10 - "صفحات الألم و سطور الوجع "
جرى الحراس نحو (أمين) الجالس على أريكته وأمسكوا به ورفعوه، وبدؤوا يسوقونه خارج منزله و(حليمة) تحاول معانقة (هياء)، التي لم تفق بعدُ من صدمة العودة من صفحات الكتاب الصغير، لكن رؤيتها لـ(أمين) وهو يُساق بمهانة أخرجتها سريعاً من حالتها لتدفع (حليمة) جانباً ، وتصرخ في الحراس بالتوقف عن جره بتلك الطريقة وتركه فورا.
(حليمة) باستغراب شديد:" ماذا تفعلين يا سيدتي؟.. هذا الرجل مجرم ويجب أن يحاسب."
(هياء) وهي تصرخ في (حليمة):"وبماذا أجرم؟!"
(حليمة) بتعجب من انفعال (هياء): "لقد..."
(هياء) وهي تتجاهل (حليمة) وتوجه سخطها نحو الحراس الذين توقفوا عن السير،لكنهم لا يزالون ممسكين بذراعي (أمين) بإحكام:"اتركوه يا حمقى!"
ترك الحراس (أمين) الذي مسح ساعديه بوجه متجهم، وعاد سائرا نحو أريكته.
وعند مروره بـ(هياء) قال لها بصوت خفيض مسموع لها فقط: "هل يمكنكم المغادرة من منزلي لو سمحتم؟"
(هياء) بحزن واستياء: "أنا آسفة يا..."
(أمين) وهو يجلس على أريكته ويقاطع حديث (هياء): "لا أريد اعتذارك، أريد فقط رحيلك مع أتباعك الذين اقتحموا منزلي."
(هياء) وهي تهز رأسها خجلا:ً "أمرك يا سيد (أمين)."
التفتت (هياء) بنظرة سخط وغضب شديدة تجاه (حليمة) التي أحست بالخوف، وقالت للحراس وهي تسير نحوهم:" هيا لنعُدْ للقصر."
خرج الجميع عدا (هياء) التي كانت لا تريد الرحيل دون أن تطمئن بأن (أمين) ليس غاضباً منها، فوقفت أمامه وهي تفرك يديها بقلق وتنظر إليه دون أن تتحدث.
كان (أمين) في ذلك الوقت ينظر للأرض بنظرة غريبة، وكأنه مصدوم مما حدث ثم قال:" يبدو أني أخطأت..."
(هياء) بقلق:" أخطأت في ماذا؟"
(أمين) وهو يرفع نظره لـ(هياء): "في محاولة مشاركة كتبي معك."
(هياء) وهي تجلس على الأرض عند قدمي (أمين) وتضع كفيها على ركبتيه وتقول بحزن يخالطه بعض الدموع:" أرجوك، لا تقل ذلك!.. لقد منحتني حياة ومشاعر جديدة لم أحلم يوما بالإحساس بها!"
(أمين): "أهلك وجماعتك لن يسمحوا لك بأن تعيشي حياة أخرى ولو من خلال كتاب."
(هياء) وهي تدمع وتستجدي:" لا عليك منهم، أنا سوف أتولى التعامل معهم، لكن لا تحرمني كتبَك."
STORY CONTINUES BELOW
(أمين) وهو يبتسم: "ما الذي تغيّر بك؟.. لست مستاءة كما كنت في المرة السابقة عندما قرأت الكتاب الأول."
(هياء) وهي تمسح دموعها وتبتسم:" لقد أحببت هذا الكتاب كثيرا بالرغم من الألم الذي أحسست به خلال قراءته."
(أمين) مبتسماً وهو يشير للكتاب الصغير على الأرض:" أحضريه كي أعيده لمكانه في الرف."
حبت (هياء) على ركبتيها وأمسكت بالكتاب، ثم استدارت وعادت حبوا تجاه (أمين) ومدت له الكتاب الذي أخذه بيد، وباليد الأخرى مسح على رأسها مبتسماً وهو يقول: "عودي للمنزل الآن."
(هياء) بوجه متحمس وصارم:" أريد كتاباً آخر!"
(أمين): "لكل شيء وقته... ارتاحي أولا من هذا الكتاب."
(هياء) وهي لا تزال جالسة على ركبتيها: "لم أمض سوى ٍ أيام قلائِل في هذا الكتاب."
