الفصل 5
مع أول إشراقة للشمس دخلت (حليمة) غرفة (هياء) بعدما طرقتها لتجدها نائمة، فاقتربت منها وقبلت جبينها وبدأت تمسح عليه بحنان دون أن تتحدث، حتى فتحت (هياء) عينيها وابتسمت عند رؤيتها لمربيتها التي ربتها منذ الصغر وقالت: "صباح الخير يا (حليمة).."
(حليمة) وهي مبتسمة: "صباح الخير يا أميرتي.. هل نمت جيدا؟"
(هياء) وهي تنهض وتجلس متربعة وسط السرير وتمد ذراعيها وتتثاءب: "نعم."
(حليمة) وهي تضع يدها على فم (هياء):" الفتيات لا َ يتثاءبن بهذا الشكل."
(هياء) وهي ترمي بنفسها للخلف على مخدتها الناعمة الكبيرة وتقول بسخرية:"وكيف تتثاءب الفتيات؟"
(حليمة) وهي مبتسمة:" ألست جائعة؟.. لم تشاركي أباك العشاء ليلة البارحة."
(هياء) وهي تحدق بسقف غرفتها:" لا أظنه افتقدني.."
(حليمة) وهي تفتح دولاب الملابس: "على العكس تماما، لقد كان الضيق باديا على وجهه حتى إنه ثار غضباً من الطباخ لسبب بسيط."
(هياء) وهي لا تزال تحدق بسقف الغرفة: "ربما لأنه وضع الكثير من الملح في الحساء كالعادة."
(حليمة) وهي تقلب الملابس مبتسمة: "لا.. لقد نسي أن يجهز مكان أمك على المائدة."
(هياء) : "أحيانا يُخيّل إلي أن أبي مجنون."
(حليمة) وهي تسحب فستاناً من الدولاب وعلى وجهها نظرة استغراب يخالطها بعض الاستياء:" لِم تقولين مثل هذا الكلام؟"
(هياء) وهي تنهض وتعتدل في جلستها وتسند ظهرها للمخدة الكبيرة:" أمي ماتت منذ سنين طويلة وهو لا يزال يُعد لها أطباقها المفضلة على المائدة في كل وجبة... إذا لم يكن ذلك جنوناً فماذا تسميه؟"
(حليمة) وهي تفرش الفستان على السرير: "حب.."
(هياء) وهي تضحك بسخرية:" حب؟"
(حليمة):" نعم حب..لِم أنت مستغربة؟.. ألا تحبين أمك؟! "
(هياء) وهي تنزل من طرف السرير وتمسك معلاق الفستان وترفعه أمام نظرها: "أنا لم أعرف أمي كي أحبها."
(حليمة) بوجه حزين: "لكنها أحبتك.. وبشدة أيضا."
(هياء) وهي تمد الفستان نحو (حليمة): "هذا الفستان لا يصلح لجولة توزيع الكعك على أراذل الحي، فهو أفخم من ذلك."
(حليمة) وهي تمسك الفستان وتقول بخوف وتوتر شديدين: "أرجوك يا سيدتي، لا تستخدمي مثل هذه العبارات؛ فقد يسمعنا السيد الكبير وتكون عاقبتنا وخيمة."
STORY CONTINUES BELOW
(هياء) وهي تزفر:" حسناً يا (حليمة)، لأجلك فقط لأني أعرف أنه سيصب جام غضبه عليك."
(حليمة) وهي تُخرج فستاناً آخر من الدولاب مبتسمة: "ما رأيك بهذا؟"
(هياء): "ما حكايتك مع الفساتين يا (حليمة)؟ هذه ملابس معدة لمناسبات خاصة وليس لجولة لتوزيع الكعك!"
(حليمة) وهي تنزل رأسها:" أعتذر يا سيدتي، لكني ُ أردت أن تكوني بأبهى حلة."
(هياء) وهي تفتح أحد الأدراج تحت مرآتها الضخمة: "اختاري من هذه الملابس ريثما أستحم."
(حليمة):" لكن هذه الملابس طلبت مني أن أرميها لأنها رثة ولم تعد تعجبك."
(هياء) وهي تخرج من الغرفة: "بالنسبة لأهل الحي فهي آخر صيحة."
بعدما انتهت (هياء) من الاستحمام في حمامها الرخامي الفاخر ارتدت الملابس التي انتقتها لها مربيتها، بعدها همت بالخروج وتبعتها (حليمة). نزلت الاثنتان من الطابق العلوي، فَوجدتا الأب واقفاً عند الباب يدخن غليونه، تحته سلة مغطاة بقماشة صفراء وقال:" لقد طلبت من الطباخ أن يخبز كمية أخرى من الكعك كي تأخذيها معك."
(هياء) بجفاء:" كعك حليمة ألذ."
(الأب) وهو يبتسم ويسحب الغليون من فمه: "المهم أن توزعيها بلباقة."
(هياء) متجاهلتاً لأباها:" هيا يا (حليمة) كي ننتهي من هذا اليوم."
