الفصل الاول
.*روايه لا تشبهيـﮯטּ أحد🫀☆!*
*البارت1*
*البارت 2*
*البارت 3*
*البارت 4*
1
الفصل الأول
أمسكت ريم حفنة من الرمال الذهبية ثم تركت ذراتها تنسدل من بين أنامل يديها، أخذت نفساً عميقاً قبل أن تنهض ببطئ وتقترب أكثر من الشاطئ، توقفت تغمض عيناها وهي تستمع إلي صوت الأمواج المتلاطمة فترتسم الصورة واضحة داخل أهدابها المغلقة، شمس مشرقة في كبد السماء تطل علي زرقة المياه الصافية قطراتها تصل حدها علي هذه الضفاف الفضية فتلامس أنامل قدميها العارية بعد أن تخلت عن حذائها، تمنحها هذه المياه شعوراً لا يوصف من السكينة والهدوء، إنه البحر الجميل عشقها وعشق والدها رحمة الله عليه المؤتمن علي حديث القلب وأسراره، صديقها الذي تحضر إليه في كل صباح تشعر فيه بالحاجة إلي البوح، حين تشعر بالحنين والإشتياق لأوقات قضتها في صحبة أبيها، أوقات من السعادة والطمأنينة سرقتها من الزمن ثم رحلت مع رحيل الأب والصديق.
فتحت عيناها وقد شعرت بحرقة الدموع تغزوا مقلتيها، لم يمضي علي وجودهما بالاسكندرية أكثر من ثلاثة أعوام بعد أن عادا من مدينة الإمارات التي عاشت فيها مع والدها طيلة عمرها، وها هي حياتها قد تغيرت في هذه الأعوام المنصرمة حتي باتت لا تتعرف عليها، كانت هناك في المدينة الغريبة فتاة والدها المدللة ووحيدته، يتشاركان كل شيء ويكتفي كل منهما بالآخر حتي عادا إلي الإسكندرية في ليلة قرر فيها والدها أنه اكتفي من الغربة وأراد العودة لموطنه رغم أن لا أهل له فيها ولا أصحاب، ولكن الوطن هو الوطن، يظل في القلب كعنوان للسكن والأمان وأصالة الجذر حتي وان طاف الإنسان حول العالم ورأي أجمل بقاع الأرض، عادت معه مشتاقة لرؤية هذا الوطن من حديث والدها عنه، وقد وقعت في عشقه ماان مست قدماها أرضه.
لم تخشي قط عشق والدها لوطنه أو أن يأخذه منها، ولكن ما لم تضعه في الحسبان هو عشق من نوع آخر، تعلق والدها بجارتهما الجميلة ثم تزوج منها بسرعة فوجدت ريم نفسها فجأة وحدها في بلد لم تألف بعد سكانه ولم تعتد عليه، فوجدت في الموسيقي كعادتها ملاذاً، صار الخروج الصباحي بكمانها عادة تسعد يومها وتنير لحظاته، تأتي باكراً إلي هذا الشاطئ القريب منها تطالع جمال صنع الخالق في ملكوته ثم تمسك كمانها وتعزف فتستشعر كل نغمة وكأنها أحرف وكلمات تصل بها من الشغف منتهاه، وكما ابتعد عنها والدها ببطئ عاد إليها بعد فترة ببطئ كما كان قبل زواجه من سندس وأصبح يشاركها هذه اللحظات بعد ان اكتشف تسللها ذات يوم وأدرك كم صار بعيداً عنها، حاول والدها مشاركة زوجته معهما في رحلتهما الصباحية ولكنها لم تكن من النساء الاتي يحببن الصباح الباكر واستنشاق الهواء العليل، بل كانت من عشاق الليل، يبدأ يومها مع قرب غروب الشمس، هذا الشيء البسيط وأشياء أخري صغيرة جعلوا والدها ولأول مرة يشرع في الحديث معها عن والدتها المتوفية بعد أن كان الحديث عنها محرماً لما يجلبه من ألم لقلبه وقد كانت توأم الروح وعشق لا يُنسي كما اعتاد أن يقول عنها.
اختلاف والدتها عن سندس جعل والدها يبوح بالكثير، كانت ذكريات ريم عن والدتها تكاد أن تكون معدومة وقد توفيت وعمر ريم لم يتجاوز الخمس سنوات ولكن أباها ومنذ تزوج العمة سندس، جعل والدتها حية في مخيلتها بكثير من القصص عنها، أخبرها كم تشبهها وكم تحمل من طيب قلبها ونقاء سريرتها ورقة احساسها وجمالها الكثير، تشبه والدتها في الشكل والطباع حد التماثل.
وكما رحلت عنها والدتها، فعل هو في ليلة اختفي فيها القمر وكأنه أبي ان يشهد علي فاجعتها، كان والدها قد اصطحبها إلي إحدي الحفلات الموسيقية والتي لم ترغب سندس زوجة أباها حضورها وآثرت البقاء في المنزل لإن مثل هذه الحفلات تصيبها بالملل، وفي طريق العودة أفلت المقود من أباها فجأة وحين حاول التحكم في سيارته لم يستطع فجاءت مقطورة واصطدمت بهم تدفع السيارة إلي الأمام لتنقلب مرتين ثم تستقيم بعد أن تحطمت، آخر شيء شعرت به ريم عند الاصطدام هو وجع كبير في رأسها وعينيها وقدمها اليسري قبل أن يسحبها سواد سحيق استيقظت منه في المشفي تدرك بكل صدمة أن أباها قد توفي علي الفور في الحادثة بينما أصيبت هي بكسر في قدمها وجُرح في رأسها أدي إلي تضرر العصب البصري مما أدي بدوره لإصابتها بالعمي.