(أمين) وهو يبتسم وينظر للكتاب في يده قائلا:ً "حياة الزهور قصيرة..."
(هياء):" ما اسم الكتاب؟"
لف (أمين) الكتاب نحو (هياء) لتقرأ عنوانه "أحلام الزهور"...
ابتسمت (هياء) وهي تقرأ العنوان قائلة:" كان كتاباً جميلاًبالرغم من قصره."
(أمين) وهو ينهض: "عودي الآن للمنزل."
(هياء) وهي تقف وتقول بقلق:" لكني أريد كتاباً آخر."
(أمين) وهو يغمض عينيه ويزفر: "يجب أن تتعلمي كيف توازنين بين حياتك والكتب."
(هياء) وهي متوترة:" سأفعل!.. سأفعل!.. لكن أريد كتاباً آخر.. لا أريد العودة لحياتي الكئيبة الآن."
(أمين) وهو يلتفت إلى (هياء) ويضع يده على كتفها: "لا يمكنك الهروب من حياتك للأبد.. يجب أن تبحثي فيها عن شيء يستحق البقاء."
(هياء) وهي تحدق بعيني (أمين):" أرجوك..."
(أمين):" حسناً... اتبعيني."
مشى (أمين) نحو باب السرداب و(هياء) تتبعه، ونزل الاثنان عبر السلالم المظلمة. وعند وصولهما للأسفل أشعل (أمين) بعض الشموع التي أنارت المكان، ثم أشار لـ(هياء) بالجلوس على الكنبة الجلدية فجلست وهي تبتسم بحماس وتقول: "أريد كتاباً شائقاً!"
(أمين) وهو يتفحص الرفوف بنظره:" ما رأيك لو تُجربين شيئاً مختلفاً؟"
(هياء) والحماس يفيض منها: "لا بأس أي شيء!"
تستمر القصة أدناه
سحب (أمين) كتاباً أسود، ووضعه على المنضدة المقابلة لـ(هياء) وهو يقول:"جربي هذا الكتاب..."
(هياء) وهي تلتقط الكتاب بسرعة وتنظر لعنوانه بشغف بابتسامة عريضة وتقرؤه: "العجز".
تغيرت ملامح (هياء) بعد قراءة العنوان وتحولت للتساؤل بشيء من القلق وقالت: "العنوان غير مريح يا سيد (أمين)."
(أمين): "هل تريدين تغيير الكتاب؟"
(هياء) وهي تضع الكتاب في حجرها وتنظر لـ(أمين): "لا لكن..."
(أمين):" لا تقلقي، الكتاب جميل..."
(هياء): "هل لديك كتب غير جميلة لتقول إن هذا الكتاب جميل؟"
(أمين) وهو يضحك:" سؤال وجيه... أنا أرى أن كل كتاب مهما كان محتواه يحمل شيئاً من الجمال، لكن رؤية هذا الجمال تعود للقارئ."
(هياء):" صحيح أنني لست محبة للقراءة، لكني أسمع أن هناك كتباً نافهة وسيئة وخالية من أي جمال."
(أمين):" وما تعريف الجمال من وجهة نظرك؟"
(هياء):" الجمال هو كل شيء يُدخل الفرح والسرور على قلوبنا من مجرد النظر إليه..."
(أمين):" لقد عرفت الجمال السطحي فقط."
(هياء): "ماذا تقصد؟"
(أمين) وهو يومئ بنظره للكتاب في حجرها: "هل أدخل هذا الكتاب الفرح والسرور في قلبك؟"
(هياء) وهي تنظر للكتاب في حجرها:" في البداية كنت مسرورة للحصول عليه، لكن بعد قراءة عنوانه لا أعرف... تحولت سعادتي لحيرة وقلق."
(أمين): "لماذا؟"
(هياء) وهي توجه نظرها لـ(أمين): "لماذا ماذا؟"
(أمين):"لِم تغيرت مشاعرك فجأة نحو الكتاب بعدما كانت سعادة إلى شيء آخر؟!"
(هياء) وهي تعيد نظرها للكتاب وتحديدا لعنوانه: "ربما بسبب العنوان..."
(أمين) مبتسماً: "العنوان لا دخل له بالموضوع."
(هياء) وهي ترفع نظرها لـ(أمين):" الكتاب يُعرف من عنوانه كما يقول المثل الشائع."