تقدمت (حليمة) نحو السلة كي تحملها، لكن السيد منعها وقال: "(هياء) هي من سيحمل السلة!"
(هياء) وهي تتقدم بتجهم نحو السلة وتمسك بمقابضها وترفعها وتنظر لأبيها المبتسم: "هيا يا (حليمة) لنخرج!"
هرعت (حليمة) نحو باب القصر وفتحته لتخرج منه (هياء) حاملة سلة الكعك وأبوها يراقبها مبتسماً وهو يضع بعض التبغ في غليونه.
بدأت (هياء) بالسير نحو بوابة القصر الخارجية مرورا
بالنوافير الحجرية والنباتات والأزهار الجميلة، وخلال سيرها قالت لـ(حليمة) السائرة بجانبها: "لم ألاحظ من قبل أن حديقتنا جميلة هكذا."
(حليمة) مبتسمة: "حديقة منزلنا السابق كانت أجمل."
(هياء) وهي تتفحص الحديقة بنظرها:" لم أنتبه للحديقة السابقة أيضا، كنت أدخل وأخرج بالسيارة المكتومة."
(حليمة): "الجمال حولنا في كل مكان، نحن من نختار رؤيته من عدمها.."
شدت (هياء) قبضتها على السلة ورفعتها قليلاًوهي تزفر ًنفسا عميقاً..
تستمر القصة أدناه
(حليمة) بقلق:" هل أنت متعبة يا سيدتي؟.. يمكنني أن أحمل السلة عنك بعدما نتجاوز البوابة ونبتعد عن نظر السيد الكبير! "
(هياء):" لا يا (حليمة)، لن أعرضك لسخط ذلك المجنون."
(حليمة): "لا تقولي ذلك عن والدك يا سيدتي "
(هياء) وهي تبتسم وتنظر أمامها خلال سيرها: "أستغرب من دفاعك المستميت عنه دائماً"
(حليمة):" أفضال السيد الكبير علي كثيرة ولا يمكنني نسيانها."
(هياء): "أفضاله عليك مقابل عملك الذي تقومين به وليس لسواد عينيك."
(حليمة) وهي تبتسم: "لقد تكفل السيد الكبير بنفقات معيشة ودراسة أبنائي وبناتي منذ ولادتهم حتى إنهائهم دراستهم، ولا أظن أن راتبي يغطي كل ذلك."
(هياء) وهي ترفع السلة وتشد من قبضتها على أطرافها:" وإن يكن.. أنت لا تدينين له بشيء."
(حليمة): عندما تُرزقين أطفالا ستعرفين أن أعظم معروف يمكن أن يقدمه لك أحدهم هو أن يجعلك مطمئنة عليهم."
(هياء) وهي تقف وتلتفت إلى (حليمة) مبتسمة: "أليس هذا ما تقدمينه له بالعناية بي؟"
(حليمة) وهي تنظر لجبين (هياء) مبتسمة: هذه أول مرة أرى فيها قطرة من عرقك."
(هياء) وهي تضع السلة على الأرض وتمسح جبينها بيدها وتنظر للعرق على أطراف أصابعها بحسرة: "ممتاز.. الآن سوف أكون لائقة لأهالي الحي."
(حليمة) وهي تضحك: "لا عيب يا ابنتي في القليل من العرق خاصة إذا كان بسبب القيام بشيء تحبينه!"
(هياء) وهي تحمل السلة وتكمل المسير نحو البوابة: "ومن قال إني سعيدة بما أقوم به.. أنا أقوم بذلك فقط كي لا أعطي سبباً له ليمارس سخطه علي."
(حليمة) تتبع (هياء) وهي تبتسم بصمت..
عند وصولهما للبوابة انتبه حارسها لـ(هياء) وهي تحمل السلة، فجرى مسرعاًنحوها ولحق به اثنان من الحراس الذين كانوا يقفون عندها، وقال بتوتر
لـ(حليمة): "لِم لا تساعدين السيدة الصغيرة يا (حليمة)؟!.. كيف تتركينها تحمل هذه السلة
الثقيلة وحدها؟!.. ماذا لو علم السيد الكبير بذلك؟!"
مدّ الحارس يديه لأخذ السلة، لكن (هياء) أبعدتها عن متناوله وقالت:" هذه أوامر سيدك؛ فلا تلم (حليمة) "
(الحارس) بتعجب: "لكن يا سيدتي.."
(هياء) بسخط: "لا تكثر الكلام وافتح البوابة!"
تستمر القصة أدناه
(الحارس) وهو يجري بارتباك نحو البوابة:" أمرك.. أمرك.."
(هياء) ترمق (حليمة) بنظرة وابتسامة بعدما ُشرعت أبواب القصر: "هيا يا (حليمة).."
مشت الاثنتان متجاوزتين البوابة والحراس، متوجهتين للمنزل الذي أغلق صاحبه أمس الباب في وجهيهما، وعندما استقرتا أمامه وضعت (هياء) السلة عند عتبة الباب ومسحت العرق عن جبينها، ومدت يدها لطرق الباب، لكن (حليمة) استوقفتها وقالت: "يمكننا القدوم لهذا المنزل لاحقاً يا سيدتي."