لم تأبه لفقدانها البصر ولم تتألم بسببه قدر ألمها لفقدان والدها، أصيبت بانهيار عصبي تعافت منه بعد فترة كبيرة حاولت فيها قتل نفسها مرة بقطع شرايينها ولكنهم استطاعوا انقاذها، لتري بعدها طيف والدها في المنام يطلب منها الحياة يخبرها أن الفرح قدرها وأنها ان أرادته سعيداً فعليها أن تكون سعيدة.
يعلم الله أنها حاولت كثيراً، تبحث عن الأمل دوماً في جوف الظلام، تبتسم فقط لكي يشعر بها ويدرك أنها سعيدة فيسعد في لحده، حتي أنها وافقت علي خطبتها من ماجد ابن أخت سندس فقط لإنها علمت أن هذه كانت رغبته الأخيرة وأنه أخبر بها زوجته قبيل موته بأيام، فعلت المستحيل لتنفذ وصيته، نعم واصلت حياتها في الظاهر ولكنها متوقفة في الحقيقة عند آخر لحظات قضياها معاً هي وأباها تمثلت صورته أمامها فجأة، كان يبتسم لها بحنان، رفعت أناملها تجاهه ولكنه اختفي كما ظهر من العدم ليصرخ قلبها..
لماذا ذهبت بهذه السرعة؟ تترك لي فقط الذكريات المتلاحقة تخشي البقاء حتي تقصر لحظات الألم، حياتي صارت فارغة دونك يجثم الألم علي أنقاض الفؤاد.
وعدتك بالاستمرار، بالبقاء حية، وعدتك بأن أعيش السعادة التي تمنيتها لي، قاومت عجزي وضعفي، عُدت للحياة وعزفي، حاولت أن أكون سعيدة حقاً، حاولت أبي كثيراً وفشلت..
الظلام يحيطني، إنه ظلام دامس لا تنيره القناديل ولو كانت ممتدة علي طول البصر، أعيش في خضم ليل داهم لا امل في شمس تمحي ظلمائه يقبع فيه السكون وتنتشر وحدة بغيضة وأعصاب تشارف الحافة فتترك الظلمة تفعل بالقلوب والعقول ماتشاء، تجعلني أوقن أنه من المستحيل أن أكمل حياتي دونك يا من كنت سندي وعضدي ورفيقي، يا من كنت لي كل شيء، ولكن تنقذني كلماتك وذكرياتي معك، تُبعد عني كل الأشباح وتمنحني السكينة، لقد رحلت دون عودة ولكن روحك ستظل دوماً قربي تمنحني الصبر والأمل.
عدني فقط أن تزورني بين الحين والآخر، ستجدنا هنا دوماً أنا وأوتاري نعزف ألحاناً تُحيي الروح فقط لإنها تذكرني بك.
مالت تسحب كمانها وتعزف علي أوتاره معزوفة أباها المفضلة تغمض عيناها فتتسلل النغمات إلي قلبها وكأنها يد والدها الحانية تربت علي خافقها برفق، تعالت وتيرة المعزوفة تعلن عن حنين صارخ مالبث أن شابه الشجن ووتيرة المعزوفة تهدأ رويداَ رويداً فترق لها القلوب وتبكي ألماً إن استمعت إليها لتكون الخاتمة نغمات رقيقة حالمة تحمل نداءاً ووعداً أو ربما، أملاً.
ما ان توقفت عن العزف حتي انتفضت علي صوت تصفيق حار يأتي من خلفها، استدارت بسرعة فتلبكت وكادت أن تسقط ولكن يد امتدت إليها حالت دون سقوطها، ظهر الارتباك والألم علي ملامحها تنظر تجاه صاحب الصوت ذو النبرات الرجولية العميقة التي حملت ندماً وهو يقول:.
أنا آسف بجد مقصدتش أفزعك بالشكل ده، انا كنت بس ببدي اعجابي بعزفك، لما جيت كنت فاكر اني هكون لوحدي ومتوقعتش ابداً اني ألاقي حد هنا في الوقت ده ولا أسمع اللحن الجميل ده، اللحن ده اسمه ايه؟
استقامت تبتعد عنه فتركها علي الفور تتجاهل سؤاله وهي تقول باضطراب:
محصلش حاجة، انا، انا كنت لسة همشي حالاً وأسيب لحضرتك المكان، عن اذنك.
انحنت تبحث عن حذائها ترتديه بسرعة ثم تبحث عن حقيبتها بدورها تشعر بالحنق وقد ادركت أن نظرات هذا الغريب الآن مسلطة عليها لابد وأنه أدرك الآن أنها لا تبصر وربما يسخر منها في نفسه.
