الفصل الثاني
.*روايه لاتشبهيـﮯטּ آحد🫀☆!*
*البارت5*
*البارت6*
*البارت7*
*البارت8*
الفصل الخامس
طرقت ريم الباب قبل أن تدلف إلي الحجرة، ما ان رأتها خديجة حتي أزاحت عنها غطاء سريرها وأسرعت إليها تقول بحسرة:
شفتي ياريم، شفتي بابا وعمايله، مش قلت لك قلبي مش مطمن، طلباته زايدة قوي ومعجّز يحيي وكأنه قاصد يفركش الجوازة دي، طب والله لو فركشها ماهتجوز أبداً مهما عمل.
ابتسمت ريم تقول بمزاح:
مش هتجوز أبداً مهما عمل، طب وجواد الجمال؟مش كانت عينك منه؟
قالت خديجة باستنكار:.
انتِ بتهزري ياريم؟ وده وقته يعني؟
طب اهدي بس واسمعيني، يابنتي جبتلك الحل في ايدي وأنا جاية.
قطبت خديجة جبينها قائلة:
حل ايه ده؟انتِ تقصدي ايه ياريم؟ اتكلمي بسرعة.
عمك محمود.
ماله؟
روحت وكلمته وفهمته الموضوع كله، وطبعاً انتِ عارفة عمك، انسان متدين و ميرضهوش أبداً التجبر، ده غير انه عمره مابص للأمور المادية دي في جوازات بناته، كمان يبقي أخو والدك الكبير وليه كلمة عليه، أكيد هيكون الحل في ايديه ولا ايه؟هو دلوقت قاعد مع باباكي وبيتكلم معاه، ايه رأيك بقي؟
ازاي مفكرتش قبل كدة في عمي؟ فعلاً محدش هيقدر يقنعه غيره.
لتحتضن ريم قائلة بسعادة:.
انا مش عارفة من غيرك كنت هعمل ايه ياريم؟ ربنا مايحرمني منك أبداً.
ربتت ريم علي ظهرها قائلة بحنان:
ولا يحرمني منك ياقلبي.
طرقات علي الباب جعلتهما ينفصمان ويطالعان زائرهما ترقباً، فأطلت والدة خديجة تقول ببشر:
مبارك ياديجا، باباكي وافق علي يحيي بكل ظروفه، وكل شروطه اتنازل عنها ماعدا شرط واحد.
قطبت الفتاتان جبينهما لتقول خديجة متوجسة:
شرط ايه ده؟
الشبكة، صمم عليها ورفض يتنازل عنها رغم محاولات عمك كلها معاه لإقناعه، استني كدة، ده باباكي بيندهلي هروح أشوف عايز ايه وأرجعلكم تاني.
ما ان أغلقت الباب حتي قالت خديجة بيأس:
المنحوس منحوس، يحيي بس هيجيب منين شبكة بالمبلغ اللي بابا قال عليه ده، يووووه بقي، وأنا اللي قلت خلاص فُرجت أهي اتعقدت تاني.
قالت ريم ببساطة:
هي فُرجت فعلاً والحل المرة دي في ايدك ياديجا.
قطبت خديجة جبينها قائلة:
في إيدي أنا، ازاي بس؟
ابتسمت ريم وهي تمد يدها تسحب بها يد خديجة وترفعها أمامها فالتمعت عينا خديجة وهي تفهم مغزي حديث ريم لينفرج ثغرها عن ابتسامة اتسعت لتشمل وجهها بأكمله فاتسعت ابتسامة ريم بدورها تشارك صديقتها سعادتها لقرب تحقيق حلمها الكبير والزواج من حبيب قلبها.
كانت تُعدل من وضع أوتار كمانها بعصبية بعد أن تشاجرت مع زوجة أبيها لخروجها دون اذن وحين حاولت ريم التبرير، تخبرها أنها حالة طارئة وأن صديقتها كانت بحاجة إليها فاضطرت للمغادرة دون اذن خاصة وقد كانت سندس مشغولة بالحديث علي الهاتف فقوبل تبريرها برفض متعنت ترفض الأخيرة كل الأعذار، تخبرها إنه كان عليها الإنتظار أو الإتصال بخطيبها حتي والإستئذان منه ثم تنهرها عن تكرار خطأها وتأمرها بالدلوف إلي الحجرة دون كلمة.
تتعجب ريم من تصرفات سندس في الفترة الأخيرة، وكأنها تخشي عليها من شيء ما تجهله، ثم انتبهت إلي أن زوجة أبيها تريد منها الاستئذان من خطيبها، عن أي خطيب تتحدث؟ وهي التي لم تراه منذ ثلاثة أيام كاملة أو تسمع صوته حتي يرغب بالكذب الاطمئنان عن أحوالها، رن هاتفها برقم جهاد الذي حفظته عن ظهر قلب، كادت أن تتجاهله ولكنها وجدت أناملها تبحث عن الهاتف وتجيب الإتصال دون ارادة منها، وصلها صوته الملهوف وهو يقول:.
ألو، آنسة ريم.
إذيك ياأستاذ جهاد.
بخير طول ماانتِ بخير، أخبارك ايه؟ انتِ كويسة.
قطبت جبينها، يشعر بها هذا الرجل الغريب وكأنه أقرب إليها من أهلها، هزت رأسها بآلية ثم اكتشفت أنه لا يراها فقالت بهدوء:
أنا بخير.
مش باين صوتك متغير وكأن فيه حاجة مضايقاكي.
متشغلش بالك انت، المهم أخبارك ايه وأخبار والدتك؟ ياريت تكون بخير.
مصممة برضه تخبي عني، عموماً براحتك ياست الكل، في يوم أكيد هتطلبيني وتحكيلي عن كل مشاكلك وتسأليني كمان عن رأيي.
ابتسمت رُغما عنها لمرحه تقول:
واثق في نفسك قوي بس خد بالك لتوصل بثقتك للغرور.
أنا واثق في نفسي أيوة بس عمر الثقة ماهتوصل بيا للغرور لإني عارف نفسي ومكانتي ووضعي وحدودي.
أنا آسفة مقصدتش...
قاطعها قائلاً:.
عارف، سيبك مني دلوقتي وبمناسبة سؤالك عن الست الوالدة فحابب أقولك انها حبيتك قوي من كلامي عنك ليها ونفسها تشوفك وتشكرك علي الوظيفة اللي شغلتيني فيها وعلي كل حاجة عملتيها عشاني.
تشوفني وتشكرني؟انا معملتش حاجة تستاهل الشكر.
ازاي بقي، ده انتِ عملتي معايا اللي محدش في الدنيا عمله قبل كدة، عموماً بقي حلم بالنسبة لماما تشرفي بيتنا المتواضع عشان تتعرف عليكي.
أيوة بس...
صمتت لا تدري بما تجيبه وهي تشعر بأن زيارتها لوالدته ان قامت بها ستقربها أكثر منه وهي لا تبغي قرباً كهذا يضعف قلبها أمامه، ألا يكفيها شخصيته الجذابة ومرحه وقلبه الطيب الذي يفيض حناناً واهتماماً؟
لو بيتنا مش قد المقام أو هنزعجك...
الانكسار بصوته جعلها تقول علي الفور:
لأ طبعا، بيت ايه اللي مش قد المقام، البيت بسكانه ياجهاد، بلغ والدتك انه يشرفني أزورها، حدد اليوم بس وأنا...
قاطعها قائلاً بلهفة:.
بكرة، هنستناكي بكرة.
بكرة كدة علطول.
خير البر عاجله.
كادت أن تؤجل هذه الزيارة ولكنها لحيرتها وجدت نفسها تقول باستسلام:
يبقي هنتقابل بكرة.
تحبي آجي آخدك منين؟
فيه شاطئ جنب بيتي في العجمي هبعتلك عنوانه...
قاطعها قائلاً:
عارفه، هستناكي فيه الساعة 5، تصبحي علي خير ياآنسة ريم.
تلاقي الخير.
أغلقت الهاتف وهي تقطب جبينها متسائلة، كيف عرف عنوانها؟ لتترك اجابة سؤالها للغد تستسلم مجدداً لقدرها الذي يسحبها بقوة تجاه هذا الغريب عن حياتها ولكنه صار أقرب مايكون لقلبها، تشعر معه براحة غريبة لا تشعر بها مع أحد عدا صديقتها خديجة ولن تتساءل الآن عن السبب فقلبها يخبرها أنها تعرفه جيداً ولكنها ستتجاهله متعمدة لتحظي بمزيد من هذا الشعور دون أن تفكر بنتائج الإعتياد عليه.
طرقت الباب ثم دلفت دون أن تنتظر الإذن فوجدته جالساً خلف مكتبه يبدو الحزن علي ملامحه وماإن رآها حتي انفرجت أساريره ونهض يستقبلها قائلاً:
خديجة، إيه المفاجأة الحلوة دي؟
ابتسمت قائلة:
إيه رأيك ياسيدي؟ قلت آجي أتفرج علي مكتبك اللي مشفتوش ولا مرة رغم اننا بنحب بعض من 3 سنين، مش عيب ياباشمهندس متعزمنيش ولا مرة وتقولي أجيلك عشان أتفرج عليه.