(هياء) باستغراب: "لماذا؟"
(حليمة): "ربما من الأفضل أن نبدأ بمنزل آخر فهذا الرجل يبدو فظ"
(هياء) وهي تطرق الباب مبتسمة:" لا تقلقي."
فتحت الباب سيدة ممسكة بمنديل في يدها، ويبدو عليها أنها كانت تبكي لأن عينيها محمرتان ومحجريها متوّرمان و ُمبتلان ببقايا من دموع. ارتبكت (هياء) عندما رأت المرأة بتلك الحالة ولم يخطر ببالها شيء سوى مد يدها في السلة، وأخرجت كعكة مغلفة بورقة زهرية اللون: "تفضلي نحن جيرانكم الجدد.. أرجو أن تقبلي منا هذه الهدية البسيطة."
مدت المرأة يدها وأخذت الكعكة بيد وباليد الأخرى مسحت بمنديلها دمعة نزلتعلى خدها، وقالت: "شكرا" ثم أغلقت الباب بهدوء.
(حليمة): "هيا يا سيدتي لنذهب للمنزل الآخر."
(هياء) وهي تحدق بالباب متعجبة: "لِم كانت تبكي؟"
(حليمة) وهي تحمل السلة: "أسباب الحزن في هذه الدنيا أكثر من أسباب الفرح.."
طرقت (هياء) الباب مرة أخرى و(حليمة) خلفها تقول بتوتر: "ماذا تفعلين يا سيدتي؟!"
لم ترد (هياء) عليها، وبقيت تحدق بالباب حتى فتحته المرأة مرة أخرى، وبمجرد أن رأتها سألتها:"لِم كنت تبكين؟"
نظرت المرأة لـ(هياء) باستغراب ولم ترد..
(هياء): "أرجوك أخبريني.."
تجهمت المرأة، وصفعت بدرفة الباب بقوة في وجه (هياء) التي وقفت مستغربة من ردة فعل المرأة، ثم أدارت نظرها نحو (حليمة) وقالت: "ما بها؟"
(حليمة):" يبدو أنها مستاءة من أمر ما."
(هياء): "لِم أغلقت الباب في وجهي؟.. كنت أريد مساعدتها."
(حليمة):" هيا يا سيدتي لنذهب للمنزل المجاور.. الحي كبير وسنحتاج وقتاً طويلاً لتوزيع جميع الكعكات."
َ
سارت (هياء) مبتعدة عن عتبة المنزل، وعلى وجهها تعجب شديد وهي تقول: "لِم كانت فظة معي؟.. أنا لم أفعل لها شيئاً "
تستمر القصة أدناه
(حليمة) وهي تسير خلفها: "لا تفكري بالأمر كثيرا يا سيدتي.. الناس كالأزهار بعضها شائك وبعضها زكي الرائحة، وبعضهم يجمع الاثنين.. جميل الرائحة لكنه
شائك. "
(هياء) تتوقف عن السير وتلتفت إلى مربيتها:" وهل هناك من هم بغيضون بلا سبب؟"
(حليمة) وهي تبتسم:" نعم يا حبيبتي، وهناك أيضا من هم جميلون بلا سبب.."
(هياء) بوجه متسائل وقلق:" هل أنا بغيضة يا(حليمة)؟"
(حليمة):" أنت أجمل شيء رأته عينايَ يا صغيرتي.."
(هياء):" ماذا عن روحي؟"
(حليمة) وهي تبتسم:" ماذا تقصدين؟"
(هياء) وهي تكمل المسير نحو المنزل الثاني: "لا شيء، هيا لِنَنْتَهِ من توزيع الكعك."
وصلت الاثنتان لعتبة المنزل الثاني، وبمجرد أن طرقتا الباب فُتح لهما، وخرج منه عدد كبير من الأطفال الذين بدؤوا بمحاصرتهما والصراخ والضحك حولهما، وبعضــهم بــدأ يشــد شــعر (هيــاء) وملابســها حتــى تــمزق أحـد أكمامـها. وعنـدما رأت (حليمـة) ذلـك المشـهد وضـعت السـلة علـى الأرض وهـرعت نحوهـا، وبـدأت تُبعـد الأطفال عنها و(هياء) واقفة متسمرة من الخوف، لكن الأطفال استمروا بالقفز والصراخ حولهما لدرجة أن أحدهم سحب الوشاح الذي كانت (حليمة) تغطي به رأسها وربطه على خاصرته، وبدأ بالرقص حولها وهي تعانق (هياء) لحمايتها.
سحبت طفلة من الأطفال القماشة الصفراء التي كانت تغطي سلة الكعك لتربطها هي الأخرى على خاصرتها وتشارك أخاها الرقص، لكن ما إن انكشف الكعك أمام الأطفال حتى رموا كل ما في أيديهم واندفعوا نحو السلة وبدؤوا بالتهام الكعك بشراهة.