أمسكت حقيبتها في نفس الوقت الذي امتدت فيه يد الغريب وأمسكت الحقيبة وهو يقول بصوت ظهرت الصدمة في نبراته:
هو انتِ...
ترك سؤاله معلقاً فرفعت عيناها مباشرة إليه ليشعر بعينيها تنفذ إلي نفسه فتصيبه برعشة في جسده وغصة في قلبه اعتصرته بقوة حين قالت بصوت حاد لكنه متشعب بمرارة لم تخفي عليه:
عامية، أيوة عامية، فيها حاجة دي؟
نهضت فنهض بدوره يقول بأسف:
أنا مقصدتش أجرحك...
قاطعته قائلة بنفاذ صبر:
وأنا منجرحتش ممكن بقي تديني الشنطة عشان أمشي.
ناولها الحقيبة قائلاً:
آه طبعاً اتفضلي وبعتذر لتاني مرة لو كنت ضايقتك من غير قصد.
هزت رأسها تغادر المكان دون كلمة أخري بينما يتابعها بعينيه وهي تمشي حتي الطريق دون أن تتعثر، تتخطي العقبات وكأنها تألف المكان وتحفظه عن ظهر قلب لتصعد إلي سيارة تنتظرها، توقظ السائق فينطلق بها، وما ان ابتعدت سيارتها حتي استدار بجسده يطالع البحر الذي كانت تعزف أمامه، يتساءل عن هذه الفتاة والقصة ورائها، يدرك أنها لا تشبه غيرها من الفتيات، بها شيء يجذبه إليها، يوقن أنه لولا هذا المحبس الذي زين اصبعها لبذل قصاري جهده لمعرفة كل شيء عنها ولكن للأسف لا يملك الآن سوي أن يحتفظ بذكري اليوم في خاطره يعلن أنه في هذا اليوم رأي أجمل عيون لفتاة حملت كل سحر الدنيا بين طياتهما، عيون رغم فقدانهما البصر إلا أنه موقن من أنه لن ينسي نظرة صاحبتهما قط ولا عزفها الذي يسحر الألباب.
ملست علي تنورة فستانها بتوتر تقول بارتباك:
ايه رأيك يا ماجد؟
ها، رأيي في ايه؟
وكزته خالته فترك الهاتف يتطلع إليها متسائلاً، أشارت إلي ريم بحنق فنهض يقترب من الأخيرة يقول:
ايه الجمال ده كله ياريم! الفستان يجنن عليكي ياحبيبتي، انتِ أصلاً بتحلي أي حاجة بتلبسيها.
اكتفت بابتسامة رقيقة فأردف قائلاً:
ها، جاهزة خلاص نمشي ولا لسة؟
مررت يدها علي شعرها المنسدل باضطراب تقول:.
لأ أنا جاهزة هو شعري مش مظبوط ولا إيه؟
أسرعت سندس تقول:
مظبوط ياقلبي.
بينما قال ماجد:
انا كان قصدي يعني لو هتحطي ميكب زي باقي البنات.
مبحبوش وانت عارف.
ليه بس؟ ده بيبقي حلو قوي عليكي، عموماً أنا بس قلت أتأكد لإننا رايحين حفلة.
فركت يدها بتوتر وهي تقول:
أنا قلت اني كدة جاهزة ياماجد وياريت نمشي لإننا متأخرين، بعد اذنك ياطنط.
اتفضلي ياحبيبتي.
استدارت ريم تغادر المكان بينما تطلع ماجد إلي خالته بحيرة يتساءل عما فعل كي تزول الابتسامة عن ثغر ريم ويحل محلها التوتر، بينما أشارت له خالته بالرحيل وقد نفذ صبرها، تنوي عند عودتهما أن تجلس معه وتتحدث قليلاً وإلا أضاع هذا الأبله ريم من يديه إلي الأبد، هي فتاة رقيقة حساسة وقد زادت حساسيتها منذ هذا الحادث الذي أفقدها بصرها، لذا عليه أن يكون أكثر حذراً في التعامل معها وأكثر رقة وعليه أن يبدي المزيد من الاهتمام، تتعجب منه وهو المعروف بحنكته مع النساء وبراعته في سحرهن لكن حين يكون مع ريم يظهر كغر ساذج فقد القدرة علي الحديث مع جنس النساء وجذبهن إليه، قد يفقد خطيبته ان استمر علي هذا الحال وهي لن تسمح له بذلك، أبداً.
كانت تسبح بكيانها كله مع نغمات المعزوفة الموسيقية تستشعر كل نغمة تتحدث إلي روحها بأعذب الكلمات حين أخرجها ماجد من استغراقها باللحن وهو يميل عليها يهمس في أذنها قائلاً:
أنا هخرج أشرب سيجارة ومش هتأخر.
هزت رأسها بهدوء فغادر لتعود هي إلي أنغامها تنسجم معها وكأنها جزء من تكوينها تتحرك أناملها علي مسند كرسيها وكأنها هناك معهم تعزف أحلي النغمات.