شاب ابتسامته بعض الحزن وهو يقول:
المكتب لسة صغير ومش قد...
قاطعته تمسك يده قائلة بحزم:
المكان مش بمساحته ولا تأثيثه يايحيي، المكان بالناس اللي فيه، ووجودك في المكان ده خلاه في عيني أحلي الأماكن.
رقت عيناه وهو يقول:
علطول بتغلبيني بكلامك الحلو ياخديجة وترفعي من روحي المعنوية رغم كل الإحباط اللي في حياتي.
تركت يده قائلة بمرح:
أومال ياباشا ده أنا ديجا منبع الطاقة الإيجابية كلها، بس استني هنا متوهنيش، قولي كان مالك أول ماجيت؟ شايل حلة ستك فوق راسك ليه ياباشمهندس؟
اتسعت عينا يحيي بدهشة قبل أن ينفجر ضاحكاً وهو يقول:
اسمها طاجن ستك، بقولك ايه ياديجا سيبك من الأمثال الشعبية خالص عشان لما بتقولي مثل بتبوظيه.
مش مهم المهم اني بوصل لمعناه وهو المطلوب اثباته، وبرضه مُصّر تتوهني وأنا عايزة أعرف مالك ياكابتن؟
طالعها بعتاب قائلاً:
يعني مش عارفة مالي؟
ابتسمت قائلة:
لأ مش عارفة مالك ياسيدي، نورني؟
قطب جبينه قائلاً:.
هو انتِ مش كنتِ معانا برضه لما والدك فشكل الجوازة ولا أنا بتهيألي؟خديجة، أوعي تكوني جاية تقوليلي خلينا أصحاب والكلام اللي بيقولوه لما بيتفارقوا ده، اوعي تكوني خلاص بتنهي كل اللي بينا لإني وقتها بجد هموت من القهر والوجع.
أمسكت يديه بين يديها قائلة:
بعيد الشر عنك ياقلب ديجا وعمرها كله، انت فاكرني جاية أنهي اللي بينا، أنهي إيه بس؟ ده أنا ماصدقت لقيتك ومستحيل أتخلي عنك مهما حصل، أنا جاية أبشرك.
تبشريني؟!
بابا اتنازل عن كل شروطه وقِبل نتجوز بوضعنا وظروفنا بس اتمسك بشرط واحد من بين كل الشروط اللي قالها.
بعد أن انفرجت أسارير يحيي إثر كلماتها التي بثت السعادة في قلبه، قطب جبينه بعد سماع جملتها الأخيرة قائلاً:
شرط ايه ده؟
الشبكة.
اتسعت عينا يحيي لينفض يده من يدها قائلاً باستنكار:.
ده كان أصعب شرط فيهم، أجيب منين شبكة بخمسين ألف جنيه؟ ده مصمم يعجزني بقي ويفرق مابينا، لأ وانتِ جاية تبشريني، تبشريني بإيه؟ ماهي هي ياخديجة.
ابتسمت قائلة:
لأ ياقلب خديجة، مش هي هي، ديجا لما تقول جاية تبشرك بالفرج وقُرب جوازنا يبقي أكيد مبهزرش، الشبكة جاهزة وتحت أمرك من دلوقت.
قطب جبينه قائلاً:
قصدك ايه؟
أخرجت من حقيبتها علبة مجوهرات وفتحتها أمامه ليظهر طقم ذهبي مرصع بالفصوص، يبدو من مظهره أنه غالي الثمن لينقل يحيي بصره بين الطقم الذهبي وبين خديجة يطالبها بتفسير فأردفت قائلة:
بعت دهبي وجبت الطقم ده، بابا مش هياخد باله أساساً وطبعا هيوافق لما يشوف الطقم قدامه وبكدة أبقي حليت مشكلتنا ونقدر نتجوز في أسرع وقت، إيه رأيك بقي؟
تأملها بحب قائلاً:
انتِ عملتي كل ده علشاني؟
علشانا، عشان نكون مع بعض ماهو مش ممكن هسمح لحاجة بسيطة زي دي تقف قدام وجودنا مع بعض، وبعدين أنا عملت إيه يعني؟ بعت دهبي وجبت مكانه دهب هيبقي بتاعي برضه.
انتِ شايفاها حاجة بسيطة وهي كبيرة قوي بالنسبة لي، واحدة في جمالك وحسبك ونسبك تقدر تكون مع واحد أحسن مني بكتير، يقدر يقدملك كل حاجة ويحقق لك كل أحلامك لكنك صممتي تكوني معايا ورفضتي تتخلي عني رغم ظروفي الملخبطة وكمان بتتنازلي عن كل حقوقك وبتسهلي الطريق قدامي، تفتكري بعد ده كله أنا ممكن أعملك إيه؟
حِبني يايحيي، علي قد ماتقدر حِبني، علي قد مابحبك حِبني، خبيني جوة قلبك واقفل عليا بابه ومتخرجنيش منه غير لقبري.
ضمها قائلاً بلهفة:
بعيد الشر عنك ياحبيبتي.
خرجت من حضنه علي الفور تقول بارتباك:
حيلك حيلك، احنا لسة مكتبناش الكتاب ياباشمهندس.
قال بخجل:
سامحيني ياخديجة، غصب عني وقت ماجبتي سيرة الموت مفكرتش، كل اللي جه في بالي اني أضمك وأحميكي جوة حضني من كل أذي.
ربتت علي يده قائلة بحنان:.
ولا يهمك، أنا مقدرة مشاعرك وعشان كدة مش هعاتبك، أنا همشي دلوقت عشان اتأخرت وهستناك النهاردة بالليل تيجي لبابا وتتكلم معاه عشان تحددوا ميعاد كتب الكتاب والفرح، هستناه يندهلي عشان تلبسني الشبكة بعد مايقولي ايه رأيك ياديجا وأنا اعمل مكسوفة وأهز راسي وأقول اللي تشوفه يابابا.
ابتسم قائلاً:
هستني اللحظة دي بفارغ الصبر.
ابتسمت قبل أن تقول:
أشوفك بخير يايحيي.
أشوفك بخير ياقلب يحيي.
لوحت له قبل أن تغادر وتغلق الباب خلفها بينما أطبق بيده علي علبة المجوهرات، بقوة.
لماذا اختارت هذا الشاطئ مكاناً لتلاقيهم؟ ألم تُحرّم هذا الشاطئ علي نفسها منذ أن علمت بأن له رواداً غيرها كان أحدهم شاهداً علي عزفها الذي أقسمت أن لا يشهده أحد بعد والدها رحمه الله؟ إذا لم العودة لذات المكان؟ ألا تخشي رؤيته مجدداً؟ سخرت من نفسها؟ تخشي رؤيته، وهل هي قادرة علي رؤية أي مخلوق؟
زفرت بقوة، لقد تأخر جهاد في الحضور، كان خطئاً كبيراً منها استسلامها لإلحاحه والحضور لملاقاته كي تزور والدته، هي في غني عن كل هذه التعقيدات، أمسكت كمانها تستعد للرحيل وهي تغمض عيناها تستمع لصوت الأمواج المتلاطمة لآخر مرة، تقول هامسة:.
سامحني مش هقدر أعزف قصادك تاني، مش هينفع حد يسمعني غيرك بعد بابا الله يرحمه، لإنك زيه هتسمعني بروحك مش بعنيك، مش هتحاكمني ولا هتتريأ عليا وتقول عامية بتعزف كمان، بتحبني زي ماأنا وأنا بحبك زي ماانت، في كل حالاتك راضية أكون معاك ويمكن في يوم تكون نهايتي جواك، مين عارف؟الحياة بقت قاسية قوي يابحري وحياتي من غير بابا بقت مملة قوي، أشوفك بقي بخير، جهاد إتأخر وأنا رجعت في كلامي، مش هقرب ماهو ماينفعش أقرب ولا انت ايه رأيك؟ مش قادر تجاوب، محتار زي حيرتي، يبقي همشي، سلام يابحري وأشوفك دايماً بخير.
استدارت ثم تجمدت فجأة وصوته ذو النبرات الرجولية العميقة يصلها قائلاً:
كنتِ هتمشي من غير ماأسمع صوت كمانك أو حتي أتكلم معاكي؟
عقدت حاجبيها بقوة وهي تربط لأول مرة بين صاحب الصوت ومن كانت تتجنب الشاطئ خشية ملاقاته وبين الرجل الذي حضرت اليوم خصيصاً لتراه ثم عدلت عن رأيها، لتتأكد من أنهما شخصاً واحداً تجمعهما نبرات الصوت العميقة كالبحر، كيف لن تنتبه لذلك من قبل؟ لتقول بصدمة:
جهاد هو انت...
صمتت فتأمل ملامحها الجميلة بحنان يطوف بعينيه علي كل خلجة من خلجاتها قائلاً:
أيوة أنا، جيت من بدري واستنيتك وقلت مظهرش قدامك جايز يحالفني الحظ وأسمعك بتعزفي زي المرة اللي فاتت، عزفك كان سحر يا ريم، كل نغمة عزفتيها سكنت قلبي وفضلت في وداني مبتفارقنيش، بسمعها في كل وقت وكأنها معزوفة حياة.