(هياء) وهي تراقب الأطفال: "ما الذي يحدث يا (حليمة)؟!"
(حليمة) وهي تلتقط القماشة الصفراء التي كانت تغطي الكعك وتلفها على رأسها بدل وشاحها وتعود لمعانقة (هياء): "لننتظر حتى ينتهوا فقط!"
وصــل الحــراس عنــدما رأوا الأطفــال بــهذا الشــكل حــول (هيــاء) و(حليمــة) لحمايتـها، ففـروا عنـدما شـاهدوهم مقبلـين نحـوهم، وعـادوا للمـنزل وأغلقـوا البـاب بقـوة تاركين (هياء) ومربيتها مصدومتين مما حدث. بقيت الاثنتان مدة وجيزة وهما تنظران للسلة المقلوبة على جانبها، وبقايا الكعك الذي داس عليه الأطفال، ثم قالت (هياء):" هل يمكننا العودة للقصر الآن؟"
(حليمة) وهي تتوجه نحو السلة وترفعها:" نعم يا سيدتي."
(هياء) وهي تسير مبتعدة عن المنزل بتجهم : "لقد نفذت ما طلبه مني أبي وأطعمت قبيلة كاملة من الأوباش المتوحشين."
تستمر القصة أدناه
(حليمة) وهي لا تزال واقفة عند شرفة المنزل وتنظر داخل السلة: "بقيت واحدة."
(هياء) وهي تلتفت بعصبية: "عن ماذا تتحدثين؟!"
(حليمة) تمد يدها داخل السلة وتخرج كعكة منها وترفعها أمام نظر (هياء): "بقيت كعكة محلاة واحدة.."
(هياء) بتجهم:" وهل هذه الكعكة اليتيمة كافية لإطعام هذا الحي الراقي؟!"
(حليمة) تعيد الكعكة للسلة وتسير نحو (هياء):" كما تشائين يا سيدة (هياء)، سنعود للقصر."
أطلقت (هياء) زفرة خالطتها زمجرة غاضبة أتبعتها بحركات تلويح بقبضتها، وبدأت السير نحو البيت الثالث و(حليمة) تتبعها مبتسمة.
وصلت الاثنتان للمنزل الذي كان مختلفاً عن بقية منازل الحي؛ فقد كان مصنوعاً من الطين بعكس بقية
البيوت الأخرى.
(هياء) تتفحص المنزل بنظرها باستغراب: "أمازالت هناك بيوت من الطين في هذا العالم؟"
(حليمة): "يبدو أن أصحابه فقراء.."
(هياء) بسخرية: "أو قد يكون أصحابهم من رافضي التطور.. هم هكذا في البداية لكن الدنيا تتغير وتُغيّرهم شاؤوا أم أبَو .. و َسيُهْدَم المنزل عاجلاً أم آجلا! "
وقفت (هياء) أمام الباب وبدأت تطرقه بقوة وبطرقات متتابعة..
(حليمة): "لا تطرقي الباب بهذا الشكل يا سيدتي، فقد تزعجين أصحاب المنزل."
التفتت (هياء) إلى (حليمة) بنظرة غضب لتحوّلها فجأة لإحدى ابتساماتها المصطنعة، وعادت بنظرها نحو الباب وبدأت تطرقه برقة واستهزاء واضح.
فُتح الباب..
خرج منه رجل عجوز بلحية بيضاء كثيفة ونظارة بعدسات مربعة صغيرة. كان أصلع الرأس لكن شعر رأسه من الخلف كان طويلاًبعض الشيء. كان يلبس منامة حمراء أنيقة كالمعطف الطويل، وكرشه المستدير يُطل منها. كانت رائحة ذلك الرجل زكية جدا وعبق عطره خرج قبله وأحاط بـ(هياء) و(حليمة) الواقفة خلفها..
ابتسم وقال: "تفضلي يا آنسة، بماذا أستطيع خدمتك؟"
تلعثمت (هياء) في البداية ومدت يدها خلفها ونظرها لا يزال يحدق بذلك الرجل المبتسم لها، وبدأت تقبضها وتبسطها أمام (حليمة) في إشارة لها كي تضع الكعكة فيــها، لكــن (حليمــة) كــانت تحــدق بــالرجل وسـارحة فـي ابتسـامته المشـعة، ومسـحورة بعطـره النفـاذ الـذي حاصـرها. التفتـت (هيـاء) إلـى مربيتـها، وعنـدما رأتـها بتلـك الحالة سحبت السلة من قبضتها وأخرجت الكعكة ومدتها للرجل وهي تقول: "تفضل!"
تستمر القصة أدناه
(الرجل المسن) وهو يأخذ الكعكة من يدها مبتسماً:"شكرا لكرمك يا آنسة"
(هياء) تبتسم وتهم بالرحيل..
(الرجل المسن) بتعجب:" إلى أين؟!"
(هياء): "سنعود للقصر.."