في هذه اللحظة وقعت عيناه عليها هي فتاة الشاطئ كما أسماها رائعة الجمال في هذا الفستان الوردي الرقيق، تبدو ملامحها حالمة وكأنها غارقة في لجة من المشاعر، لم تغب عن مخيلته منذ رآها بالشاطئ. لقد تمني لو رآها مجدداً، يشعر بشيء كبير يجذبه لها، وجهها الجميل الخالي من المساحيق البريء كالأطفال المثير حد الهلاك، اهتمامها بالموسيقي وعشقها لسيمفونيات موزارت، رقتها الممتزجة بصلابتها، كل ماسبق يجبرونه علي الاعتراف بأن هذه الفتاة لا تشبه أي فتاة قابلها من قبل، لهذا تمني في هذه اللحظة أن يكون لها مكانة في حياته ولكن كأن القدر له رأي آخر، ففي هذه اللحظة جاء رجل وجلس جوارها يميل هامساً بشيء ما في أذنها، أشاح بوجهه عنهما وقد أثار مشهدهما في قلبه غيرة وحنق، لابد وأن هذا الرجل هو خطيبها الذي نسي أمره في غمرة أمنياته وأحلامه، وجد عيناه تعود إليهما مرة أخري رُغماً عنه فوجدها تنهض وتتبع الرجل بملامح ظهر عليها الاحباط، وكأنها مُجبرة علي الرحيل، انخلع قلبه حين أوشكت علي الوقوع ولكنها تماسكت في اللحظة الأخيرة، يلعن رفيقها الذي يسير أمامها غير منتبهاً لها حتي اختفيا تماماً فعاد بنظراته إلي المسرح حيث تعزف الفرقة الموسيقية، أغمض عيناه يستشعر النغمات فتمثلت له بين أهدابه، كانت كما رآها آخر مرة، تقف علي الشاطئ حافية القدمين يسترسل شعرها الحريري خلف ظهرها يتطاير مع النسمات بينما تمسك كمانها وتعزف من روحها فتسحر روحه وقلبه وتصل إلي كيانه، في هذه اللوحة تركت كمانها واستدارت إليه تتطلع بعينين ساحرتين إلي عينيه ثم تبتسم برقة فتشعل وجدانه، ابتسم بدوره ليفتح عيناه منتفضاً علي صوت تصفيق حار، أدرك أن المعزوفة قد انتهت ولكن أحلامه معها باقية، لن تنتهي أبداً علي مايبدو.
يتبع.....
1
الفصل الثاني
اتسعت عينا ريم باستنكار قائلة:
معقول ياطنط عايزاني اعمل الفرح وبابا لسة متوفي مكملش سنة؟ مستحيل طبعاً أوافق علي الكلام ده.
ليه بس يابنتي، صحيح الحزن علي صادق هيفضل في قلوبنا طول العمر، لكن بصراحة أنا خايفة عليكي، حالك مبقاش عاجبني دايماً وحيدة وسرحانة وحزينة، أنا شايفة ان الجواز هو الحل، ماجد بيحبك ولما هتتجوزوا ويجمعكم بيت واحد هتلاقي في وجوده جنبك العوض عن غياب والدك، اهتمامه وحبه ليكي هيشيلوا الحزن من قلبك ويزرعوا الفرحة بدالهم.
ياطنط افهميني، أنا قبلت أتخطب عشان دي كانت رغبة بابا الله يرحمه قبل مايموت، لكن جواز دلوقتي مش مستعدة ليه نفسياً ولا قادرة أتقبله ولو قبلت يبقي هظلم ماجد معايا لإني حقيقي مش قادرة أفرح، وبعدين ماجد أصلاً مش فاضي للجواز زي ماانتِ شايفة، علطول مشغول، ده احنا فين وفين علي مابنشوفه، عموماً لما تعدي سنة علي وفاة بابا علي الأقل نبقي نتكلم.
كادت سندس أن تتكلم ولكن ريم نهضت تردف بسرعة:.
عن اذنك بقي مضطرة أمشي لإني إتأخرت عن الحفلة.
غادرت ريم تتابعها سندس بحنق قبل أن تتصل باابن أختها الذي لم يجب هاتفه من أول مرة ولكنه أجاب حين عاودت الإتصال به لتبادره بغضب:
طبعاً، نايم ولا علي بالك، ماأنا غلطانة اللي بعتمد علي واحد مستهتر زيك.
تثاءب ماجد قائلاً:
طب قولي مساء الخير ياسوسو الأول، خير متعصبة كدة ليه بس؟
انت ياواد عايز تنقطني؟
بعيد الشر عنك، مالك بس فيه ايه؟قالبة عليا ليه بالشكل ده؟
هو أنا مش قعدت معاك من يومين وفهمتك ازاي تتعامل مع ريم عشان تكسب قلبها.
حصل.
أمال نايم وسايبها تروح الحفلة لوحدها ليه ياسي ماجد؟
أعمل إيه بس ياطنط؟ ماحفلات الموسيقي بتاعتها دي مملة قوي وبتخنقني.
تستحمل ياقلب طنط عشان خاطرها، تيجي علي نفسك شوية بدل ماتضيع منك أو حد يلعب بعقلها وياخدها منك.
حد مين ده اللي ياخدها مني؟ ده أنا كنت أقتله وأشرب من دمه.
ياواد ياجامد، اتكلم ياموكوس علي قدك، ده أنا خالتك مش حد غريب وعارفة اللي فيها.
