسعتا دهشة:" ماذا؟.. زوجي؟ "
(هياء):" نعم.. زوجك الذي هجرك وحولك للمسخ الذي أنت عليه الآن. "
(الرؤوم) وهي تبتسم بسخرية:" وهل هذا هو الاستنباط الذي خرج به عقلك الصغير؟ "
(هياء):" كلامك كله يصب في المجرى نفسه، ومن السهل أن أرى أن حنقك وحقدك على الرجال عامة لم ينبعا إلا من تجربة شخصية مريرة، وتحاولين جر هؤلاء النسوة معك للهاوية لأنك لا تريدين السقوط وحدك، فالرجال ليسوا دائماً أساس مشاكل المرأة، وإن كانوا كذلك فالحل لا يكون بالصدام وشن حرب عليهم."
(الرؤوم):" وهل كل من يطالب بحقوقه يصبح ضحية أو يغرر بغيره؟ "
(هياء):" بالطبع لا.. لكن في حالتك نعم. "
(الرؤوم) وهي تقف وتحمل الكتاب الذي كان معها:" أنت اخترت الوهم وقررت العيش فيه... هذا من حقك، لكن لا تحاولي أن تمنعينا من السعي وراء حقوقنا."
(هياء) وهي تقف وتقول بصرامة: لا أحد يعيش الوهم سواك!.. معظم النساء هنا لا يتفقن معك! "
(الرؤوم):" أنت تتكلمين جزافاً وتعممين حسب أهوائك، لكني لست مثلك وسوف أثبت لك ذلك؟ "
(هياء) بسخرية:" هل ستُغرقينني بخطبة من خطبك المنمقة؟ "
(الرؤوم) بصوت مرتفع ُموجه لمن تجمعن حولهما:" من تتفق مع هذه الفتاة في كلامها فلتبقَ هنا، ومن ترغب في إكمال المحاضرة فلتتبعني! "
مشت (الرؤوم) بخطوات واثقة وثابتة نحو باب القاعة الكبير وسار خلفها كل ، النساء الموجودات في المقهى عدا الفتاة التي كانت تجلس مع (هياء) سابقاً والتي وقفت أمامها بابتسامة يخالطها الحزن وقالت:" أنا أتفق معك، لكني لا أستطيع التخلي عن المجموعة. "
(هياء) بسخرية:" ستسيرين مع القطيع إذا؟! "
(الفتاة) بابتسامة حزينة:" وما العيب في ذلك؟ "
(هياء) بغضب:" ستكونين مسلوبة الرأي ولا يمكنك التحكم بحياتك! "
(الفتاة):" أن تكوني جزءا من منظومة تحت لواء قائد مستنير شرف وغنيمة لا تتاح للجميع. "
(هياء) بسخرية:" تتحدثين وكأنك جندي في كتيبة عسكرية وأنت لست سوى شاة في قطيع كبير من النعاج. "
(الفتاة) وهي تسير مبتعدة عن (هياء):" وأنت ذئبة تبحث عن فريسة لذا يجب أن أعود لقطيعي قبل أن تفترسيني بأفكارك الملوثة. "
بقيت (هياء) تراقب بعجب الفتاة وهي تسير عائدة للقاعة حتى دخلت وأغلقت بابها الكبير خلفها، ليخرج بعدها وميض قوي من أسفله غطى بنوره بصرها