(الرجل المسن) يرفع نظره ويوجهه للقصر الكبير الواقع أمام منزله: "أنتم جيراننا الجدد إذا؟ "
(حليمة) وهي لا تزال سارحة في الرجل:" نعم"
(هياء) تضع سبابتها على شفتيها في إشارة لـ(حليمة) بالصمت، ثم تقول للرجل المسن: "نعم.. نحن جيرانكم الجدد."
(الرجل المسن) وهو يقبض الكعكة بيده: "هذه البادرة الطيبة تدل على أنكم من عائلة كريمة تقدر الأصول."
(هياء) بابتسامة صفراء: "نعم.. نعم.."
(الرجل المسن) وهو يدخل منزله مبتسماً ويترك بابه مفتوحاً :" يجب أن أهديك شيئاً بالمقابل.."
(هياء) بتوتر:" لا.. لا.. نحن راحلتان."
لم تستطع (هياء) إيقاف الرجل، وأخذت نصف خطوة داخل منزله، وبدأت تنادي بصوت مرتفع:" لا داعي لذلك يا عم!.. نحن راحلتان!"
لم يرد الرجل المسن، فالتفتت (هياء) إلى مربيتها وقالت لها: "هيا لنرحل."
(حليمة): "لِم الاستعجال؟.. من غير اللائق أن نرحل هكذا دون أن نودعه."
(هياء) بتجهم :" نحن هنا لتوزيع الكعك وليس لتبادل الهدايا!"
(حليمة):" لا ضير في الانتظار."
(هياء): "أنا سأنتظر.. عودي أنت."
(حليمة): "لكن.."
(هياء) بعصبية: "عودي يا (حليمة) ولا تجادليني!"
(حليمة): "وماذا أقول للسيد الكبير؟"
(هياء) وهي تمد السلة الفارغة لمربيتها:" انتظريني عند الحارس، ولا تدخلي المنزل حتى أعود."
(حليمة) وهي تأخذ السلة بحزن: "أمرك!"
(هياء) باستغراب: "ما بك؟"
(حليمة) وهي تهم بالرحيل: "لا شيء يا سيدتي."
رحلــت (حليمــة) وبقــيت (هيــاء) تنتظــر الرجــل المســن لتودعــه بلباقــة لكنــه تــأخر. انتظــرت مــدة طويلــة، وخــلال ذلـك الانتظـار بـدأت تتفحـص بنظرهـا المـنزل، فقـد كـان كــالمتحف، ومعظــم مــا فيــه مــن أثــاث مصــنوع مــن الخشــب، اللوحـات الجميلـة التـي كـانت معلقـة علـى ولفــت نظرهــا أيضــًا جـدرانه، والسـجاد الفخـم المفـروش علـى أرضيته؛ فبالرغم من صغر سنها إلا أن خبرتها في التحف كانت جيدة بحكم هواية أبيها في جمعها. كان يتوسط سقف المنزل ثريا كريستالية ضخمة بالرغم من صغر المنزل نسبيا.
تستمر القصة أدناه
بقيت (هياء) تحدق بتلك الثريا وهي مبهورة بها وبتلامع قطعها مع نور الشمس الذي اخترق باب المنزل المفتوح. قررت بعدها الرحيل، ولكن بعدما أخذت بضع خطوات مبتعدة عن المنزل تذكرت أنها لم تغلق الباب، فعادت أدراجها وأمسكت بالمقبض وبدأت تسحبه لإغلاقه، لكنها توقفت عندما سمعت ضحكات الرجل المسن آتية من غرفة في أقصى المنزل.
كانت ضحكاته عالية وتدل على سعادة كبيرة. أثارت تلك الضحكات فضول (هياء)، لدرجة أنها تخلت عن
حذرها وأخذت بضع خطوات داخل المنزل مرة أخرى، وعندما انتصفت في غرفة المعيشة كررت نداَءها للرجل وقالت: "يا عم!.. هل أنت بخير؟"
رد الرجل المسن بصوت مبتهج وقال:" نعم يا عزيزتي!.. سأكون معك خلال لحضات!"
وقفت (هياء) متعجبة من الرجل ومن طريقته في الكلام..
سمعت بعدها صوت باب يُغلق، صادرا من المكان الذي سمعت فيه ضحكات الرجل. وبعد ثوان خرج أمامها وهو يحمل تحت إبطه كتاباً ضخماً، وفي يده الأخرى
زهرة جافة. تقدم الرجل بضع خطوات نحو (هياء) التي شعرت بالارتياب والتوتر لسبب ما، لكن الرجل مر بجانبها وغمز لها بابتسامة عريضة وأكمل مسيره نحو غرفة المعيشة، وجلس على كنبة كبيرة من الجلد، ووضع الكتاب على منضدة بجانبه ثم أشار لها بالاقتراب منه وهو يبتسم بوجنتيه الممتلئتين والمحمرتين.