(أمين): "لقد سمحت لغيرك بأن يفكر عنك..."
(هياء):" ماذا تقصد؟"
(أمين):" أقصد أنك وصلت لقناعة من خلال أقوال الناس وليس من تجربتك الخاصة..."
تستمر القصة أدناه
(هياء):" الاستعانة بآراء الناس تختصر عليك الكثير من الوقت والمعاناة."
(أمين):" هل تستعينين بآراء الناس في اختيار ملابسك؟"
(هياء): "شخصياً لا، لكن أعرف الكثير ممن يقوم بذلك."
(أمين): "أنا أتحدث عنك أنت."
(هياء): "أنا لا، أبدا، لا أثق برأي الناس في الملابس وخصوصاً الأحذية."
(أمين):" ما الفرق؟... لِم وثقت بآرائهم في ما يتعلق بالكتب وليس الملابس؟"
(هياء): "لأني لا أعرف شيئاً عن الكتب، لكني أعرف الكثير عن الملابس؛ لذا يمكنني تحديد ما يناسبني بنفسي دون الحاجة للإصغاء لرأي الغير."
(أمين):" وكيف وصلت لهذه المرحلة من الإلمام بما يناسبك من الملابس والأحذية؟ هل ولدت هكذا؟"
(هياء) وهي تبتسم:" لا... بالتجربة."
(أمين):"إذا، اِجعلي من تجاربك الخاصة أساسا للحكم على الأشياء دون غيرها."
(هياء): "هل تعني أن رأي الناس غير مهم؟"
(أمين):" رأيهم السلبي نعم، فالانقياد وراء الأذواق العامة قد يحرمك الكثير.. لا مانع أن يكون لك أشخاص بحياتك تأخذين برأيهم من باب الاستشارة، لكن أن تجعلي الذوق العام بوصلتك فهذا أمر لا أتفق معه نهائيا، خاصة لشخصية مميزة واستثنائية مثلك."
(هياء) وهي تبتسم بسعادة كبيرة:" هل تظن حق أني مميزة واستثنائية؟"
(أمين) وهو يتوجه نحو السلم :"نعم، وسوف تصبحين شيئاً عظيماً عندما تكبرين."
(هياء) بقلق:" إلى أين أنت ذاهب؟"
(أمين) وهو يصعد السلم للطابق العلوي:" اِلحقي بي عندما تنتهين من الكتاب، فسوف أعد لك كوباً من القهوة."
(هياء) تراقب قدمي (أمين) وهما تختفيان صعودا وتبتسم:" قهوة في الليل؟"
(أمين) من الأعلى:" لا تتقيدي بالذوق العام كما أخبرتك."
(هياء) وهي تمسك الكتاب وتستعد لفتحه: "لنَر ما الذي يحتويه هذا الكتاب... "
فتحت الكتاب وخرج منه وهج قوي...
بعد ثوان قليلة في ذلك الوهج وجدت (هياء) نفسها تقف في مطبخ واسع وكبير تلبس زياً ذكّرها بلباس الخادمات اللاتي كنّ يعملن في قصر والدها.
بقيت تتفحص المكان بنظرها دون حراك، ورأت أن الوقت كان ليلاً من خلال النافذة التي كانت أمامها. استمرت بالنظر حولها حتى دخلت عليها امرأة تلبس زياً مشابهاً لزيها، وتوجهت نحو بعض الأواني وهي تتحدث وتُوجه الكلام لـ(هياء) وتقول: "ما بك واقفة هكذا، لقد حان موعد تحضير مائدة العشاء للسيد الكبير!... هيا ساعديني!"
تستمر القصة أدناه
تحركت (هياء) تجاه تلك السيدة بارتباك، ووقفت بجانبها وهي ترفع بعض الصحون والكؤوس فنهرتها وقالت:" لِم تحملقين بي هكذا؟!.. هيا عاونيني!"
(هياء) بارتباك: "ماذا تريدين مني أن أفعل؟"
وضعت المرأة ما كان بيدها والتفتت إلى (هياء) وقالت:" هل سنبدأ بالغباء منذ اليوم الأول؟.. لم يمض على تعيينك هنا ساعتان، وخلالهما نسيت كل ما أخبرتك به!"
