وهج البنفسج - 4- "النافذة الصغيرة" - بقلم اسامه المسلم - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: وهج البنفسج
المؤلف / الكاتب: اسامه المسلم
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: 4- "النافذة الصغيرة"

4- "النافذة الصغيرة"

في منطقة سكنية متواضعة وقف الأهالي يراقبون تسوير مجموعة من المنازل بمبالغ طائلة تفوق قيمتها التي تستحق، والبَدْء المجاورة لهم باعها أصحابها مؤخرا بــهدمها بجرافــات عملــت بــلا انقطـاع حتـى حـولت تلـك البـيوت لأراض خاليـة. بعـد ذلـك بـأيام انقلبـت تلـك المنطقـة المسـورة لورشـة عمـل وبنـاء كبـيرة. كـانت الأحـاديث الجانبية التي تدور بين سكان الحي تُرجح قيام مجمع تجاري أو سكني كبير في تلك الرقعة الشاسعة، لكن مع مرور الأيام اتضحت معالم ما كان يُبنى على تلك ر وفخٌم بتصميم هندسي لافت، وباحة يمكنها ضم عدة بيوت الأرض، وهو قصر كبير . انتهى تشييد ذلك القصر الفخم خلال أشهر قليلة؛ لأن العمل على إقامته لم ينقطــع. كــان أهــالي تلــك المنطقــة يتــابعون تطــورات البنــاء يوميــًا لــيلا أو نــهارا خــلال ذهابــهم وإيابــهم مــن أعمالــهم، وكـان بعضـهم متحمسا لمعرفـة َمن هـم الجـيرانهم الجدد، ولِم اختاروا الإقامة في حيّهم المتواضع، فالأحياء التي يقيم فيها الأثرياء معروفة، وحيهم لم يكن من تلك المناطق المحسوبة على الطبقات المخملية، حتى إن الحي الذي أقيم فيه القصر لم تكن جميع الخدمات البلدية قد وصلت إليه بعد لكن خلال البناء قامت البلدية بإيصال جميع تلك الخدمات في وقت قياسي، مما عاد بالفائدة على أهالي الحي وبعض الأحياء المجاورة للقصر. علــم النــاس بانتــهاء أعمــال البنــاء والتشــطيب لــذلك القصــر عنــدما بــدأت أنــوار ســوره العظـيم تُشـع لـيلا وتنـير الشـوارع المحيطـة بـه، وكـذلك عنـدما بـدؤوا يلاحظـون شــاحنات نقــل الأثــاث وهــي تــدخل مــن بوابــة القصــر الكبــير علــى مــدى خمســة أيــام. تعــرف أهــالي الحــي بعـد أشـهرٍ طويلـة مـن مراقبـة تشـييد القصـر إلـى الأسـرة التـي ستقطن فيه بعدما دخلت حيّهم سيارتان فارهتان تتوسطهما سيارة ثالثة أكثر فخامة و اكبر حجما . توقفت السيارات الثلاث عند بوابة القصر، وبدأ بعض أهالي الحي يتجمعون على بعد منها دون الاقتراب في رغبةٍ منهم لإلقاء نظرة على جيرانهم الجدد. ترجل من السيارتين الفارهتين مجموعة من الرجال، وتقدم أحدهم وفتــح البـاب الخلفـي للسـيارة الثالثـة الكبـيرة، لـينزل منـها رجـل كـانت علامـات الثـراء باديـة عليـه، تتبعـه فتـاة صـغيرة فـي الثانيـة عشـرة مـن عمرهـا تقريبـًا لا تقـل عنـه أناقة، بل زادت عليه بالحلي التي كانت تلبسها وحقيبتها اليدوية باهظة الثمن. بقي الرجل يُحدّق بمنازل الحي التي كانت أمام قصره وعلى وجهه نظرة انتشاء، فقام أحد وكأنه حقق حلماً كان يحلم به طويلا.