قالت بارتباك:
مش للدرجة دي، دي..
لم تستطع تجميع جملتها فقال هو:.
لأ للدرجة دي وأكتر كمان، عايز أقولك انك أحسن واحدة سمعتها بتعزف كمان في الدنيا.
متبالغش لو سمحت، وبعدين هتسمع ناس بتعزف كمان فين بس؟
قصدك يعني عشان فقير مش هقدر أروح الأوبرا أو أحضر حفلات مهمة، علي فكرة بقي حضرت وحضرت حفلات كتير كمان كجرسون فيها طبعاً وبقولك للمرة التانية ان عزفك كان أحسن من أي حد سمعته بيعزف كمان قبل كدة.
أعادت خصلة شعر وراء أذنها قائلة بارتباك:
أنا مقصدتش أجرحك بكلامي.
وأنا منجرحتش.
يعيد كلماتها التي ألقتها علي مسامعه في المرة الأولي التي التقيا فيها علي هذا الشاطئ، ابتسمت رغماً عنها لنبرة المرح التي شابت صوته ليردف قائلاً:
ابتسامتك حلوة قوي ياريم، بتنور وشك زي شمس نورت سما بعد ليل طويل.
أطرقت برأسها في خجل قائلة:
هو احنا مش هنروح لوالدتك؟ الوقت هيتأخر.
بما اني يإست من سماع عزفك النهاردة يبقي هكتفي بزيارتك لأمي بس مش هقدر أوعدك اني أبطل أطلب منك تسمعيني عزفك، غصب عني، أنا واصل حد الإدمان ياعازفتي.
رفعت رأسها تطالعه بحيرة تهمس مرددة:
عازفتك!
من النهاردة بحلف يمين ماأسمع كمان غير منك انتِ، هعتزل كل العازفين وتكوني انتِ وبس عازفتي.
جهاد!
قال قلبه، عمر جهاد وروحه بينما قال لسانه كلمة حملت حنان الدنيا في أحرفها فهزت قلبها وأصابته برعشة قوية ماان وصلتها..
نعم.
تمالكت نفسها قائلة بارتباك:
من فضلك لو بجد هنكون أصحاب بلاش تتكلم عن عزفي أو تطلب مني أعزفلك، لإني مش هقدر، ده عهد عاهدته علي نفسي مايسمعني حد وانا بعزف واعفيني من التفاصيل.
تنهد قائلاً:
ولو انه طلب صعب جداً لكن عشان خاطر عيونك هيكون أمر، فيه حاجة تانية قبل مانمشي؟
مشت فمشي إلي جوارها تقول هي بابتسامة:
عايزاك تحكيلي عن والدتك زي ماحكيتلها عني، اوصفهالي.
شرع جهاد يوصف والدته ويروي لها قصتها فشعرت ريم بحبه الشديد لوالدته، حباً يشابه حبها لوالدها وكأن جهاد يشبهها حقاً، حين يحب يحب بكل جوارحه ويصبح وصفه للمشاعر حسياً وكأنها تراه وتشعر به، كلية.
يتبع.....
1
الفصل السادس
قالت سندس بحدة:
وأنا أجيبلك فلوس دلوقتي منين ياماجد؟ ماانت عارف اني خدت مصروف البيت من أسبوعين، طب هقولها عايزة المبلغ الكبير ده ليه بس؟
اتصرفي ياخالتي، مراد مش هيستني كتير علي فلوسه ومش بعيد يإذيني، يرضيكي ابن اختك حبيبك يتإذي ويتفضح وبنت صادق ترفض تتجوزه وتتجوز واحد تاني وساعتها تتحرمي من الجنة اللي انتِ عايشة فيها دي؟
رفعت سندس احدي حاجبيها قائلة:
انت بتهددني ياواد انت؟
أخرج ماجد من جيبه علبة سجائره يخرج منها سيجارة ويشعلها قائلاً:
عيب عليكي ده انا ابن أختك من لحمك ودمك برضه، ههددك ازاي بس واحنا في المركب سوا؟يعني لو غرقتي هغرق معاكي، أنا بس بفكرك بالهدف الأسمي من مساعدتك ليا.
قالت سندس بسخرية:.
لأ فيك الخير والله، تروح تلعب قمار مع صاحبك وتيجي تترجاني عشان ألحقك واتصرفي ياخالتي، تروح نايت كلاب وتعمل فيها أبو الرجال وتعزم أصحابك وادفعي ياخالتي، كل مصيبة والتانية إلحقيني ياخالتي وفي الآخر آل إيه احنا في مركب واحدة وأنا اللي هغرقك، والله ماهيغرقنا غيرك يافالح.
دعس السيجارة يقول بملل:
يوووه بقي مكنوش خمس آلاف جنيه اللي هتذليني بيهم دول ياسندس.
بتستقل بخمس آلاف جنيه، انت نسيت نفسك ياواد انت، ده انت كنت بتتضرب علقة موت عشان 500 جنيه دلوقتي خمس آلاف جنيه مش فلوس، الله يرحم.
نهض يقول بعصبية:
خلاص خلاص مش عايز منك حاجة، أنا هتصرف.
طالعته بنظرة نافذة وهي تقول:
أقعد يابابا انت مش قد الطلعة دي، هتتصرف منين يعني؟ حوش الصحاب اللي يتمنوا يخدموك ويسلفوك، هو انت ليك غيري ياموكوس.
يوووه بقي.
نهضت تقول:.
هجيبلك آخر حتة دهب عندي، روح بيعها وادي الفلوس لمراد وخد بالك دي آخر مرة هساعدك فيها، بعد كدة مع نفسك، الله في سماه ان اتعوجت تاني لأخلي ريم بنفسها تسيبك وأشوف واحد تاني يقوم بالمهمة دي، مش هيكلفني قدك ولا هيتعبني زيك، مفهوم ياماجد؟
قال من بين أسنانه:
مفهوم ياخالتي.
غادرت الحجرة بينما تهمس بحنق:.
أنا مش عارفة هلاقيها منك ولا من عزت، بيعتوني دهبي حتة ورا التانية، يلا ميهمش، بكرة تتعوض وأجيب اللي نفسي فيه كله.
هل من الممكن أن يتعلق المرء بأحدهم من صوته، يتوسم فيه الخير وطيب القلب وشفافية الروح، يراه وكأنه يستطيع الإبصار، لا يحول الظلام بينه وبين هذا الشخص بل يستطيع دون جهد أن يصف ملامحه، ينسج له صورة تشبهه حد التماثل وتشوقه بقوة لأن يمنحه الله البصر للحظات حتي يوقن من انه استطاع رسم خطوط وجهه وببراعة.
هكذا شعرت ريم وهي تجلس أمام هذه السيدة الكريمة التي أحبتها منذ اللحظة الأولي، استقبلتها السيدة حورية بحفاوة أنستها ظلام دنياها وهي تشرق بابتسامة هذه السيدة الطيبة وحماسها، لم تشعر للحظة بأنها سيدة مقعدة كما أخبرها جهاد، بل كانت تتنقل حولها كفراشة جميلة تحضر لها مابالمنزل من ضيافة وتُعد لها الشاي يشاركها جهاد في جو عائلي جميل افتقدته ريم كثيراً حتي كادت أن تنساه، أفاقت من أفكارها علي صوت السيدة حورية وهي تقول:.
ايه يابنتي مبتاكليش ليه؟ لو الرز واللبن بتاعي مش عاجبك متتكسفيش، سيبيه من ايدك علطول.
مش عاجبني ازاي بس؟ ده يجنن، تسلم ايدك ياطنط.
ربنا يجبر خاطرك ياريم، مش ناوية بقي تسمعيني حاجة من عزفك؟ جهاد بيقول انك بتعزفي حلو قوي.
كان جهاد قد عاد في هذه اللحظة بعد أن أحضر العصير، لاحظ انقباض أسارير ريم فقال بسرعة:
مرة تانية بقي ياست الكل، ريم يادوب تشرب العصير ونمشي عشان متتأخرش.
ناولها كوب العصير في يدها مردفاً:
ده عصير الفراولة اللي بتحبيه.
لمسة يده يدها وهو يناولها الكوب ويحيط به أناملها أصابتها برعشة حاولت نفضها وهي تتساءل كيف عرف بعصيرها المفضل؟ هل طلبته حين كانت تتردد علي الكافيه الذي كان يعمل به؟ لا تتذكر حقاً، نفضت أفكارها مجدداً وهي تعيد الكوب للطاولة قائلة:
مش هقدر أشربه الوقت فعلا اتأخر...
قطعت كلماتها والكوب يفلت من يدها ويقع علي الأرض متحطماً بصوت مدوي، انتفضت تقول باضطراب وخجل:
أنا آسفة مكنتش أقصد...
قاطعها جهاد قائلاً:
ولا يهمك بس خليكي في مكانك متتحركيش عشان متتإذيش، أنا جاي حالاً.
تمنت في هذه اللحظة أن تنشق الأرض وتبتلعها حين سمعت كرسي السيدة حورية يقترب منها قبل أن تمتد يدها وتمسك بها يدها تقول بحنان:.