ترددت (هياء) في الاقتراب في بادئ الأمر، لكن كون الباب الرئيسي للمنزل مفتوحاً بث ذلك شيئاً من الاطمئنان في صدرها، وتقدمت بخطوات حذرة نحو الرجل المسن ذي اللحية البيضاء والكرش المتدلي، وعندما استقرت أمامه قالت: "أستأذنك بالرحيل يا سيدي.."
(الرجل المسن) وهو يضحك ويمد الزهرة البنفسجية التي كانت بيده:" ألن تأخذي هديتك قبل أن ترحلي؟"
مدت (هياء) يدها على استحياء وتوتر، وأخذت الزهرة من يد الرجل المسن. وقبل أن تشكره قال لها بصوت عال ومبتهج: "استنشقي عبيرها!"
في تلك اللحظة بدأت (هياء) تشك بذلك المسن، فطلبه كان غريباً وغير مألوف، وشكت أن تلك الزهرة تحتوي على مادة مخدرة أو شيء سيلحق بها الضرر، لكن شــكوكها تبــددت عنــدما انحنــى الرجـل وألصـق بتـلات الزهـرة الجافـة بأنفـه، وأخـذ شـهيقاً قويـًا أتبعـه بزفـرة أقـوى وهـو مغمـض العـينين:" لـن تشـمي عبـيرا كعبيرهـا.. أعدك بذلك."
(هياء) والارتياب لا يزال يعتريها: "لا بأس سأستنشقها لاحقا"
(الرجل المسن) مبتسماً:" كما تشائين."
قبضت (هياء) على الزهرة بيديها، وبدأت تراقب الرجل المسن وهو يضع الكتاب الكبير الذي أحضره معه في حجره، ويُخرج منديلاً قطنياً صغيرا، ويبدأ بالنفخ على نظارته ويمسحها بقطعة قماش، وخلال ذلك نظر الرجل المسن للعدسات التي كان ينظفها قائلا:ً "يبدو أنك مرتابة مني.."
تستمر القصة أدناه
(هياء) بتوتر: "لا، أبدا، لكني تأخرت ويجب أن أعود للمنزل."
(الرجل المسن) وهو يلبس نظارته: "هل يمكن أن تقدمي لي خدمة أخيرة قبل رحيلك؟"
(هياء) بتوجس: "ماذا تريد؟"
(الرجل المسن) وهو يشير لطاولة كانت على بُعدٍ يسير منه: "هل يمكن أن تحضري لي الكعكة التي قدمتِها لي، لقد وضعتها على تلك الطاولة هناك."
التفتت (هياء) حيث كان يشير الرجل المسن، ورأت الكعكة على الطاولة وقد كانت على صحن ومقطعة إلى أربع قطع، وبجانبها كوب يتصاعد منه بعض الأبخرة.
توجهت للطاولة ووضعت الزهرة الجافة عليها، ثم أمسكت بالصحن وبمجرد أن رفعته سمعت الرجل المسن يقول من خلفها: "وأحضري معها ذلك الكوب."
(هياء) وهي تنظر داخل الكوب: "ما هذا الكوب؟"
(الرجل المسن) وهو يفتح الكتاب الذي كان في حجره: "قهوتي الصباحية."
أمسكت (هياء) الكوب، وبدأت تمشي تجاه الرجل المسن، وعندما وصلت إليه لم يرفع رأسه أو يحول نظره من صفحات الكتاب وقال:" ضعيها على المنضدة بجانبي."
نفذت (هياء) ما طلبه الرجل، وبعد انتهائها من ذلك قالت:" يجب أن أذهب الآن."
(الرجل المسن) وهو يطالع الكتاب بتركيز: "حسناً"
أخذت (هياء) بضع خطوات نحو باب الخروج، لكن ما إن وضعت قدمها على عتبة الباب حتى توقفت للحظات، ثم عادت أدراجها نحو الرجل المسن الذي كان لا يزال يطالع الكتاب وقالت: "الزهور الجافة لا تملك رائحة بالمناسبة!"
رفع الرجل المسن رأسه ونظر لـ(هياء) ثم أنزل نظارته بسبابته وبدأ ينظر إليها بصمت..
(هياء) وهي تستأنف حديثها:" كنت أريد فقط أن أخبرك ذلك كي لا تظن أني غبية."
(الرجل المسن) وهو ينزل نظره للكتاب ويعود للقراءة: "حسناً"
وقفت (هياء) تراقب الرجل المسن وهو يتصفح لفترة قصيرة ثم قالت: "ما الذي كان يُضحكك؟"
(الرجل المسن) وعينه على الكتاب: "ألم تقولي إنك راحلة؟"
(هياء): "بلى، لكن أريد معرفة سبب ضحكاتك المجلجلة منذ قليل؟"
1
أغلق الرجل المسن الكتاب ووضعه على المنضدة، وأمسك بقطعة من الكعك المحلى ووضعها في فمه وبدأ يلوكها، ثم أتبعها برشفة من قهوته الساخنة، ثم قال: "كنت سعيدا لأني وجدت شيئاً خلال بحثي عن هديتك.. شيئاً بحثت عنه لزمن طويل وظننت أني فقدته ولن أجده أبدا."