ً STORY CONTINUES BELOW أخرج من جيبه غليوناً خشبياً ، فقام احد الحراس بإخرج قداحة مذهبة ألصق شعلتها بطرف الغليون، فأخذ الرجل نََفسا ً من الدخان ونفثه في الهواء قبل أن يعود مع الفتاة للسيارة، ليغلق الحارس خلفهما الباب بكل حذر وهدوء، ويعود هو وبقية الرجال لسياراتهم التي تحركت بمرافقة السيارة الكبيرة لداخل القصر. أمام بوابة القصر بدأ الناس الذين شاهدوا ذلك المنظر بالحديث في ما بعد أن غلقت ُ بينهم، وبدأت التكهنات حول هوية ذلك الرجل الثري، وعن سبب اختياره لحيهم المتواضع للسكن فيه. ُحسم الجدال عندما تحدث رجل مسن وقال إنه تذكر ذلك الرجل، وإنه كان يسكن مع أهله في الماضي في هذا الحي، وتحديدا في أحد المنازل التي أقيم عليها القصر، وأنه قد ترك الحي مع عائلته منذ زمن طويل وباعوا منزلهم بعدما خسر أبوه عمله، واضطروا للانتقال لمكان آخر يتناسب مع أحوالهم المادية المتردية. قاطعه أحد الأهالي الواقفين، وقال: "يبدو أنك مخطئ يا أبا عبدالرحمن فهذا الرجل لا يبدو أنه عرف الفقر في حياته قط". رد الرجل المسن بالقول:"وهل الأغنياء يولدون أغنياء؟" ضحك الرجل الذي شكك في كلام المسن وقال:"أغلبهم نعم" ًبدأ الرجل المسن بالتحرك مبتعدا عن الناس المجتمعة وهو يقول:"أعرف ما رأيت، ولا يهم إن كنتم تصدقونني أم لا". •••• مضت الأيام وتلاشى فضول الناس تدريجيا بالقصر وقاطنيه، خاصة أن بوابة القصر لا تُفتح إلا نادرا، وعندما تفتح لا يخرج منها سوى العاملين أو الحراس ولم يشاهد أحدٌ ذلك الرجل الثري أو الفتاة التي كانت ترافقه بعد ذلك. لكن هذا الأمر تغير عندما فُتح باب القصر عصر أحد الأيام، وخرج أربعة حراس بزي موحد وانتشروا بشكل منتظم عند مدخل القصر لتخرج خلفهم تلك الفتاة ومعها امرأة مسنة تحمل سلة خشبية مغطاة بقطعة من القماش، وبدأت بالسير والحراس حولها نحو أحد البيوت في الحي. لم يكن في الحي ذلك الوقت الكثير من الناس سوى بعض المارة ومجموعة من الصبية الذين كانوا يلعبون الكرة في وسط الشارع، وجميعهم توقفوا ليراقبوا تلك الفتاة وهي تسير نحو أحد المنازل المقابلة للقصر. عندما وصلت الفتاة لباب المنزل رمقت أحد الحراس بنظرة لتشير له بطرق الباب ففعل، وعندما فُتح خرج رجل بملابس متواضعة، وبمجرد رؤيته للحراس جزع وقال وهو يرتعد: " أنا لم أفعل شيئاً؛ لقد كنت في المنزل طَوَال اليوم!" قالت (الفتاة) بابتسامة مصطنعة: "مساء الخير.. نحن جيرانكم الجدد، وقد أتيت كي أعبر لكم عن امتناني لقبولكم لنا في حيكم." حــدق الرجــل بتعــجب فــي تلـك الفتـاة المتأنقـة وهـي تحـدثه بلطـف، ولباقـة كـان مـن الواضـح أنـها مصـطنعة وأنـها مجبـورة عليـها، وقبـل ان يرد أشـارت الفتـاة للسـيدة المسنة التي كانت بجوارها وتحمل السلة المغطاة، فأخرجت السيدة منها قطعة من الكعك التي بطر فيها مبلغ كبير من المال، وقدمته للرجل الذي نظر لقطعة الكعك والمبلغ المربوط بها وقال باستنكار: "ما هذا؟" تستمر القصة أدناه (الفتاة) وهي تتصنع الابتسام والابتهاج: "شيء بسيط يعبر عن امتناننا." (الرجل) بتجهم : "امتنانكم على ماذا؟" (الفتاة) وحاجبها يرتعش في محاولة لكظم غيظها من كلام الرجل وشفتاها ترتديان ابتسامتها المصطنعة مجددا:" لأنكم استقبلتمونا في حيكم الجميل." (الرجل) وهو يغلق الباب بقوة: "لم يستشرني أحد قبل قدومكم!" تحــولت ابتســامة الفتــاة لتجــهم وصــرخت فــي مرافقيــها بــالعودة للقصـر، وبـالفعل عـادوا والفتـاة تتـذمر وتتمتـم بكلمـات لـم تكـن:فـورا مسـموعة للنـاس الـذين كـانوا يراقبونها، لكن من الواضح أنها كانت كلمات بذيئة. دخلت الفتاة القصر ودخلت خلفها السيدة العجوز وهي تحمل السلة الخشبية، ووقف الحراس عند الباب الــذي أغلقتــه الفتــاة بقــوة نجــم عنــها صـوت ارتعـدت لـه أرجـاء المكـان. جلسـت الفتـاة وهـي تسـتشيط غضـبا علـى إحـدى الأرائـك الفخمـة فـي القصـر وهـي تقـول بصـوت مرتفع: "هذا جزاء من ينزل لمستوى الرعاع!" (السيدة العجوز) وهي تضع السلة على المائدة وتجلس عند قدمي الفتاة وتبدأ بخلع حذائها: "لا تزعجي نفسك يا سيدة (هياء) فهم لا يعرفون قدرك." (هياء) بعصبية:اسكتي يا (حليمة) فهذا ليس ذنبك، بل ذنب أبي الذي أجبرني على ذلك !" (الأب) بهدوء وهو ينزل من الطابق العلوي ممسكاً بغليون في يده: "هل انتهيت من توزيع الكعك بهذه السرعة؟" لم ترد (هياء) على أبيها، بل اكتفت بالتجهم وضم ذراعيها.. (حليمة) تنهض من أمام الفتاة برهبة لقدوم السيد الكبير، وتأخذ بضع خطوات للوراء وتقف مطأطِئَة ُ رأسها للأرض وكفها اليُمنى على كفها اليُسرى.. اقترب الرجل من ابنته بخطوات بطيئة، ثم جلس بجانبها وهي متجهمة وتنظر للجهة الأخرى بصمت وعيناها تتفجران غضباً . (الأب) وهو يضع بعض التبغ في غليونه: "ما بك؟" (هياء) بعصبية ووجهها مدار عن أبيها: "لا شيء!" وجه الأب نظره للسلة على الأرض، ثم وجه كلامه لـ(حليمة) وقال:" هل أعددت الكعك المحلى كما أمرتك؟" (حليمة) وهي تهز رأسها بالموافقة برهبة وبصوت مرتعب: "نعم يا سيدي!" (الأب) وهو ينفخ سحابة من الدخان ويرفع القماشة التي كانت تغطي السلة ويلقي نظرة بداخلها: "ما هذا المربوط بالكعك؟" (حليمة) ويداها ترتجفان: "بعض المال يا سيدي." (الأب) بغضب وصوت مرتفع جدا:" و من طلب منك وضع أموال مع الكعك؟!.. طلبت منك صنع كعك فقط!" تستمر القصة أدناه (هياء) وهي تصرخ في أبيها: "لا تصرخ في (حليمة) يا أبي!.. لقد كانت فكرتي أنا!" (الأب) بتعجب: "فكرتك؟.. ما هذه الفكرة الغبية؟!" (هياء) وهي تشيح بنظرها عن أبيها بوجه عابس: "كنت أريد إدخال السعادة في قلوب جيراننا البؤساء بإعطائهم بعض المال." (الأب) بتجهم : "لقد أهنتهم بفعلتك هذه!" (هياء) بسخرية: "لا يمكن إهانة الأوباش." نهض الرجل وصفع ابنته وقال لها بغضب: "لو قلت مثل هذا الكلام عن أهل الحي مرة أخرى فسترين سخطي الحقيقي." نهضت (هياء) من مكانها وبدأت تصرخ في أبيها وتقول: "أعرف أنك لا تحبني وتتحيّن الفرصة لتُهينني.. هيا!.. اضربني أكثر كي ترتاح!" همَّ الرجل بتوجيه صفعة أخرى لابنته، لكن (حليمة) أطبقت على يده بكلتا يديها وبدأت تقبلها وتبكي وتقول:" أرجوك يا سيدي.. أرجوك اِصفح عنها!" بقي الرجل يُحدق بعيني ابنته الدامعتين بغضب لفترة، ثم أنزل يده وقال: "انزعي لفافات الأموال من الكعك يا (حليمة)!" (حليمة) وهي تترك يد السيد وتتوجه باكية نحو السلة وتحملها وتهم بالتوجه نحو