كلنا ممكن نوقع كوباية العصير ياريم، مش مشكلة علي فكرة ولا تستاهل عيونك الجميلة دي تتدمع بسببهم، أنا عايزة أقولك حاجة، ربنا لما بياخد مننا حاجة بيعوضنا بحاجات تانية أجمل وأحسن بكتير لان اللي عند ربنا أجمل وأحلي من أي شيء.
لما ربنا خد مني رجلي في الحادثة اللي حصلتلي بعد جوازي علطول، عوضني بجهاد وكان نعم العوض، زي ماكان باباه أكبر عوض ليا بعد عذابي قبل ماأشوفه ودي حكاية طويلة في يوم من الأيام هحكيهالك، أنا قصدي أقولك ان ربنا لو خد منك نعمة فليه حكمة والحكمة هتعرفيها لما هيرزقك ربنا بنعمة أكبر منها، وقتها مش هتحسي بالقهر ولا الزعل بالعكس كل ماتفكري في ضعفك هتفتكري نعمه التانية وتحمديه عليها، ربنا خيره كتير ولو آمنتي ان في كل شيء بيصيبك خير، هترتاحي يابنتي.
كلماتها كانت كنبع ماء مر علي فؤادها الحار فأطفأ لهيبه وأعاد تجديد خلاياه، شعرت بهدوء وطمأنينة لم تشعر بهما منذ أن كان هو حدها والدها رحمه الله يطيب بكلماته جروحها ويشفي بحنانه الألم.
ابتسمت بحب تردد هامسة:
اللهم لك الحمد والشكر.
مش عارفة ياخديجة، من زمان محستش براحة نفسية زي اللي حسيتها وأنا بينهم، وكأني في بيتي، وسط أهلي، احساس محستوش غير مع بابا الله يرحمه ومعاكي.
سامعة في صوتك قلق غريب ياريم، ايه المشكلة لما تحسي الاحساس ده معاهم؟
هل تخبرها أنها تخشي التعلق بهم ثم الرحيل مجبرة عنهم؟ لقد شعرت اليوم وهي تغادر منزلهم يُوصلها جهاد إلي أقرب سيارة أجرة أنها تترك روحها هناك معهم داخل جدران هذا المنزل فماذا لو اقتربت أكثر؟ لاحترقت بلهيب الفراق، ثم ما الذي قد يربطها بهم في يوم من الأيام؟أقصي ما تستطيع تقديمه إليهما هي صداقة لا أكثر؟ تري هل سيتقبلها ماجد بعد زواجها منه؟ بالطبع لا.
منه...
نفور عجيب في روحها ينبثق ماإن تخطر الفكرة علي بالها، هل يجب عليها أن تمعن التفكير مرة أخري في قرارها الزواج من ماجد أم ترضخ لرغبة والدها قبل أن يذهب لمثواه الأخير؟
أفاقت من افكارها علي صوت خديجة تقول بقلق:
ريم، روحتي فين؟ قوليلي بس ايه اللي قلقك بالشكل ده؟
حاولت ريم أن تُبعد خديجة عن الخوض في هذا الأمر وليس لديها حتي الآن أي تفسير لمشاعرها الجديدة عليها، لتقول بمرح مصطنع:.
سيبك مني وقوليلي فين الباشمهندس، اتأخر كدة ليه؟ أوعي يكون عامل فيكي مقلب ومش هييجي، وقتها هيعلقك باباكي من رجليكي ويمدك زي مستر فوزي، مدرس الرياضة في ابتدائي، فاكرة ولا نسيتي؟
بس ورحمة باباكي ياريم، ده نفس كلام ماما اللي بتقولهولي، طبعاً عمي صفوت الجواهرجي بتاعنا قالها عن اللي عملته ومن وقتها وهي بتقولي هياخد دهبك ومش هتشوفيه تاني يافالحة ووقتها باباكي مش هيرحمك لما يعرف.
ماانتِ هبلة، حد برضه لما يحب يغير دهبه يروح للجواهرجي بتاعهم؟ ماالطبيعي انه يبلغ أهلك.
أشاحت بيدها قائلة:
أهو اللي حصل بقي، مندفعة ومتهورة ومبفكرش عارفة بس بتعلم وواحدة واحدة تصرفاتي هتظبط، ماانا مش هفضل هبلة طول عمري.
لأ هتفضلي.
ريم!
خلاص ياستي متتعصبيش هنسيب الهزار ونتكلم جد حبة.
لتعتدل قائلة بجدية:
هسألك سؤال وتجاوبيني عليه بصراحة، انتِ من جواكي مقتنعة بكلام والدتك؟
لأ طبعا يحيي مستحيل يعمل كدة، معنديش ذرة شك فيه، بالعكس انا واثقة فيه ثقة من غير حدود.
يبقي اهدي واستني والغايب حجته معاه زي مابيقولوا.
عارفة إنه أكيد معذور وان تأخيره بسبب لكن برضه متغاظة، مفيش تليفون يعتذر بيه عن التأخير ويقول أسبابه.
ماجايز مفيش عنده شبكة أو تليفونك اللي فاصل شبكة، وبعدين متصلتيش انتِ بيه ليه؟
خفت يقول مش واثقة فيه وبتأكد انه جاي ومش هيهرب بدهبي.
خايبة، زي ماثقتك في يحيي من غير حدود أكيد ثقته فيكي من غير حدود ومستحيل يفكر بالطريقة دي، أكيد لما حبك عرفك وفهمك زي ماانتِ فهمتيه ومستحيل يشك انك بتفكري بالأسلوب ده، وبعدين اللي تآمن واحد علي روحها وتقف جنبه زي ماوقفتي معاه مستحيل هتبص لشوية دهب وتخاف عليهم منه، مستحيل طبعاً ولا إيه؟
معاكِ حق ياريم، أنا هتصل بيه حالاً.
لتمسك هاتفها وتفتحه ثم تضرب رأسها بخفة قائلة:
الموبايل فاصل شحن.
مش قلتلك.
وضعت الهاتف علي الشاحن بسرعة وفتحته وما ان فعلت حتي جاءها اتصالاً منه علي الفور لتهتف بحماس وقد علت خفقات قلبها وتسارعت بقوة:
يحيي ياريم، يحيي.
ابتسمت ريم بينما تردف خديجة بلهفة:
أيوة يايحيي، انت فين؟
معلش ياقلبي اتأخرت عليكي، العربية عملتها معايا وبقالي ساعتين بحاول أشغلها، كنت خلاص قربت أيأس وأسيبها وأركب تاكسي بس الحمد لله اشتغلت أهي وانا في السكة، حاولت أكلمك كتير بس الشبكة مكنتش بتجمع وفي الآخر لقيت تليفونك مقفول وتليفون والدك برضه خارج التغطية، ديجا.
عيون ديجا.
عاملك مفاجأة حلوة قوي، ثواني وأكون عندك، بحبك ياديجا، بحبببببك.
أنا كمان بحبك ومستنياك، سلام ياحبيبي.
سلام ياقلب حبيبك.
أغلقت الهاتف تضمه إلي صدرها بقوة قائلة بسعادة:
يحيي جاي ياريم، جاي.
اتسعت ابتسامة ريم تسعد لسعادة صديقتها وتدعوا لها في سرها بأن يتم سعادتها ويزيد من أفراحها دائماً وأبداً.
يتبع.....
1
الفصل السابع
كانوا معي، يشاركوني أمواج بحر الحياة، يرشدوني سبيل النجاة ويمسكون بيدي وكأنهم طوق يحميني من الغرق، ثم رحلوا فصرت أتخبط بين أمواج البحر العاتية، أعافر كي لا يجذبني التيار، أحاول الصمود بكل قوة ولكن البحر هائج وقواي تخور أمام قسوته وظلماته التي لا تتخللها الأنوار.
لقد أصبحت هزيلة بعد رحيل أحبتي وصارت الحياة لامعني لها ولا لذة، وفي حنايا القلب استقرت لوعة طالبتني بالاستسلام فكدت أستسلم وأرحل بدوري إلي حيث ألقي الأحبة، وما كدت أفعل حتي ظهر فجأة أمامي شعاع من نور انتشلني من يأسي ومنحني بعض الأمل، خشيت أن يكون وهماً فلم أحاول الاقتراب ولكنه هو من اقترب وأضاء ليلي الداهم فانبثق الأمل بالقلب ساطعاً وتسرب في شراييني، يتبدد الحزن من قلبي رويداً رويداً ويحل محله شعوراً بالطمأنينة والثقة في النجاة أرفض أن أرفع راية الاستسلام وأطالب روحي بالحياة.
ربما أخشي هذه الأمل ولكني رغما عني أتمسك به، ينساق قلبي له وكأنه قدري الذي خلقت لأجله، وكأنه كُتب علي الخوض بين أيام الحياة ولياليها أعيش كل مشاعرها، فحياة تنبض بالمشاعر أفضل ألف مرة من حياة فقدت النبض تحتضر دون شعاع أملي.
أفاقت من أفكارها علي صوت مدربها وهو يقول:
لأ ياريم، انتِ مش معايا خالص النهاردة، مش مركزة بالمرة، ياتري ايه اللي شاغلك بالشكل ده؟
قالت بارتباك:.