(هياء) وهي تائهة:" أنا آسفة.. أخبريني فقط ماذا تريدين مني يا سيدتي؟"
(المرأة): "أنا لست بسيدتك أنا زميلتك (حسينة) كما أخبرتك سابقاً، ونحن المسؤولتان في القصر ليلا،ً ومهمتنا الآن إعداد مائدة العشاء قبل أن يغضب السيد الكبير."
(هياء) بتوتر: "حسناً، حسناً... هل آخذ هذه الصحون والكؤوس للمائدة؟"
(حسينة) وهي تنظر لـ(هياء) بتعجب: "إذا سمحت!"
(هياء) وهي تحمل الصحون والكؤوس: "سوف آخذها فورا."
حملت (هياء) ما طلب منها وخرجت من المطبخ، لكنها توقفت في الممر الكبير والمتفرع الذي ظهر أمامها، وكانت في حيرة نحو أي اتجاه يجب أن تسلك، وخلال وقوفها نهرتها (حسينة) من خلفها للتحرك، فأوقعت ما كان بيدها من صحون وكؤوس ليتحطم معظمها.
وقفــت (هيــاء) وقِطَع الزجـاج تحتـها ومتنـاثرة حولـها وهـي تحـدق بــ(حسينة) التـي كـانت غاضـبة فـي بـادئ الأمـر، لكـن غضـبها تحـول لـهدوء وابتسـامة خفيفـة أتبعتـها بقول:" لا بأس يا ابنتي... نظفي المكان وعودي للمطبخ وأنا سأعد المائدة وحدي."
(هياء):" أنا آسفة."
(حسينة) وهي تمسك بصينية كبيرة بين يديها:" لا تقلقي، فقط نظفي المكان."
(هياء) وهي تنزل على ركبتيها وتبدأ بجمع قطع الزجاج المكسور:" حاضر."
(حسينة) وهي تسير مبتعدة عنها:" حاذري كي لا تجرح قِطَع الزجاج ركبتيكِ الجميلتين."
(هياء) ترفع نظرها لـ(حسينة) بتعجب من تعليقها الغريب...
بعدما نظفت (هياء) المكان عادت للمطبخ، وجلست على أحد الكراسي تنتظر عودة (حسينة)، ولكنها تأخرت كثيرا بعدما أخذت كل ما تريد لإعداد المائدة. بعد ما يُقــارب الســاعة غفــت عينــاها وهــي علـى الكرسـي ولـم تشـعر بـالوقت حتـى أحسـت بأحـدٍ يـهز كتفـها ويوقظـها، ففتحـت عينـها لتـرى (حسـينة) أمامـها وهـي تقـول: "هيـا لتغسلي الصحون."
نهضت (هياء) ودعكت النعاس من عينيها وتوجهت للأطباق والأواني المتراكمة، وبدأت تغسلها و(حسينة) جالسة خلفها تشعل سيجارة.
تستمر القصة أدناه
(حسينة) وهي تنفخ سحابة من الدخان: "من أين أنت؟"
(هياء) بارتباك: "ماذا تعنين؟"
(حسينة) بعصبية:" ماذا تقصدين بماذا أعني؟.. من أين أنت؟.. من أي بلد؟.. من أي قرية؟.. من أي جحيم؟"
(هياء) وهي تجفف بعض الكؤوس:" من هنا؟"
(حسينة):" من مدينتنا؟"
(هياء) وهي ترفع بعض الصحون على المنشر: نعم... نعم..."
(حسينة) وهي تنفخ سحابة أخرى من الدخان: "غريبة.. الرجل الذي أحضرك للعمل هنا لا يبدو من سكان المدينة.. كان يبدو قروياً على أكثر تقدير."
(هياء) وهي تمسح يديها في مئزرها: "لقد انتهيت... هل تأمرينني بشيء آخر؟"
(حسينة) وهي تطفئ السيجارة في قاع حذائها: "نعم... اسحبي كرسياً واجلسي أمامي."
نفذت (هياء) ما طلبته منها. وبعد جلوسها قالت لها: "اِسمعي يا فتاة.. العمل هنا سهل ومريح والأجر مجزٍ كما تعلمين، لكن يجب أن تعرفي مع من نعمل، وما الذي يجب علينا القيام به كي يكون راضياً عنا."
(هياء) بتوتر: "هل العمل كخادمة في هذا المكان يتطلب الكثير منا؟"
(حسينة):" المهم هو إرضاء السيد الكبير."