يوه بقي ياخالتي، خليكي دايماً كدة تحبطيني وتكسري مجاديفي.
مجاديفك!معلش ياسيدي، عايزة مصلحتك ياابن اختي، وعشان كدة بنصحك، قوم خد شاور وحصل ريم علي الحفلة ومن هنا ورايح خليك جنبها، خليك ضلها، اشغلها بيك ياخايب خليها ترضي نعمل الفرح ونخلص بدل ماهي كدة قافلة دماغها ومش راضية تلين.
هو انتِ كلمتيها عن الفرح؟
أيوة ياأخويا، ورفضت طبعاً عشان لسة مفاتش سنة علي موت صادق ولما قلتلها ان الجواز هيمحي الحزن اللي جواها قالتلي انك أصلاً مش فاضيلها، فضي نفسك ياماجد واتلم حبتين خلينا نخلص.
حاضر ياسوسو، عيوني.
تسلملي عيونك ياحبيبي، عارف هتعمل ايه دلوقت؟
قال بملل:
هقوم آخد شاور وألبس وأروحلها الحفلة، ومن بكرة هكون زي ضلها، ملازم ليها في كل حتة.
هو ده الكلام ياحبيبي، أسيبك بقي تجهز نفسك وافتكر دايماً إن كل شيء في ايدك وانك وعدتني تخليها زي الخاتم في صباعك في وقت قصير، وريني الشطارة بقي.
هوريكي، سلام ياخالتي.
سلام.
أغلقت الهاتف ثم وضعته جانباً فوجدت صورة زوجها الموضوعة علي الطاولة جوارها، حملتها تطالعه قبل أن تتنهد قائلة بحنق:.
كدة ياصادق، كدة تعمل المقلب ده فيا؟ تموت وتحرمني من كل حاجة، كتبت فلوسك باسم ريم وبخلت عليا بيهم، تستاهل بقي، كان ممكن مصيرها يتغير وتتجوز واحد بيحبها بجد مش طمعان في فلوسها لكن عملتك وقعتها في ابن اختي، صحيح وسيم وشبه ممثلين السينما بس موكوس وخايب، لا شغلة ولا مشغلة، فالح بس مع البنات، كازانوفا عصره زي مابيقولوا، أكيد مش الراجل اللي حلمت بيه لبنتك، قلتلك عملتك السودا اللي هتضيع مستقبلها، هييييه هقول ايه؟غلطات الآباء بيدفع تمنها الأبناء، زعلان، لأ متزعلش، هي بنتك بوضعها دلوقت كانت هتلاقي أحسن من ماجد، كانت هتبور وتقعد في أرابيزي العمر كله، يلا، ده أنا خدمتك والله رغم انك متستاهلش، أعمل إيه بقي؟ قلبي أبيض وبنسي الاساءة بسرعة، طالعة لماما الله يرحمها، لما بابا اتجوز عليها بلغت عنه الضرايب وبعدين نصحته يكتب كل حاجة باسمها عشان مياخدوهاش منه ولما عمل كدة فعلاً خلعته، الراجل جتله جلطة ومات، مستحملش الحقيقة، بس هي سامحته قبل مايموت علي جوازه من واحدة تانية غيرها، مش قلتلك قلبها أبيض، الله يسامحه بقي جوزي الأولاني وجوز أختي، ضيعوا كل الثروة اللي سابتهالنا أمي في القمار وبعدين دخلوا السجن وماتوا جواه وسابونا من غير ولا مليم، أختي ماتت هي كمان بحسرتها وأنا قدرت أعوض خسارتي لما اتجوزتك بس الظاهر انك عرفت اللي عملته ماما قبل ماتموت وجايز حسيت اني اتجوزتك عشان فلوسك وبس فاستخسرتهم فيا ودي النتيجة، اشرب بقي، خلي روحك تتحسر وانت شايف بنتك بتضيع بسبب غدرك بسندس ياصادق.
لتضحك ضحكة شيطانية وهي تضع الصورة علي الطاولة مجدداً بينما تلتمع عيناها بقوة، وقسوة.
كان ماجد يقص عليها ماحدث بالنادي ليلة البارحة وكيف استطاع هزيمة صديقه في لعبة التنس ليكسب الرهان ويحصل علي سيارة الأخير حديثة الموديل ليوم كامل بينما تكتفي هي بهزة بسيطة من رأسها وابتسامة باهتة تعقيباً علي كلماته حين حضر النادل ووضع الصينية أمامها يفرغ فنجال من القهوة قائلاً باحترام:
القهوة السادة للبيه.
القهوة السادة ليا أنا.
حانت من النادل نظرة تجاه محدثته فتجمد كلية وهو يراها أمامه مجدداً وكأن القدر يسوقها دائماً في طريقه ليستفيق علي صوت ماجد الغاضب وهو يقول:
ايه يابني آدم انت؟ ماتركز في شغلك، وش القهوة راح خالص ونصها اتكب برة الفنجان.
طالع النادل الفنجال بصدمة قائلاً:
أنا آسف يافندم مكنش قصدي هجيب للهانم غيرها...
قاطعه ماجد وهو ينهض قائلاً بعصبية:
تجيبلها غيرها ايه؟فين مديرك؟
نهضت ريم بدورها تقول بتوتر:.