آسفة يا آنكل هادي، أنا فعلا مش مركزة وياريت نأجل التدريب ليوم تاني بعد اذنك، لو يعني مش هيسببلك تأجيلي أي تعب.
تعب ايه يابنتي؟ده انتِ بنت صديق عمري ورفيق الغربة صادق الله يرحمه يعني بنتي، تقدري تأجليه طبعاً زي ماانتِ عايزة، المهم انك تراجعي قرارك وتفكري بجدية تعزفي في الحفلة الجاية، بجد هنبسط قوي لو غيرتي رأيك، انتِ موهبة جميلة وقوية وحقيقي خسارة متظهرش للنور.
ظهر الاسف علي ملامحها الجميلة وهي تقول:
كان بودي والله ياعمي بس غصب عني، مش هقدر اعزف قصاد الجمهور وأنا...
تركت جملتها معلقة فربت هادي علي يدها قائلاً بحنان:
مفيش حاجة في الدنيا تمنع عازف انه يعزف قصاد جمهوره ويخرج موهبته للنور، الحواجز احنا اللي بنحطها بينا وبين الجمهور ياريم، واحنا بس اللي نقدر نشيلها لو آمنا انها مش لازم تكون موجودة.
نهضت تقول بتوتر:.
من فضلك ياآنكل، لو بجد بتحبني زي بنتك يبقي بلاش نتكلم في الموضوع ده، علي الأقل في الفترة دي.
طالعها هادي للحظات قبل أن يهز كتفيه بقلة حيلة، يقول بهدوء:
أنا هسكت بس هدعيلك تخطي حواجزك وتقدري تخرجي من الدايرة اللي قفلتيها علي نفسك لإنك لو مقدرتيش هتبقي خسارة كبيرة للناس وليكِ انتِ كمان ياريم.
أنا، أنا مضطرة أمشي، عن إذنك.
غادرت بسرعة تحمل آلتها الموسيقية تتخبط قليلاً وهو يتابعها بعينيه حتي غابت عن ناظريه قبل أن يهز رأسه بيأس ويعود لنوتته الموسيقية.
بينما جلست هي في السيارة تلتقط أنفاسها بصعوبة، تشعر بالإختناق، ترغب من كل قلبها أن تلبي طلب مدربها بل تلبي رغبة قلبها بالعزف أمام الجميع ففي العزف أمام جمهور لذة لا تضاهيها لذة، ولكن يمنعها عجزها الذي ولّد بداخلها ضعف و خوف من تنمر الناس عليها كما فعل هذا الرجل بالنادي وغيره ممن شاهدت منذ إصابتها بالعمي، فنفوس البشر مريضة كما اكتشفت وهي لن تسمح لهم بأن يمارسوا عقدهم عليها، لن تسمح لهم بجرحها مجدداً كما فعلوا في السنة المنصرمة أكثر من مرة.
وجدت نفسها تمسك هاتفها وتبحث صوتياً عن رقمه، تترك له رسالة حتي يلاقيها عند الشاطئ ثم تغلق الهاتف وتطلب من العم مصطفي أن يوصلها إليه بأقصي سرعة لديه.
هل اختلف المكان باختلاف الصحبة؟
نعم بكل تأكيد..
فقد عبق المكان بجمال حضورك وكأنني في عالم أسطوري صفت سماؤه بعد خريف عاصف وتجملت أركانه حتي صار جنة الله في الأرض.
دعيني أخبرك عن شعوري وأنتِ حدي..
ولكن في البداية دعي عيناي تصفك؟
كيف أصف جمالاً تعجز عن استيعابه خلاياي؟
انتظري قليلاً..
سأحاول..
لا، لن أستطيع..
لا يمكنني وصف روعة تفاصيلك..
أقولها بيقين قلبي..
لا تشبهين أحداً..
أكتفي بها وصفاً وتعبيراً.
أما عن مشاعري نحوك فمن نغماتك بدأت قصتي وثورة أحاسيسي وسحر خلب لبي حتي صار عشقاً..
وحين تطلعتي إليّ بمقلتيكي الحائرتين المضطربتين صرت لكِ عبداً لن يتزحزح عن محرابك أبداً..
ظلك الذي يخشي عليكِ من نسمات الهواء وقطرات المطر..
مجنونك الذي لن يهدأ حتي تصبحين ليلاه..
أما أنتِ فصرتي لي زهرة لن تذبل قط أوراقها أرشف منها حد الإنتشاء..
وليل عشقته أشاركك فيه ظلمائه بنور من لهيب قلبي يشعله دون احتراق فيصير الليل نهاراً لازوال له..
أتعلمين؟
في قربك أتمني أن أضمك بين أضلعي ثم يتوقف الزمن فأحتفظ بك بين جوارحي حية حتي تقوم الساعة فأطالب بكِ عروساً لي وأكتفي.
نعم أكتفي، لا تتعجبين، إنه اليقين..
خلقك ربي أجمل من حور العين..
وزرع بروحك طيب الأصل والنقاء وحب الخير والمساكين..
خلقك ربي من نور كالملائكة..
فصرتي حبيبتي في قلبي وعيني..
لا تشبهين أحداً.
رفعت أناملها تعيد خصلة من شعرها خلف أذنها باضطراب أثار خفقاته ولهاً وهو يتأمل تفاصيلها الرائعة، تقول بتوتر:
جهاد، ساكت ليه؟
عايزة الحقيقة؟
أكيد، ومش مستنية منك غيرها.
ابتسم لثقتها فيه قبل ان يقول بصوته عميق النبرات:.
مدربك معاه حق، أنا سمعتك، يعني عارف قد ايه حجم موهبتك وعايز أقولك ان عزفك لما سمعته طيرني فوق هناك، عند السحاب، حسيت اني بسمع معزوفة من الجنة، العزف مش نوتة ونغمات وبس، العزف روح بيحطها العازف جوة نغماته فبيديها حياة، نبض ومشاعر بتسحر وتخلينا احنا مخلوقات ربنا عاجزين عن الحركة أو حتي الرمش بعيونا لغاية ماتخلص المعزوفة ووقتها بنقول من كل قلوبنا الله، وبنتمني نعيش التجربة من تاني، انتِ في ايدك نعمة حرام تضيعيها عشان أوهام في دماغك ملهاش أي أساس من الصحة، الناس لما بتسمع معزوفة جميلة من عازف مبيبصوش علي شكله ولا بيهتموا بطوله وقصره أو لون بشرته وملامحه قد اهتمامهم بموهبته وقد ايه بجمالها وروعتها وحجمها قدر يوصل لقلوبهم، عندك مثلاً بيتهوفن، هل وقف صممه قدام موهبته؟بالعكس محصلش وقدر يقدم أعظم أعماله لجمهوره رغم انه مكنش قادر يسمعها، وليه نبعد؟عمار الشريعي الله يرحمه، أعظم ملحن وناقد وعازف، هل وقف أي شيء بينه وبين تقديم موهبته للجمهور وتحقيق نجاحه؟لأ طبعاً، وانتِ كمان ياريم متخليش وهم في دماغك يهيأ لك ان الناس مش هتتقبل تسمع نغماتك أو حتي هتتنمر عليكي لإن ده مش هيحصل، صدقيني وقت ماهيسمعوكي مش هيشوفوا غير اللي شوفته فيكي يوميها.
شفت إيه؟
حورية بحر كانت واقفة قدامي بتعزف مقطوعة من الجنة، احترت يومها وأنا بسأل ياتري هي مين؟ حورية بحر فعلا ولا ملاك من الجنة؟ولحد دلوقتي لسة ملقتش لسؤالي إجابة.
أعادت مجددا خصلة شعرها الثائرة خلف أذنها وهي تمسح لسانها بشفتيها وتبتلع ريقها بصعوبة قائلة:
مش للدرجة دي؟
مال يهمس حتي لفحت أنفاسه الحارة وجهها قائلا:
مشكلتك انك مش شايفة نفسك بعنينا، لو حصل صدقينا هتعزفي قدام الكل من غير تردد.
تراجعت رُغماً عنها تشعر بالضعف بعد أن بدأ جسدها يميل نحوه وكأن كلماته عانقتها بفيض من مشاعر فتمنت لو احتوتها ذراعيه بذات الفيض، لتقول بارتباك:
أوعدك بعد الكلام ده أفكر بس ده لو وعدتني انت كمان بوعد.
أؤمريني ياريم.
ياالله بالله عليك لا تزد فأنا بالكاد أتمسك بكل ذرة تعقل في كياني كي لا أقر أمامك الآن وأخبرك أنك تتسلل إلي قلبي كتسلل كلماتك إلي عقلي وروحي، أخشي انك تحتلني رويداً رويداً وتهدم دفاعاتي دون جهد لأعلنك قريباً ملكاً علي قلبي، دون منازع.
عايزاك توافق إني أخرج الست حورية من البيت وأوديها لدكتور أنا متأكدة انه هيقدر يساعدها ويخليها تمشي من تاني علي رجليها.
صمت طويل من جانبه جعلها تقطب جبينها باضطراب قائلة:
جهاد، أنا ضايقتك؟
بالعكس.