(هياء) بتوجس:" إرضاؤه إلى أي حد؟"
(حسينة): "ماذا تقصدين؟"
(هياء): "أقصد أنه يبدو شخصاً غير مريح من حديثك عنه."
(حسينة) بتجهم : "وما شأنك إذا كان مريحاً أو لا؟!... المهم أن تقومي بعملك فقط."
(هياء): "وما عملي تحديدا؟"
(حسينة) وهي تشعل سيجارة أخرى: "ألم يخبرك الرجل الذي أحضرك إلى هنا بطبيعة عملك."
(هياء): "أخبرني أني سأكون خادمة فقط."
(حسينة) وهي تنفخ سحابة من الدخان:" خادمة؟.. ما هذا المصطلح المهين؟... أنت مدبرة منزل."
(هياء):"أيّا كان المسمى فالمهام واحدة."
(حسينة): "لكن هناك مهام إضافية مطلوبة منك."
(هياء) بتجهم : "مهام مثل ماذا؟"
(حسينة) وهي تطرق رأس سيجارتها بسبابتها وتنظر للأرض: "كما أخبرتك سابقاً فإن السيد الكبير رجل عجوز... فاحش الثراء... يسكن هنا وحده بعدما تركه أبناؤه ليشقوا طريقهم في الحياة، ويمنون عليه بزيارة أو اثنتين في الأعياد، وبعضهم لا يلبي تلك المناسبات أحيانا."
تستمر القصة أدناه
(هياء):" رجل عجوز؟"
(حسينة): "نعم والقصر في الأغلب هادئ وخال من الأصوات، ولا يكسر الصمت في مساحته الشاسعة شيء إلا صوت العاملين به من وقت لآخر خلال أعمالهم اليومية من تنظيف وغيره، وينتهي ذلك الصخب المحبب لقلب سيدنا العجوز مع إشعال الشموع على مائدة العشاء قبل رحيلهم جميعاً للعودة في صباح اليوم التالي ولا يبقى في خدمته سوانا."
(هياء):" ولم يحتاج إلينا ليلاً؟"
(حســينة) وهــي تنفــخ ســحابة مــن الــدخان فـي وجـه (هيـاء):" الرجـل كـان عصـاميا ويكـره الاعتمـاد علـى غـيره فـي القيـام بأعمالـه والعنايـة بنفسـه، لكـن تقـدمه فـي السـن والمرض الذي طوق جسده أرغماه على اللجوء لمن يساعده في تلك الأمور."
(هياء):" ما زلت لا أفهم ما المطلوب مني؟"
(حسينة) وهي تطفئ السيجارة تحت حذائها: "المطلوب منك هو تلبية أي طلب يطلبه منك خلال وجودك هنا... عملك ينتهي مع شروق الشمس ويبدأ مرة أخرى مع غروبها."
(هياء): "ألا ينام هذا الرجل؟"
(حسينة) وهي تنهض من أمام (هياء):" بلى، لكنه إذا احتاج شيئاً فسوف يناديك."
(هياء): "المكان كبير.. كيف سأسمع صوته."
(حسينة) وهي تشير لجرس على الجدار: "عندما يدق هذا الجرس فهذا يعني أنه يحتاجك."
(هياء): "ماذا عنك؟"
(حسينة): "ماذا عني؟"
(هياء):" ألن تكوني موجودة معي؟"
(حســينة): "أنــا أشــارك فــي الأعمــال الصــباحية والمســؤولة عــن إعــداد الإفطــار لــه، فــهو لا يســمح لغــيري بــذلك، لــذلك فسـاعات عملـي تنتـهي مـع بـدء سـاعات عملـك، ووجودي اليوم معك هو فقط كي أتأكد من أنك فهمت كل شيء."
(هياء) بتوتر: "لكني لم أفهم شيئاً"
(حسينة) وهي تهم بالخروج من المطبخ: "لا تقلقي، ستكونين على ما يرام."
(هياء) بقلق: "إلى أين؟!"
(حسينة): "سأنام بالطبع."
(هياء): "هل أنت مقيمة هنا؟"
(حسينة) وهي تبتسم:" غرفتي في آخر الممر... ، فلا تطرقي الباب إذا احتجت شيئاً لأني لن أرد!"