خلاص ياماجد من فضلك، محصلش حاجة، قالك هيجيب قهوة غيرها.
قال ماجد بحنق:
اسكتي انتِ، أصلك مش عارفة الأشكال دي كويس، أنا بقي عارفهم وعارف ازاي أتعامل معاهم.
يافندم ميصحش الكلام ده أنا...
قاطعه ماجد قائلاً بغضب:
انت كمان هتقولي ايه اللي يصح واللي ميصحش! فين صاحب المكان ده؟ فين المدير؟
ياماجد...
قلتلك اسكتي انتِ وسيبيني أتصرف.
جزت ريم علي أسنانها بينما جاء إليهم في هذه اللحظة رجل في أوائل الخمسينات يرتدي بذلة رسمية يقول بلهجة رسمية:
تحت أمرك يافندم، أنا المدير.
قال ماجد بعصبية:.
تعالي شوف سيادتك اللي شغالين عندكم، البيه جايب لنا القهوة وبيفرغها وعينه هتطلع علي خطيبتي، اتفرج شوف المنظر، فين الجرسون اللي أخد طلباتنا؟ كان علي الأقل محترم، مش ده مستوي الخدمة اللي مستنيينه من كافيه مشهور زي الكافيه بتاعكم؟وبعدين انتوا مش عارفين أنا مين؟ أنا ماجد الأسيوطي ابن المرحوم حامد الأسيوطي الصديق المقرب من عماد الجمال أخو صاحب كافيهات الجمال وبتليفون مني أقطع عيشكم كلكم.
قال المدير باضطراب:
يافندم احنا آسفين ياريت تقبل اعتذارنا عن اللي حصل وبنوعدك بعدم تكرار الغلطة دي تاني، معلش ده جرسون جديد وأكيد هيتعاقب...
قاطعه ماجد قائلاً:
يتعاقب؟!انت بتهزر؟ ده يترفد حالاً وقدامي دلوقتي يتطرد برة.
حرام ياماجد تقطع عيشه عشان حاجة بسيطة زي دي، الموضوع مش مستاهل.
طالعها بقلب رق لكلماتها المدافعة عنه يدرك أن قلبها رقيق كملامحها وعزفها ليقرر أن يدلف إلي حياتها من خلال رقة قلبها يقترب منها أكثر وقد ارتأي من خلال نظرته النافذة أن هذا الرجل لا يستحق فتاة كهذه، فتاة حملت روحها عبق الماضي حين كانت النساء رقيقات يتمتعن بالأصالة والرقي وطيبة القلب، فتاة اختلفت عن كل من حوله من الفتيات، لم تكن مرفهة سطحية لا يهمها سوي مظهر فارغ ولم تكن متشبهة بالرجال مطالبة بالمساواة بينها وبينهم، حين صارت لا تشبه أي منهن تميزت في نظره وحين تميزت صار القرب منها واجباً.
عاد بتركيزه إلي الحوار الدائر بين هذا الماجد والمدير وماجد يقول:
انا قلتلك اللي عندي والقرار دلوقتي في ايدك.
أكيد الزبون علي حق، لم حاجتك وسلم عهدتك ياجهاد.
لا يافندم أرجوك بلاش ترفدني، انا ماصدقت ألاقي شغل، والدتي مريضة وملهاش حد غيري وانا محتاج الوظيفة عشان أقدر أصرف علي علاجها.
شفت ياماجد؟ والله حرام عليكم، من فضلك ياحضرة المدير مترفدوش، اخصم منه يومين بس مترفدوش.
يا ريم...
كان لابد وأن يكون اسمها ريم، جميلة كغزالة رقيقة وقعت في يد صياد ماهر لذا وجب علي أحدهم إنقاذها ومن خير منه قد ينقذها؟
من فضلك ياماجد لو بجد ليا خاطر عندك متقطعش عيشه، عشان خاطر مامته علي الأقل.
ربنا يكرمك ياهانم.
نظر ماجد بحنق تجاه جهاد قبل أن يتطلع إلي ريم، يتأرجح بين رغبته في ارضائها ونيل اعجابها كما طلبت منه خالته وبين رغبته في الانتقام من هذا الذي جرؤ علي التطلع لشيء يخصه لتفوز الأولي.
لذا قال بهدوء:
خلاص مترفدوش واكتفي بالخصم، اخصمله أسبوع مش يومين وبس، وياريت يمشي من قدامي دلوقتي وابعتلي جرسون تاني بالقهوة.
قال المدير باحترام:
تحت أمرك يافندم، قدامي ياجهاد علي المكتب.
سار جهاد يتبعه المدير بينما عاد ماجد للجلوس مطالباً ريم بالحذو مثله، فجلست علي مضض وقد أحنقها تصرف ماجد واصراره علي صرف النادل من العمل ثم اصراره علي الخصم من مرتبه، تتساءل كيف سيعوض هذا المسكين المال وهو يحتاجه بشدة من أجل علاج أمه كما أخبرهم منذ قليل؟ لتلتمع عيناها وقد خطر في بالها شيء ستقوم به ما ان تستطيع.
كان يستعد لحمل الصينية والتوجه للخارج حين استمع إلي صوتها الرقيق وهي تقول:
من فضلك عايزة الأستاذ جهاد.