المطبخ.. (الأب) وعينان لا تزالان تحدقان بعينَي (هياء) الدامعتين والغاضبتين: "انتظري يا حليمة!" أدارت (حليمة) نظرها نحو السيد، ثم وقفت مكانها متسمّرة ودموعها تتساقط على قطعة القماش الحمراء التي غطت السلة. (الأب):" هي من سيفك لفافات الأموال!" (حليمة) بصوت وَجِل: "يمكنني القيام بذلك.." رفع السيد يده في وجه (حليمة) لإسكاتها وعيناه تنظران لـ(هياء) بغضب.. زفرت (هياء) بسخط وتوجهت نحو (حليمة)، وانتزعت السلة من قبضتها وصعدت للطابق العلوي حيث كانت غرفتها. (الأب) لـ(حليمة) وهو يراقب ابنته تصعد للطابق العلوي: "غدا من أول الصباح ، ستخرجين أنت معها فقط بدون الحراس، وستوزعان الكعك على جميع الجيران." (حليمة):" لا أريد رفض أوامرك يا سيدي، لكن السيدة (هياء) صغيرة وأنا لا أستطيع حمايتها وحدي من أي خطر قد تتعرض له." (الأب) وهو يجلس على الأريكة ويقول بحسرة: "أي خطر يا (حليمة)؟.. لقد تربيت في هذا الحي، وأهله من أطيب الناس الذين قابلتهم في حياتي.. وهذا هو سبب انتقالي إلى هنا.. أريد أن تتعلم ابنتي معنى الاختلاط بالناس البسطاء." (حليمة):" السيدة (هياء) اجتماعية وكانت تملك صداقات كثيرة في حينا السابق." (الأب) وهو يضع بعض التبغ في غليونه:" كل صداقاتها السابقة كانت بلا معنى وبلا هدف، وتافهة مثل أصحابها." (حليمة) تنزل رأسها وتصمت.. (الأب) وهو يبحث في جيبه : "ابنتي فقدت أمها منذ الصغر ولا تعرف من دروس الحياة شيئاً " هرع أحد الحراس الواقفين عند الباب نحو السيد عندما رآه يبحث عمّا يُشعل به غيلونه ومد له قداحته المذهبة التي اعتاد أن يشعل بها غليون سيده، وبدأ يلف بكرتها محاولاًإشعالها، لكن لم يظهر منها سوى الشرر المتطاير دون لهب متقد. (الأب) وهو يخرج من جيبه علبة كبريت ويشعل غليونه بعود ثقاب مبتسماً : "بعض الأشياء لا تخذلك مهما كانت قديمة." (الحارس) وهو يعيد القداحة لجيبه ويبتسم بتوتر: "فعلاًيا سيدي الأشياء القديمة أجمل." (الأب) وهو ينفخ سحابة من الدخان في وجه الحارس:" ومن قال لك إن عود الثقاب أقدم من القداحة؟" (الحارس) بتوتر: "ماذا تقصد يا سيدي؟" (الأب) يضع ساقاً على ساق ويشوح بيده للحارس بالعودة لمكانه.. (حليمة) وهي محنية الرأس: "هل تأمرني بشيء يا سيدي قبل أن أذهب للسيدة (هياء)؟" (الأب) وهو يدخن ويمعن النظر في النافذة الزجاجية الكبيرة أمامه والتي كانت تطل على حديقة القصر: "لا.. لكن لا تنسي ما أمرتك به.. غدا ،توزعان جميع الكعكات على أهل الحي، وهي من ستُقدمها بنفسها." (حليمة):" أمرك." (الأب): "وأخبريها أنه لو بلغني أنها أهانت أحدا أو تصرفت بسلوك مشين، فسوف تعاقب بشدة!" (حليمة) وهي تتراجع للخلف بخطوات متقاربة وحذرة متوجهة للسلم المؤدي للطابق العلوي:" لا تقلق يا سيدي، لن يحدث ما يُسيء لك." صعدت (حليمة) السلالم، فأشار السيد للحراس بجانب الباب بأن يقتربوا منه، وعندما استقروا أمامه قال: "عندما تخرج ابنتي غدا كونوا حولها لكن لا تدعوها تراكم.. أريد أن تشعر بأنها تسير في الشارع وحدها بلا حراسة كما اعتادت." هز الرجال رؤوسهم وعادوا لمكانهم عند باب القصر.. •••••