خرجت (حسينة) وتركت (هياء) في حالة من الحيرة والقلق. نظرت للساعة التي كانت في المطبخ ورأت أنها تشير للعاشرة، وأن الوقت لا يزال مبكرا على شروق الشمس وانتهاء فترة عملها، وخلال حيرتها وتفكيرها رن الجرس بقوة وقد كان أشبه بجرس المدارس الذي يشير لانتهاء أو بدء الحصص الدراسية.
تستمر القصة أدناه
نهضت (هياء) مفزوعة من صوت الجرس، وخرجت جرياً من المطبخ وبدأت تسير في الممر الكبير الذي انتشرت عبر جوانبه أبواب كثيرة لم تعرف أيا منها كان الرجل العجوز قابعاً خلفــها، وبعــد جــري طويـل وصـلت لنـهاية الممـر وخـرجت لغرفـة معيشـة كبـيرة َملأت بـالتحف الجميلـة التـي أبـهرتها واسـتوقفتها لثـوان قبـل أن تسـمع نـداء يـأتي مـن إحدى الغرف الكبيرة المتفرعة من غرفة المعيشة:" (حسينة)!.. أين أنت؟!"
توجــهت (هيــاء) جريــًا نحــو البــاب الخشــبي الضــخم الــذي أتــى مــن خلفـه الصـوت وفتحتـه دون أن تطـرق البـاب، لتـرى كـهلاً عجـوزا يجلـس علـى طاولـة فخمـة وكبـيرة وحولــه تحــف لا تحصــى مصــفوفة علــى رفــوف خشــبية منقوشــة ومنحوتـة ببراعـة و ِحرفـيّة عاليـة. نظـر العجـوز لــ(هياء) بتجـهم وقـال بغضـب شـديد:" مـن أنـت؟!... أيـن (حسينة)؟!"
(هياء) وهي تحني رأسها وتقول بخوف:" (حسينة) نائمة يا سيدي.. هل أستطيع أن أخدمك بشيء؟"
(العجوز) بغضب وصوت مرتفع:" أين (حسينة)؟!"
(هياء) بتوتر وقلق: "(حسينة) نائـ..."
قاطع العجوز (هياء) برمي حجرٍ رخامي كان على طاولته يستخدمه كمثبت للأوراق وهو يصرخ ويقول: "هل تظنين أني خرف ولم أسمعك؟!
(هياء) وهي تتجنب الحجر وتقول ورأسها للأرض: "لا،أبدا يا سيدي العفو."
صمت العجوز وبدأ يحدق بـ(هياء) بحدة ثم قال: "هل تجيدين إعداد القهوة؟"
(هياء): "سأحاول يا سيدي."
(العجوز) بتجهم :"لِم عينت (حسينة) خادمة غبية لا تجيد حتى إعداد كوب بسيط من القهوة؟!"
(هياء) وهي ترفع نظرها للعجوز: "هل تأمرني بشيء آخر يا سيدي؟"
(العجوز): "وما الفائدة وأنت لا تُجيدين شيئاً؟"
لم ترد (هياء) واكتفت بالصمت...
(العجوز) وهو يشير بيده لها بالخروج: "اذهبي وأغلقي الباب خلفك..."
(هياء) وهي تمد ذراعيها وتمسك بمقابض الباب الخشبي الكبير وترجع للوراء وتسحبهما لإغلاقه: "
"أمرك."
قبل أن تغلق (هياء) الباب أحست بشخص يمسكها من الخلف، وقبل أن تصرخ مستنجدة أطبق على فمها وتقدم للأمام نحو العجوز وأغلق الباب خلفه بقدمه.
(العجوز) وهو مفزوع مما رأى:" من أنت؟! وماذا تريد؟!"
لم يرد الرجل على العجوز، لكنه شد ساعدي (هياء) خلف ظهرها وربطها ورمى بها في إحدى زوايا الغرفة، وبدأ بتقليب الأثاث وفتح الدواليب بعنف أخاف العجوز الذي صرخ وقال:" توقف!.. ماذا تفعل؟!"
تستمر القصة أدناه
التفت الرجل الذي كان رث الملبس والمظهر إلى العجوز ورمقه بنظرة غاضبة أخافته، ولم يلحق أن يبلع ريقه حتى وجد عنقه في قبضة ذلك الرجل الأهوج يشدها ويهزها قائلا:ً "أين تخبئ الأموال؟!"