ذبذبات صوته التي نضحت بمشاعر كثيرة أثارت القشعريرة بقلبها وهو يردف:
ولو إني متأكد ان مفيش دكتور يقدر يساعد والدتي علي المشي مرة تانية لإني حقيقي مسبتش دكتور مروحتلوش، قصدي يعني مسألتوش علي النت، لكن قصاد طيبة قلبك دي وحبك للخير وخصوصاً إني وعدتك بالموافقة علي طلبك قصاد تفكيرك في طلبي، حددي اليوم وإحنا معاكي ياريم.
قالت ريم بحماس:
أنا مش عارفة أشكرك ازاي علي موافقتك دي، وصدقني هتفرق كتير بين سؤال علي النت وحضور والدتك قدام الدكتور ومعاينته لحالتها.
صمت مجدداً فقالت:
سكت تاني ليه؟ أوعي أكون ضايقتك، أنا مش قصدي أقلل من مجهودك وتعبك ومحاولتك مساعدة مامتك، أنا...
قاطعها قائلاً بنبرة حب جائتها واضحة لأول مرة خالصة لا ريب فيها:
انتِ مفيش منك ياريم ويابخت اللي هتكوني من نصيبه.
شعرت باضطراب في كل كيانها، حاولت الهرب من هذه المشاعر التي أحاطتها في هذه اللحظة إثر كلماته ونبراته المشبعة بالحب فوجدت نفسها تتصرف كطبيب وجد في بتر ساق المريض انقاذاً له لتقول بنبرات حاولت جعلها مرحة قدر الإمكان:
مش قصدك ماجد؟ خالته داعياله بقي، المهم هنتغدي فين لإني جعت قوي.
أتذكره بالتزامها أم تذكر نفسها؟ في كلتا الحالتين هناك مرارة بالحلق وغصة بالقلب ظهرت بنبرات صوتها رُغماً عنها فوجدت صداها بصوته وهو يقول:
صدقيني مش مهم المكان، المهم حاجة تانية خالص.
لم تسأله عنها ولم يوضح أكثر والمقصد كان واضحاً كالشمس، المهم هو أنهما معاً حتي وإن كان الوضع، مؤقتاً.
كانت تجول بعصبية في المكان يتابعها بملامح خالية قبل أن يقول:
ماتهدي ياسندس وتقعدي كدة، وترتيني.
توقفت تطالعه بحنق قائلة:
وترتك، آه ماانت ولا علي بالك، مش حاسس بالمصيبة اللي احنا فيها.
مط شفتيه قائلاً:
مصيبة ايه بس؟
اتسعت عيناها باستنكار تقول:
انت ياراجل عايز تجنني، بقولك المحامي قالي ان صادق مظبط ورقه كويس قوي وان مفيش أي أمل يقدر بيه يطعن في الورق، تقولي مصيبة ايه؟
صب لنفسه كأس من زجاجة الخمر أمامه بينما يقول:
عادي جداً، هنعيش زي ماكنا عايشين قبل ماصاحبتك تدلك علي المحامي ده، في خير الست ريم، يعني مش قضية.
لأ قضية، قلتلك قبل كدة مفاتيح البنت كانت في ايدي، وكنت هجوزها الواد ماجد ابن اختي عشان أضمن انها تفضل في ايدي.
تجرع كأسه مرة واحدة فانتفخت أوداجه وسعل بقوة، أسرعت تضرب علي ظهره ضربات قوية فهدأ سعاله وهدأت ملامحه قبل أن يقول:.
طب ايه بقي اللي جد عشان تتعصبي بالشكل ده؟
جلست علي الأريكة جواره قائلة:
البنت حالها مش عاجبني اليومين دول، علطول سرحانة ومش مركزة، علي وشها تسهيمة كدة مش عاجباني، فيه حاجة شغلاها أو علي الأصح فيه حد شاغلها والبيه خطيبها ولا علي باله، مش عارف يتعامل معاها ومش فالح بس غير يدبسني كل تدبيسة والتانية ويسحب مني كأني البنك اللي سابتهوله الست الوالدة.
هي البت دي حلوة؟
أخرجت من حقيبتها الهاتف تفتحه وتناوله اياه قائلاً:
اتفضل ياسيدي، آدي صورتها.
تأمل عزت صورة ريم بعينين اتسعت علي آخرها، جف حلقه وتسارعت خفقاته رغبة بها وبجمالها الفاتن، ليبتلع ريقه وهو يتمالك نفسه يناولها الهاتف قبل أن تلاحظ شيئاً وهو يقول:
البنت صحيح حلوة بس باين عليها ذكية، مش هينفع واحد زي ماجد يلعب عليها و يوقعها في حب، دي عايزة واحد محترف يقدر يوقعها في شبكته ويسيطر عليها كمان.
وأجيب منين المحترف ده اللي مخافش يلهف مني البت ان شاء الله؟
مش عيب ياسوسو تدوري علي حد يخدمك وأنا موجود.
طالعته بصدمة قائلة:
قصدك ايه؟ انت عايز...
قاطعها يرفع يديه مدعياً البراءة قائلاً:
أنا عايز أساعدك، انتِ عارفة اني أقدر أوصل للبت دي بسهولة وأخليها زي الخاتم في صباعي وكمان عندك ثقة فيا تخليكي متخافيش مني.
قالت بتردد:.
بس لو اتجوزتها انت مش هنتجوز، مش معقول هنفضل مع بعض في السر ده أنا كان عندي أمل إن...
قاطعها يقول بلسان معسول:
والأمل مش هيروح ياروحي، ده هيكون وضع مؤقت، هتجوزها وآخد فلوسها وبعدين أرميها في الشارع وأتجوزك انتِ، ها، قلتي ايه؟ متتردديش، ده الحل الوحيد اللي قدامك دلوقتي أو كل حاجة هتضيع من ايديكي، العز والفلوس...
قاطعته قائلة بجزع:.
لأ فلوس ايه اللي تضيع؟ أنا مستحيل أرجع أعيش زي زمان، أنا موافقة ياعزت بس ماجد هنعمل فيه ايه بس؟
لمعت عينا عزت وهو يقول:
متقلقيش، أنا هتصرف معاه، قومي بقي البسي حاجة حلوة علي ذوقك وتعالي نحتفل بالمناسبة دي جوة، أنا وانتِ والشيطان ياسوسو.
ابتسمت ولكن رُغما عنها جاءت الابتسامة باهتة، نهضت وتوجهت إلي الحجرة لكنها توقفت ورنت إليه بنظرة فوجدته يصب لنفسه كأساً من الخمر مجدداً وفي عيونه استقرت نظرة شاردة جعلت قلبها يتوجس، خيفة.
انتِ فين ياهانم؟
ألقي ماجد سؤاله بعصبية فضمت ريم الهاتف إلي أذنها تقول بحيرة:
في النادي...
لم تكمل جملتها حين أقفل الخط في وجهها لتترك الهاتف وهي تقول بحنق:
قفل السكة في وشي، ماجد الظاهر جرا لعقله حاجة.
هو لسة هيجرا؟ ده لاسع من زمان.
مال يحيي يهمس لخديجة قائلاً:
صاحبتك متعصبة متزوديهاش ياديجا.
همست بدورها:
أكدب عليها يعني؟
سامعاكم علي فكرة، انتوا ناسيين ان حاسة السمع عند الأعمي بتقوي.
قالتها بمرح فقالت خديجة بمرح مماثل:
وأنا اللي ظلمتك وقلت بتلمعي أُكر ياريمو.
ضحكت ريم مع الجميع ثم انتفضت وصوت ماجد الغاضب يصلها قائلاً:
يعني مش كفاية قاعدة مع راجل غريب لأ كمان بتضحكي وصوتك جايب آخر النادي.
انت اتجننت يابني آدم انت...
قاطعها يحيي قائلاً بملامح متجهمة:
ملوش لزوم ياخديجة.
قال ماجد بسخرية:
ليه ماتسيبها تقل أدبها.
نهص يحيي يمسك ماجد من تلابيبه قائلاً بغضب:.
لأ ده انت اللي قليل الأدب وعايز تتربي كمان.
ظهر الجبن علي ملامح ماجد بينما اغروقت عينا ريم بالدموع وهي تنهض قائلة برجاء:
من فضلك يايحيي، وانت ياماجد بلاش فضايح، النادي هيتلم علينا، أرجوكم كفاية.
ترك يحيي ماجد علي الفور فأخذ ماجد أنفاسه وهو يقول بحنق:
مش عايزة فضايح بجد يبقي تمشي قدامي من غير كلام، لينا بيت نتحاسب فيه قدام خالتي.
هزت رأسها تقول:
خلاص جاية معاك.
مش هتمشي...
قاطعتها ريم قائلة برجاء:.
عشان خاطري ياخديجة سيبيني أمشي، هكلمك بالليل...
قطع كلماتها وهو يجذبها من يدها سائراً معها بينما تطلعت خديجة في إثرهما بغضب تقول:
حيوان وميستاهلهاش، مش عارفة ازاي هتتجوزه وتعيش معاه، والله اللي بيحصل ده حرام.
قال يحيي:
معاكي حق بس هنعمل ايه؟كل واحد في الدنيا بياخد نصيبه ياحبيبتي.
أطرقت برأسها قائلة:.
ملحقتش أقولها انك ورثت أرض من عمك الله يرحمه وانك بعتها وجيبتلي من فلوسها الدهب اللي بعته، كانت هتفرح قوي.