استدار يتطلع إليها بعيون تتشرب من ملامحها الجميلة، لقد جاءت إلي المطبخ خصيصاً تسأل عنه، هل دق خافقه الآن بقوة كما لم يفعل من قبل، تقدم منها بينما يقول زميله:
هناك أهو، علي بعد تقريباً أربع خطوات منك.
استمعت إلي صوته وهو يقول:
أنا جهاد ياهانم، خير، محتاجة حاجة؟
مدت يدها إليه ببعض المال قائلة:.
دي الفلوس اللي اتخصمت منك.
قال رافضاً:
مش هقدر أخدهم من حضرتك، انا غلط ولازم أرضي بعقابي.
ومامتك ذنبها إيه؟ خد الفلوس عشان تقدر تدفع مصاريف علاج والدتك.
تدفق الحنان من عينيه، قلبها الرقيق يجذبه بقوة ليبتسم قائلاً:
ده كرم كبير من حضرتك لكن حقيقي مش هقدر آخد الفلوس دي منك، أنا هقدر أتصرف.
راق لها كبرياءه فأصرت قائلة:.
من فضلك متكسفنيش واعتبرني زي أختك وهي زي والدتي، اللي حصل كان بسببي، انا اللي اتكلمت وقتها ولبختك وانت زي ماقالوا لسة جديد في مهنتك، من صوتك وطريقة كلامك حاسة انك خريج تعليم عالي، يعني مرض والدتك اللي اضطرك تشتغل في غير مجالك عشان تقدر تصرف علي علاجها، الحقيقة انا بقدر الناس اللي زيك وبتمني اقدر أساعدكم وأقف جنبكم لانكم تستاهلوا الدعم..
أخرجت من حقيبتها كارتاً منحته إياه مردفة:.
ده كمان الكارت بتاعي لو احتجت أي حاجة متترددش واتصل بيا وزي ماقلتلك انت زي أخويا ووالدتك زي والدتي الله يرحمها.
الله يرحمها.
هل من الممكن أن يخفق القلب بقوة فتسمعه ينادي بحروف من كانت السبب في سحره؟ مابين الخفقة والأخري يصرخ به مطالباً إياه بقوة...
تمسك بذات الراء فإن قلبها قُدّ من الجنة، لا تتركها أبداً فإن تركتها فلن تجد لها مثيلاً قد ألقت عليك تعويذتها منذ استمعت إلي أنغامها الملائكية فصارت تسري بروحك كما تسري الدماء بشرايينك.
أفاق من تأمله لها علي صوتها المرتبك وهي تقول:
أستاذ جهاد!
الحقيقة انك انسانة بقلب من دهب وقصاد طيبتك وأخلاقك العالية وكلامك اللي بيدل علي طيب أصلك هقبل آخد الفلوس لكن علي سبيل الدين وبإذن الله في أقرب فرصة هديهملك.
لكن...
من غير لكن ده شرطي الوحيد عشان اقبل الفلوس ياآنسة ريم، قلتي إيه؟
هزت رأسها واعتلي ثغرها ابتسامة رقيقة، كل شيء يخصها يسحره حتي ابتسامتها التي يراها لأول مرة فشعر بالكون حوله يشرق ويبتسم له، أخذ منها المال والكارت شاكراً فقالت بابتسامة:
مفيش داعي للشكر، احنا اخوات زي ماقلت لك، عن اذنك.
استدارت مغادرة فتابعها حتي اختفي طيفها قبل ان يتنهد وهو ينظر إلي الكارت يقرأ حروف اسمها بقلبه قبل لسانه ريم صادق العدل، لقد نقشت الحروف بقلبه وتعمقت مكانتها به ولن يهدأ ويرتاح حتي تكون له فمثل هذه الفتاة ان وجدتها لا تتخلي عنها أبداً، تتمسك بها، تحبها وتهتم بها وترعاها وتمنحها روحك ان أرادت، فهي كنز ثمين ونعمة مهداة من رب العالمين.
تنهد مجدداً قبل ان ينظر الي صينية القهوة الباردة ليقرر ان يغيرها بأخري ساخنة علي حسابه قبل أن يقوم المدير بتقريعه مرة أخري وفي هذه المرة لن يرحمه، أبداً.
يتبع.....
1
الفصل الثالث
اسندت خديجة وجنتيها علي يديها قائلة بحنق:
طبعاً هيرفض ماانتِ عارفة بابا، أهم حاجة عنده ان العريس يكون عنده شقة وطبعاً يحيي لسة ملقاش شقة مع انه ياقلبي طالع عينه ليل ونهار بيدور عليها عشان يتقدملي بقلب جامد بس هيلاقي منين بس شقة في مكان كويس بابا يرضي أسكن فيه وبالمقدم البسيط اللي معاه؟
هو معاه كام؟
5000 جنيه.
طب ايه رأيك إني لقيتلك شقة في مكان كويس جداً بالمقدم ده؟
استقامت خديجة تلتمع عيونها بحماس وهي تقول بلهفة:
احلفي ياريم، بجد الكلام اللي بتقوليه ده؟ اوعي تكون اشتغالة، هروح فيها والله.