(العجوز) وهو يبحث عن النفس: "عن أي أموال تتحدث؟!"
(الرجل): "لا تراوغ أيها العجوز الخرف. أعرف أنك غني جدا؛ فلا يسكن في مثل هذا القصر رجل فقير!"
(العجوز) وهو يحاول تخليص عنقه من قبضة الرجل: "اتركني، سأختنق!"
أفلت الرجل خناق العجوز وجلس في الجهة المقابلة له على تلك الطاولة الكبيرة، وقبل جلوسه أشعل سيجارة وقال وهو ينفخ الدخان بهدوء: "أين تخبئ أموالك؟"
استعاد العجوز أنفاسه ونظر للرجل وقال: "هل أتيت لتسرقني؟"
(الرجل) وهو يضرب بقبضته على الطاولة ويصرخ في العجوز بصوت مرتفع:" لا تهدر وقتي بهذه الأسئلة الغبية!"
كــانت (هيــاء) خــلال ذلــك تــراقب مــا يحــدث بــرعب شــديد وهــي فـي زاويـة الغرفـة، ولـم تملـك الشـجاعة للـوقوف والـهروب مـن المكـان، خاصـة أنـها كـانت مقيـدة وبـاب الغرفة مغلق وأي محاولة منها لفتحه وهي بتلك الحالة سوف تنكشف وقد تعرض حياتها للخطر؛ لذا اكتفت بالصمت ومراقبة ما يحدث بهدوء.
(الرجل) بغضب: "هل سأنتظر طويلاً أيها العجوز؟!"
(العجوز) يبتسم ويُصلح هندامه الذي تعكر بسبب قبضة ذلك الرجل لعنقه: "يبدو أنك أحمق... "
(الرجل) وهو يصرخ بقوة:" سأمهلك دقيقة واحدة فقط! إما أن تدلني على مكان الأموال أو أقتلك أنت وتلك الخادمة، وعندها سنرى من الأحمق!"
مد العجوز يده نحو قلم فضي كان أمامه وبدأ يكتب بهدوء...
(الرجل) بعينين متفحصتين لِم كان يكتبه العجوز: "هل ترسم خريطة لمكان الأموال؟"
(العجوز) وعيناه على ما كان يكتب: "هل تظن أنك أتيت لسرقة قرصان؟"
(الرجل) بغضب:" سيكون هذا القلم في صدرك بعد قليل!"
(العجوز) وهو يكتب دون أن يرفع نظره باتجاه الرجل: "اسمع..."
(الرجل) بغضب:" ماذا تريد؟!"
(العجوز): "هل تظن أنني جمعت هذه الثروة بالصراخ بغباء مثلك؟"
(الرجل) بصوت غاضب ومرتفع:" هل تنعتني بالغبي أيها الهالك؟!"
(العجوز) بكل هدوء وهو يضع القلم جانباً: "أنت في عداد الموتى؛ لأن المنزل بأكمله مزود بكاميرات قامت بتصوير شكلك وما قمت به منذ دخولك هنا بالكامل."
تستمر القصة أدناه
(الرجل) بسخرية:" لا أكترث!.. وبما أني سأدخل السجن على أي حال سوف أقتلك قبلها لأشفي غليلي!"
(العجوز) بهدوء وهو يعقد أصابعه ويحدق بالرجل: "ولن تلحق بالقيام بذلك أيضا..."
(الرجل) باستغراب: "ماذا تقصد؟"
(العجوز) وهو يدخل إحدى يديه تحت الطاولة: "هناك مسدس موجه لبطنك الآن ولو تحركت فسأفرغه فيك."
(الرجل) بتوتر: "أنت كاذب وتحاول خداعي!"
(العجوز) وهو ينظر بثقة في عيني الرجل:" جرب حظك... "
صمت الرجل لبرهة وهو يُحدق في عيني العجوز الواثقتين، وفي يده المختبئة تحت الطاولة ثم قال: "هل يمكنني الرحيل...؟"
(العجوز) بلا تردد:" لا..."
(الرجل) وقد بدا عليه القلق والتوتر:" لماذا؟ لم أعُدْ أريد مالك؟.. أريد أن أرحل فقط."
(العجوز): "لقد اخترقت حرمة منزلي، ويجب أن تدفع الثمن ولن يحاسبني أحد على قتلك، بل على العكس قد أصبح بطلا."