تستمر القصة أدناه
(هياء): "ماذا وجدت؟"
(الرجل المسن) وهو يضع كوب القهوة على المنضدة ويرفع الكتاب:" وجدت كتابا ."
(هياء) باستغراب: "كل تلك الضحكات والسعادة لأنك وجدت كتاباً.. يبدو أن حياتك فارغة تماما."
(الرجل المسن) وهو يلبس نظارته ويفتح الكتاب ويمعن في صفحاته: "ماذا تقصدين؟"
(هياء):" أقصد أنه لا يوجد كتاب يستحق كل تلك السعادة، فهو مجرد بعض الأوراق التي تحتوي على كلمات."
(الرجل المسن) وعينه على الكتاب:" أفهم من ذلك أنك لم تستمتعي بقراءة كتاب من قبل؟"
(هياء) وهي تتوجه للأريكة المقابلة للرجل وتجلس عليها: "لو لم أكن مجبرة على قراءة كتب المدرسة لما قرأت كتاباً واحدا ."
2
(الرجل المسن) وهو يقلب صفحة من الكتاب الذي كان بيده:" ألهذه الدرجة تكرهين القراءة؟"
(هياء) وهي تُسند ظهرها إلى الأريكة وتضع كفيها خلف رأسها: "وأكثر من ذلك.. أخبرني الآن َ لِم لا تتطور وتبيع هذا المنزل المهترئ؟.. يمكنك الحصول على الكثير من المال مقابل بيعه؛ فهذا الحي لا يزال ذا قيمة عقارية بالرغم من قدمه.. هذا ما يقوله أبي."
(الرجل المسن) وعينه على كتابه:" لا رغبة لي بالمال.."
(هياء) وهي لا تزال تتفحص المكان بنظرها:" الحياة لا طعم لها بلا مال؟.. لا شيء أجمل من المال..صدقني؟"
(الرجل المسن) وهو يقلب صفحة من الكتاب بين يديه: "المال أحيانا غشاوة تُعمينا عن الجمال.."
(هياء) بسخرية: "وما مصدر الجمال في حياتك؟.. لا أرى سوى جدران من الطين وأثاث يكسوه الغبار."
(الرجل المسن) وهو يرفع نظره لـ(هياء) مبتسماً: "لقد عشت في هذا المنزل ألف حياة وحياة.. ولا يوجد في حياتكم ما يبهرني أو يشد انتباهي. "
3
(هياء) بضحكة ساخرة: "من قراءة الكتب فقط؟!.. يبدو أن حياتك فارغة بالفعل ولا تملك الكثير لتقوم به."
(الرجل المسن) وهو يعود بنظره للكتاب: "بلى، لا أملك الوقت الكافي لأقوم بكل ما أريد القيام به.."
(هياء):" وقت ماذا الذي تريده؟!.. أنت لا تقوم بشيء سوى الجلوس والقراءة واحتساء الشاي . "
(الرجل المسن) وهو يقلب الصفحة وعيناه على الكتاب: هذه قهوة وليست شاياً . "
(هياء) بتذمر: "أيا كان! الخلاصة هي أنك رجل لا يملك حياة حقيقية، لذلك فضلت الهروب منها بواسطة بعض الكتب الفارغة!"
تستمر القصة أدناه
(الرجل المسن): "لا يوجد كتب فارغة في هذه الحياة، إنما هناك عقول فارغة فقط.."
(هياء) بسخرية: "الكتب للفارغين الذين لا يملكون حياة!"
(الرجل المسن) وهو يرفع نظره لـ(هياء):" كم كتاباً قرأت في حياتك؟"
(الفتاة):" إذا لم تحسب كتب الدراسة التي أجبر عليها.. فصفر."
1
(الرجل المسن) يبتسم ويستأنف مطالعة الكتاب بصمت..
بقيت (هياء) تحدق بالمكان وتتفحصه بنظرها خلال قراءة الرجل لكتابه، وبعد دقائق مد المسن يده وأمسك بكوب القهوة وأخذ رشفة أخرى منه، وقال: "ألم تكوني على عُجالة للرحيل.. لِم لا تزالين هنا؟"
(هياء) وهي تحرك سيقانها للأمام والخلف من على طرف الأريكة وتنظر للسقف: "لا أعرف.. منزلك مريح للنفس."
ابتسم الرجل المسن ولم يردّ على (هياء) وأكمل القراءة..
(هياء) وهي تحاول اختلاس النظر لمحتوى الكتاب بالرغم من بُعد المسافة بينها وبين (الرجل المسن): "عن ماذا تقرأ؟"
(الرجل المسن) وهو يقلب صفحة من الكتاب: "لا يهم عن ماذا أقرأ، بل لماذا أقرأ؟"
(هياء): "ولماذا تقرأ؟"
(الرجل المسن) وعيناه على صفحات الكتاب: "عندما كنت صغيرا أخبرت أبي أني أريد السفر لبلاد أخرى كي أرى العالم."