ملحوقة ياديجا، أهم حاجة نطمن عليها ونشوف اتصرفت ازاي مع الحيوان ده.
ربنا ينجيها منه ويرزقها واحد يحبها زي مابتحبني يايحيي.
يارب ياقلبي.
نظرت في إثرهما بقلب يتقطع ألماً بينما وقف هذا المشاهد بدوره ينظر في إثرهما بقلب استعرت نيرانه وقبضة ضمها بقوة يرغب في تلقين هذا الجبان المتعجرف درساً لن ينساه مدي الحياة ولكنه مكبلاً بقيود يأمل أن يتحرر منها، قريباً.
يتبع.....
1
الفصل الثامن
لآخر مرة بحذرك تعاملني بالأسلوب ده، لا بيني وبينك ولا قدام أي حد.
انتِ شايفة ياخالتي البجاحة بتاعة الهانم.
احترم نفسك.
قالت سندس بحنق:
حلو قوي اللي بيحصل ده، مش عاملين ليا أي احترام وكأني هوا قدامكم.
أشاح ماجد بيده بينما قالت ريم بعيون دامعة:.
أنا عشان بحترمك ياطنط سكت كتير علي تصرفات ماجد الغريبة، لا مبالاته بيا وعدم اهتمامه، عصبيته اللي بتظهر فجأة لما يشوفني واقفة مع أي راجل غيره رغم اني مببقاش لوحدي، يامعايا زمايلي في الأوبرا يازي دلوقتي لما كنت قاعدة مع خديجة وخطيبها، من غير مايسأل بيبعدني بطريقة وأسلوب يحرجني بيه قدام الكل، يعني مش كفاية معندوش ثقة فيا لأ كمان بيقلل مني ويجرحني بأسلوب أنا مستحيل أتحمله، أنا مش عارفة مشكلته ايه معايا؟ ليه مش قادر يتقبل إني ممكن أبقي في موقف أتواجد فيه مع زمايلي من الشباب أو حتي حد زي يحيي خطيب خديجة مع إني مجبرة أتقبل إن أصحابه تقريباً كلهم بنات هايدي وشيري وسوزان ونفين، أنا بجد اتخنقت ومبقتش قادرة أتحمله ولا أتحمل تصرفاته والأفضل لو ننفصل و كل واحد فينا يروح لحاله.
انخرطت في بكاء حار تجلس علي أقرب كرسي وقد عجزت قدماها عن حملها بينما قال ماجد بغضب:
شايفة كلامها ياخالتي.
اسكت خالص متكلمش.
اقتربت من ريم تجلس جوازها وتربت علي يدها قائلة:
خلاص ياريم متعيطيش، حقك عليا امسحيها فيا المرة دي.
قال ماجد بحنق:
انتِ كمان هتتذليلها؟
رمقته بنظرة رادعة تقول بحنق:
قلتلك اسكت خالص مسمعش صوتك.
نهضت ريم تقول بحزن من وسط دموعها:.
أنا خلاص قلت اللي عندي ياطنط، أنا مبقاش فيا طاقة أتحمل وحقيقي زهقت، الجوازة دي مش ممكن تتم، صحيح دي كانت رغبة بابا الله يرحمه بس أكيد بابا لو كان شافني مش سعيدة معاه كان هو بنفسه هيفسخ الارتباط ده، أنا تعبانة ومحتاجة أرتاح في أوضتي، عن اذنكم.
غادرت بينما يقول ماجد في صدمة:
دي فسخت الخطوبة، البت دي اتهبلت ولا إيه؟ عايزة تسيبني؟
ليردف بحدة:.
هي مين أساساً عشان تسيب ماجد الأسيوطي؟ نفسي أعرف شايفة نفسها علي ايه؟ ده أنا ست ستها تتمناني.
طب يافالح ماتروح لست ستها، لسة واقف هنا ليه؟
طالع ماجد خالته بحنق قائلاً:
عشان خاطرك ياخالتي.
نهضت سندس تقول بسخرية:
لا والله كتر خيرك، خلاص استغنينا عن خدماتك وورينا يلا عرض أكتافك.
قطب جبينه قائلاً:
قصدك ايه؟ انتِ هتمشي ورا كلام البت دي؟
والله أنا مقدرش أغصبها علي حاجة، قلتلك ميل قلبها وعقلها واكسبها تكسب كل حاجة بس انت بغبائك ضيعتها منك، دلوقتي ايه المطلوب مني؟ ألوي دراعها عشان تتجوزك، مش هتتجوزك تعرف ليه؟ لإنها جابت آخرها وإلا مكنتش فسخت الخطوبة وهي عارفة انها رغبة باباها وانت عارف صادق بالنسبة لها ايه، وأنا مقدرش ألوي دراعها، بالعكس هي اللي تقدر ورقابينا كلها تحت جزمتها طول ما كل حاجة مكتوبة بإسمها.
يعني ايه ياخالتي؟ هتتخلي عني بالسهولة دي؟
مش انت اللي لسة كنت واقف هنا من دقايق تقول انك مش عايزها وان ست ستها تتمناك؟روح ياأخويا هاتها وأدخل عليا بيها وفرحني.
أيوة بس انتِ هتعملي ايه معاها؟
هتصرف، ملكش دعوة.
عقد حاجبيه قائلاً:
اوعي تكوني شايفة لها شوفة تانية، ده أنا أطربق الدنيا علي دماغك ودماغه ودماغ المحروسة اللي جوة دي.
بس ياماجد واتكلم علي قدك، انت ناسي أنا مين وأقدر أعمل فيك ايه؟ ولا ناسي الشيكات اللي خدتها من صاحبك منير واللي أقدر بيهم أوديك في ستين داهية.
هي بقت كدة؟ ماشي ياسندس، اشبعي بيها وبالفلوس بس وربنا ماهسيبك تتهني بيهم لو عملتي اللي في دماغك حتي لو كان فيها سجني، ماهو موت وخراب ديار.
قال كلماته وأسرع بمغادرة المكان يطرق الباب خلفه بقوة بينما تتابعه سندس بعيون اتسعت علي آخرها تقول بهمس:.
الواد اتجنن، هتعملي ايه ياسندس؟ تدخلي عزت اللعبة ولا تقصري الشر، يلا بقي، هدخله واللي يحصل يحصل، علي رأي الموكوس، خربانة خربانة ويا تظبط يايبقي موت وخراب ديار.
وهتعملي ايه دلوقتي ياريم؟
مش عارفة ياخديجة؟ محتارة أواجه سندس باللي سمعته ولا أعمل عبيطة، طب هقولها ايه؟ اني فهمت من كلامها إنها كانت متفقة مع ماجد عليا؟ هتقول اني اتجننت وبقيت بتوهم ومش بعيد تحبسني في مصحة نفسية مستغلة تقارير الصدمة العصبية اللي حصلتلي بعد وفاة بابا ومحاولة انتحاري.
واحنا يعني هنسكتلها؟مش هنسيبك وهنخرجك منها.
علي ماتعرفوا مكاني هتكون قدرت تحولني لمريضة نفسية فعلا بمساعدة دكاترة لا عندهم قلب ولا ضمير.
طب والحل؟
مش عارفة، هصبر شوية وأشوف الدنيا هتمشي معايا ازاي.
ولحد مانشوف هتفضلي عايشة معاها في بيت واحد؟ خطر ياريم، الست دي بقت خطر كبير عليكي.
بالعكس، طول ماهي حاسة اني مش عارفة حاجة واني زي ماأنا هكون بأمان، لو اتصرفت طبيعي هقدر أخدعها لكن لو اتغيرت معاها يبقي وقتها بجد مش هكون بأَمان.
وهتفضلي كدة لحد امتي؟
أطل بخاطرها فرقّ صوتها وهي تقول:
لحد ماأتأكد من حاجة، وقتها هخلص من سندس وابن أختها للأبد.
حاجة ايه دي؟
هقولك ياخديجة بس اوعديني الأول محدش يعرف حاجة عن الموضوع ده.
أوعدك.
كانا يقفان متواجهين، شعرت به قبل حتي همسه باسمها، دفء محيطها واضطراب خفقاتها أخبراها بأنها تقف في حضرته، لتنظر إليه وكأنها تراه، ينادي قلبها...
=دعني أنل حلمي فأكون لك بكل جوارحي وتكون لي إدماناً كفنجال قهوتي الذي لا يحلو يومي قبل ارتشافه
بينما نادي قلبه..
لم تستطع أذرعي عناقك فاكتفيت بعناق عيني تحتضن تفاصيلك لا أدري هل أردت به سكوناً لخفقاتي أم جنوناً؟
=أراك وكأنك خُلقت لتسكن مقلتي عوضاً عن نورهما، حمداً لله أن رزقني إياك نوراً
أسرتي فؤادي فصار مسكنك وحروف اسمك بين الجدران منقوشاً
ليتني أكون لكِ كل شيء
كما صرتي لي أنفاس حياة دونكِ أصير موءوداً..
أقولها بيقين قلبي..
لاتشبهين أحداً..
وقد صرت بكِ حبيبتي مسحوراً.