(الرجل) وقد بدأ بالبكاء:" أرجوك، لا أريد الموت!... أرجوك!"
(العجوز) مبتسماً بتهكم:"أخرج من هنا ولا تعُدْ أبدا... "
نهض الرجل بسرعة من كرسيه الذي سقط خلفه بسبب سرعة قيامه وتوجه للباب، وقبل أن يخرج صرخ فيه العجوز: "توقف!"
توقف الرجل مذعورا والتفت إلى العجوز ببطء...
صمت العجوز ثم رمى بالقلم الفضي الذي كان يكتب به سابقاً تحت قدمي الرجل وقال: "خذ هذا القلم معك، فلا أحد يخرج من منزلي خاوي اليدين.. ثمنه لا بأس به وقد يكون بالنسبة لحقير مثلك ثروة بالنظر لحالك... أخرج الآن!"
التقط الرجل القلم ثم خرج وأغلق الباب خلفه بقوة...
(العجوز) وهو ينظر لـ(هياء):" هل أنت بخير؟"
(هياء) تهز رأسها بالموافقة وهي مصدومة مما حدث...
بعدها بدقائق دخلت (حسينة) عليهما وهي متوترة ومرتبكة وتقول: "ظننت أني سمعت باب القصر يغلق... هل حدث شيء يا سيدي؟!"
(العجوز) بغضب: "أين كنت؟!"
(حسينة):" كنت نائمة يا سيدي."
(العجوز) بصوت عال: "أنت مفصولة!"
ابتسمت (حسينة) وقالت: "وما الجديد يا سيدي أنت تفصلني كل يوم؟"
(العجوز) وهو يبتسم: "خذيني لغرفتي إذا. أريد أن أنام... "
تقدمت (حسينة) نحو الرجل العجوز الجالس خلف مكتبه، وخلال سيرها رأت (هياء) في زاوية الغرفة فقالت: "ما الذي تفعلينه هنا؟"
(العجوز) متداركاً نفسه: "لقد نسيت أمرها... حلي وثاقها."
(حسينة) باستغراب: "وثاقها؟.. من الذي ربطها؟"
(العجوز): "يمكنكما الثرثرة في الموضوع لاحقاً في المطبخ. أما الآن فحلي وثاقها فقط كي أذهب للنوم."
توجهت (حسينة) لـ(هياء) وحلت وثاقها وهي تهمس في أذنها وتقول: "ما الذي حدث هنا؟"
(العجوز) بتجهم : "(حسينة)!... دعي الفضول عنك الآن. هيا، أريد أن أنام!"
توجهت (حسينة) للرجل العجوز و(هياء) ترقبها باستغراب لإصرار الرجل العجوز أن تأتي إليه قبل ذهابه للنوم، لكن استغرابها تبدد وتحول لصدمة عندما رأتها تستقر خلفه وتمسك بالكرسي الذي كان يجلس عليه وتسحبه للخلف لتظهر عجلاته أسفل منه. كان الرجل العجوز مشلولاً والكرسي الذي كان يجلس عليه ما هو إلا كرسيه المتحرك.
دفعت (حسينة) الكرسي متوجهة نحو الباب، وقبل خروجهما قال العجوز: "(حسينة)... أخبري السائق غدا بأن يركب كاميرات للمراقبة في كل غرف ومداخل القصر، وأخبريه أيضا بأني أريد اقتناء مسدس ."
1
(حسينة): "حاضر يا سيدي."
(هياء) وهي مندهشة لما تراه أمامها:" ماذا عني؟"
(حسينة) وهي تلتفت إليها خلال خروجها من المكتب مع العجوز:" رتبي المكان واذهبي للمطبخ."
بدأت (هياء) بترتيب الفوضى التي تسبب فيها الرجل، وخلال ترتيبها لمحت شيئاً مألوفاً على طاولة الرجل العجوز، فتوجهت نحوها ووقفت حيث كان يجلس، ورأت زهرة بنفسجية جافة على سطح الطاولة، فأحست بشعور غريب عند رؤيتها.
أمسكت بها واستنشقتها فخرج منها وميض نور قوي استمر لثوان قصيرة، لتجد نفسها على الكنبة الجلدية في سرداب (أمين) الذي كان يقول بصوت مرتفع من الطابق العلوي:" كم قطعة من السكر تريدين في قهوتك؟