(هياء) وهي تبتسم مبتهجة: "أنا أعشق السفر!.. أبي يأخذني كل صيف لبلاد جديدة! كم بلدا زرت؟!"
(الرجل المسن): "أبي لم يكن ميسور الحال كأبيك، لكنه دلني على طريقة أسافر بها لأماكن كثيرة."
(هياء): "بأن تأخذ قرضاً من البنك بالطبع لأنكم فقراء."
(الرجل المسن) وهو يبتسم ويحدق بالكتاب بين يديه: "أهداني كتاباً وطلب مني قراءته."
(هياء) بوجه محبط: "هل كان يعاقبك لأنك طلبت منه السفر؟"
3
(الرجل المسن) وهو يقلب الصفحة:" بل منحني حياة أخرى مازلت أعيشها إلى اليوم."
(هياء): "كيف؟"
(الرجل المسن):" القراءة غفوة كبيرة عن عالم اليقظة.."
(هياء) بسخرية: "لا تبالغ."
(الرجل المسن) وهو يغلق الكتاب ويوجه نظره للفتاة: "ما اسمك؟"
(هياء): "(هياء).. ما اسمك أنت؟"
1
(الرجل المسن): "الأمين..."
تستمر القصة أدناه
(هياء): "تقصد (أمين)؟"
(الرجل المسن): "لا (الأمين)."
(هياء): "أمين ماذا؟"
(الرجل المسن):" أمين المكتبة."
(هياء): "هذا لقب وليس اسما.. هل كنت تعمل أمينا لمكتبة ما في السابق؟ هل هذا هو سر حبك غير المبرر للقراءة؟"
(الرجل المسن): "كنت وما زلت..."
(هياء): "هل تمانع لو ناديتك بـ(أمين) فقط؟"
(الرجل المسن) مبتسماً: "لا بأس يا (هياء).."
(هياء) وهي تبتسم: "وأين مكتبتك يا (أمين)؟"
(أمين) مبتسماً: "كنت أظن أنك لا تحبين الكتب."
1
(هياء) وهي تضحك:" ما زلت لا أحبها، لكني أريد أن أرى تلك المكتبة التي تمتلكها.. أنت تملك واحدة، أليس كذلك؟"
(أمين):" نعم.. مكتبة ورثتها عن أبي وهو ورثها عن جدي.. فأنا مثل أبي وهو مثل أبيه من قبله نعاني مشكلة في قراءة الكتب العادية..."
(هياء): "مشكلة؟.. مشكلة من أي نوع؟"
(أمين) مبتسماً:" عندما كنت صغيرا تعرضت للمضايقة من زملائي في المدرسة بسبب القراءة."
(هياء) وهي تضحك:" ربما لأنك كنت دودة كتب مملة."
(أمين) وهو يبتسم: "ربما..."
(هياء) وهي تنظر حولها: "لا أرى أي كتب هنا."
(أمين) وهو يضع الكتاب الذي كان في حجره على المنضدة:" مكتبتي ليست هنا."
(هياء) وهي توجه نظرها نحو (أمين): "أين إذا؟"
(أمين): "حيث كانت لسنوات.. في السرداب."
(هياء) بقلق: "سرداب؟"
(أمين):" إذا وثقت بي يوما فسوف أركي إياها."
(هياء): "ماذا تقصد ،إذا وثقت أنا بك؟... تقصد، إذا وثقتَ أنت بي!"
(أمين): "عندما تقبلين هديتك وقتها سأعرف أنك واثقة بي..."
وجهت (هياء) نظرها للزهرة البنفسجية الجافة على الطاولة وبدأت تنظر إليها، وخلال نظرها طُرق الباب تلاه صوت (حليمة) وهي تقول: "سيدة (هياء)، لقد تأخرنا في العودة.. هل أنت بخير؟ "
(هياء) وهي تنظر لـ(أمين)، وتقول بصوت مرتفع مسموع لـ(حليمة): "أنا بخير يا (حليمة)، لا تقلقي!... عُودي وسألحق بك بعد قليل! "
(حليمة) من عند عتبة باب المنزل: "يمكنني الانتظار هنا لو رغبت!"
(هياء) وهي تمد يدها وتلتقط الزهرة البنفسجية الجافة وتستنشقها وعينها على أمين:" لا!.. عودي لبوابة القصر وانتظريني هناك!"
(حليمة) وهي ترحل: "أمرك يا سيدتي."
(أمين) مبتسم: "كيف وجدت عَبَقها؟"
(هياء) وهي منبهرة:" لم أستنشق عبيرا زكياً بهذا الجمال في حياتي.. كيف لزهرة جافة أن تحمل كل هذا الأريج؟"
(أمين) وهو ينهض مبتسماً: "هل ترغبين في رؤية مكتبتي الآن؟"
(هياء) وهي تضع الزهرة على الطاولة وتنهض مبتسمة:" نظرة سريعة فقط."
توجه الرجل المسن للمكان الذي أتى منه سابقاً ولحقت به (هياء)...
••••