تحدثت الشفاه بعد القلوب فقالت بحيرة:
ليه صممت تاخد اذن من الشغل وتقابلني؟
كان لازم أشوفك بنفسي وأطمن عليكي.
للدرجة دي بتحس بيا؟
وأكتر، صوتك كان ماليه حزن ومرارة، مس ألم قلبك قلبي، فكان لازم أشوفك عشان تحكيلي همك.
زفرت قائلة:
همي كبير قوي ياجهاد.
معايا هيهون، احكيلي.
أبتدي منين الحكاية؟ من أول ماجيت مع بابا مصر ولا من ساعة ماشفتك ولا لحظة ماقررت أسيب ماجد...
قاطعها بلهفة قائلاً:
انتِ سيبتي الحيوان ده؟
لم تخفي عليها لهفته فابتسمت تهز رأسها قائلة:
كان لازم أسيبه.
كان بيعاملك وحش، مكنش يستاهلك.
أنا مسيبتوش عشان كان بيعاملني وحش، أنا سيبته عشان...
صمتت وهي تشعر بالخجل، احمرت وجنتاها وجف حلقها لا تدري كيف تعبر عن مشاعرها في هذه اللحظة، استحثها يشعر بخفقات قلبه علي حافة الجنون، يقول بتوق:
سيبتيه ليه ياريم؟
بللت شفتيها تقول:
سيبته عشان...
صمتت وقد بدأت قطرات المطر في الارتطام بوجهها فأردفت بصدمة:
هي بتمطر؟
ابتسم قائلاً:.
أيوة بتمطر في أغسطس، تخيلي؟ المطر خير زي الخير اللي هيملا حياتنا من النهاردة باذن الله.
انت عندك شنب؟
قطب جبينه بقوة، لقد تغيرت نظرة عينيها، تحدق في مقلتيه مباشرة ثم تطوف علي ملامحه فتبعث في قلبه بركاناً يثور، أتُراها...
أيوة شايفاك، متفرحش قوي، أنا لسة عامية لكن بشوف صورة بالأبيض والاسود لما المطر بينزل.
يعني بجد انتِ شايفاني؟
هزت رأسها تبتسم بسعادة تطفر من عينيها الدموع حين رأت لمعان عينيه لتدرك أنه سعيد بدوره تعبر الدموع بمقلتيه في هذه اللحظة عن مشاعرهما العميقة.
قال بصوت أجش:
ريم أنا...
قاطعه صوت رنين هاتفها يردد اسم حسن أبو علي باستمرار، قطب جبينه فرفعت هاتفها أمامه وقد هدأ المطر ثم توقف تقول بمرح:
الأستاذ حسن فاروق المحامي، صاحب بابا الله يرحمه ومربيني زي بنته ودي النتيجة، حسن أبو علي، ثواني بس هرد عليه.
أجابت الهاتف تقول بمرح:
آنكل حسن...
صمتت تقطب جبينها قائلة:
خير ياآنكل، آه طبعاً، امتي؟ دلوقت علطول، طيب مينفعش كمان ساعة، طيب، طيب، أنا جاية حالاً.
أغلقت الهاتف فقال جهاد بقلق وقد لاحظ ملامحها المضطربة بعد هذه المحادثة:
خير ياريم؟ فيه حاجة؟
مطت شفتيها تقول بحيرة:
مش عارفة، صوت آنكل حسن مش مريحني، طلب يشوفني دلوقت حالاً، أكيد فيه حاجة خطيرة.
أنا جاي معاكي.
مش هينفع، افرض عايزني في حاجة تخصه أو تخص طنط سامية مراته، انت وراك شغل دلوقت وأنا أخرتك أكيد، روح علي شغلك وأنا هروح لآنكل حسن ولو فيه حاجة هكلمك.
وعد.
وعد.
موافق بس بشرط.
قطبت جبينها فأردف بمرح:
أوصلك لحد باب آنكل حسن أبو علي، ايه رأيك؟
انفرجت أساريرها وهي تقول:
اتفقنا.
كانت تضع هذا السي دي الذي منحها إياه العم حسن في جهاز اللاب توب، تري وصية أباها الأخيرة لها والتي وجدها حسن في خزانة تخص والدها، اكتشفها مؤخراً حين وجد في أوراقه رسالة من صادق تدله عليها، تسلمت زوجته هذه الرسالة منذ مايقرب من العام ثم اختلطت ببعض الأوراق فلم ينتبه لها سوي البارحة، بدأ الفيديو لتستمع إلي صوت أباها يلقي عليها التحية، لقد افتقدته بقوة يإنّ قلبها الآن لسماع صوته، تود لو اخترقت الشاشة وأسرعت إليه ترتمي في حضنه تخبره كم اشتاقت لأمان وحنان وكنف وجدتهم فقط، في حضرته.
بدأ والدها الكلام يقول بنبرات حزينة تعجبت لها..
=بنتي ريم، لو بتشوفي الفيديو ده يبقي أنا خلاص توفاني الله وروحت لمكان أحسن من هنا بكتير، روحت لمامتك، حبيبتي ليلي اللي عاشت طول عمرها في قلبي وهتفضل في قلبي لآخر لحظة في حياتي، أنا مش خايف من الموت ولا بفكر فيه حتي لكن مامتك زارتني امبارح في المنام والحلم كان غريب فقلت لازم أسجلك الفيديو ده يمكن ملحقش أعمل حاجة من اللي ناوي أعملها وعشان كدة لازم أحذرك، هبعت الفيديو لحسن عشان أضمن انه يوصلك و لإنه الوحيد اللي هيقدر يساعدك.
قطبت جبينها تردد هامسة:
قصدك ايه يابابا؟
=متستغربيش، هفهمك كل حاجة، انا اكتشفت من كام يوم حاجات كتير، أولها ان سندس اللي اتجوزتها عشان تاخد بالها منك اتجوزتني بس عشان الفلوس لا حبيتني ولا حبيتك ولا نفرق معاها أصلاً، ده غير ان هي وعيلتها شبكة نصابين ومستعدين يعملوا أي حاجة عشان خاطر الفلوس.
أخذ نفساً عميقاً قبل أن يردف:.
أنا كتبت كل حاجة باسمك، مش عارف في اللحظة دي الخطوة دي كانت صح ولا غلط لان لو جرالي حاجة المجرمين دول ممكن يعملوا أي حاجة عشان خاطر الفلوس.
متخافش يابابا، انا هاخد بالي من نفسي، متقلقش عليا.
=اسمعيني كويس ياريم لو حصلي حاجة سيبي البيت وروحي لجدك.
قطبت جبينها بقوة تقول:
جدي؟!
=أيوة جدك، والد مامتك، الحاج فهمي الشبراوي، عنوانه في مرسي مطروح، مكتوب علي السي دي، أنا عارف انك دلوقت حيرانة ومتلخبطة وبتسألي، لما أنا ليا جد عايش علي وش الدنيا ليه معرفش عنه حاجة، الموضوع طويل لكن هختصرهولك، أنا كنت مهندس زراعي بسيط اتعينت في بداية حياتي في مرسي مطروح، قابلت هناك والدتك، حبيتني وحبيتها، كانت مخطوبة لابن صديق جدك، حاولنا نقنعه بحبنا رفض طبعاً وصمم يجوزها لابن صاحبه، هربنا واتجوزنا ومن بعدها سافرنا الإمارات ولما جيتي الدنيا بعتنا رسالة لجدك تطلب فيه والدتك السماح لكنه رد علينا بكلمتين بنتي ماتت من اللحظة اللي خرجت فيها عن طوعي ولما والدتك ماتت بجد وبعتله رسالة أبلغه فيها مردش عليا وعرفت وقتها انه لسة مصمم يقطع أي صلة بينا وبينه.
وازاي عايزني أروح لواحد موت بنته بالحيا عشان حبت؟ مفتكرش راجل زي ده ممكن يساعدني أو حتي يهتم بيا.
وكأنه يحفظها ويحفظ تفاصيلها يجيب عن كل تساؤلاتها.
ريم اسمعي كلامي، جدك رغم كل شيء راجل صعيدي يعني مستحيل يتخلي عن حفيدته لو لاقاها في ورطة، روحيله ياريم لإنه الوحيد اللي هيقدر يحميكي، وسامحيني يابنتي، لولا سوء تقديري مكنتيش اتورطي الورطة السودة دي، أنا آسف بجد وكل اللي في أيدي دلوقتي اني أدعيلك من كل قلبي عشان تكوني بخير.
انتهي الفيديو ولم ينتهي سيلان فيض دموعها، لهذا بدا والدها شارداً في أيامه الأخيرة ولهذا بدا متردداً يوم وفاته وكأنه يريد الافصاح عن مكنون صدره ولكن شيء ما وقف حائلاً بينه وبين ذلك، استطاعت بصعوبة تمالك نفسها لتخرج السي دي من مكانه و تضعه في حقيبتها ثم تخرج من الباب الخلفي فلا طاقة لديها الآن للخوض في حديث مع العم حسن حول فحوي وصية والدها الأخيرة ترغب فقط في الذهاب لجهاد وحينها ستستطيع أن تدلي بمكنون قلبها فترتاح، كلية.
يتبع.....
تفاعل لطيف💗