ابتسمت ريم قائلة:
بعيد الشر عنك ياديجا، الشقة موجودة فعلاً وتحت أمرك من الصبح لو حبيتي.
فين هي دي؟
في عمارتي اللي في جليم، فيه شقة سكانها سابوها الشهر اللي فات ده، الحقيقة عم ناصر البواب جابلي كذا زبون ليها بس كان فيه حاجة دايماً تخليني ارفض وكأنها كانت مستنياكي عشان تنوريها انتِ ويحيي.
اغروقت عينا خديجة بالدموع وهي تمسك بيد ريم قائلة بامتنان:.
أنا مش عارفة أقولك إيه؟ انتِ أطيب وأحن قلب في الدنيا بس الحقيقة مش هقدر أستغل طيبة قلبك دي وأوافق علي عرضك، الشقة دي تجيبلك فلوس كتير قوي ياريم، مش هقدر أكون سبب في خسارتك ليهم.
ربتت ريم بيدها الحرة علي يد خديجة قائلة:.
ياعبيطة الفلوس مش كل حاجة في الدنيا، المكسب الحقيقي هو صاحبة زيك دايماً معايا، واقفة جنبي وفي ضهري، زعلك بيزعلني وفرحك بيفرحني، انتِ أختي يابنتي، معقولة هبخل علي أختي بحتة شقة صغنتتة هتجمعها بحبيب قلبها اللي ليل ونهار ملهاش سيرة غيره؟ مستحيل طبعاً.
قالت خديجة بحب:
أنا بحبك قوي ياريم.
وأنا بحبك ياقلب ريم، يلا بقي قومي نمشي عشان تفرحي يحيي وتقوليله يتقدم بقلب جامد، أنا كمان اتأخرت علي درس الموسيقي بتاعي.
انتِ مش ناوية تسمعي كلام المايسترو وتعزفي سولو مع الفرقة في احتفالية راس السنة؟
نهضت تحمل حقيبتها وتسير جوار خديجة التي منحتها يدها تستند عليها قائلة:
لأ طبعا، مقدرش أتحمل نظرات الشفقة في عيون الناس، رغم اني مش هشوفهم بس هحس بيهم وهم بيعلقوا علي عجزي.
دي أوهام في دماغك ياريم، محدش هياخد باله، هيسحرهم عزفك زي مابيسحرني.
لإنك بتحبيني.
كادت خديجة أن تقول شيئاً ولكنها ضربت علي رأسها بخفة قائلة:
نسيت الشنطة، استنيني هنا هروح أجيبها وآجي.
هزت ريم رأسها فأسرعت خديجة بالعودة لطاولتهما بينما هبت الرياح فجأة فحملت بعض الأتربة التي صفعت وجه ريم، وضعت ريم يدها علي وجهها تتراجع إلي الخلف بفعل الرياح ثم استدارت فارتطمت بأحدهم تجمدت في مكانها وهي تسمع صوت المياه تدرك انها أصبحت جوار حمام السباحة ثم فجأة سمعت أحدهم يصرخ بها قائلاً:.
خبطيني وزقتيني ووقعتيني في حمام السباحة وواقفة ولا كأنك عملتي حاجة، يعني مش كفاية اتعميتي لأ قليلة الذوق كمان ومغرورة، النادي الظاهر بقي بيقبل كل من هب ودب.
شحب وجه ريم كلية مع كلمات هذا الرجل الجارحة ولم تدري كيف تجيبه، أرادت الرحيل علي الفور ولكن كيف وهي مهددة بالسقوط في حمام السباحة بدورها ان تحركت، اغروقت عيناها بالدموع الحبيسة التي أبت السقوط أمام إهانة الرجل لها بينما سمعت صديقتها تقول بغضب:.
ايه يابني آدم الكلام اللي انت بتقوله ده؟ ماتحترم نفسك.
أنا محترم غصب عنك انتِ كمان، الظاهر انك مش عارفة أنا مين؟ انا طاهر الحمصاني، أظن مفيش حد مسمعش عني، أو يمكن انطرشتي، ما انتِ صاحبتها وأكيد شبهها.
لأ ده انت زودتها قوي و...
قاطعتها ريم تقول بصوت شابته المرارة:
خديجة من فضلك روحيني البيت.
ودرس الموسيقي.
هعتذر عنه، أنا تعبانة ومحتاجة أرتاح، من فضلك، يلا بينا نمشي من هنا بسرعة.
هزت خديجة رأسها قبل أن تتطلع إلي الرجل بحنق وهي توجه حديثها إلي ريم قائلة:
يلا بينا ياقلبي، أنا كمان عايزة أمشي من هنا بسرعة لان النادي بقي بيلم فعلاً وبيقبل كل من هب ودب.
غادرا المكان تستند ريم علي يد خديجة بينما تبعهما طاهر بنظراته قائلاً بحنق:
أهي لولا انها طلعت عامية بجد كان بقالي شغل تاني معاهم.
كنت هتعمل إيه يعني أكتر من اللي عملته؟
استدار طاهر يطالع محدثه، عقد حاجبيه وقد ظهرت السخرية علي ملامح هذا الرجل الوسيم الذي ظهر من العدم، ليقول بحدة:
وانت مالك يابني آدم انت؟ حاشر نفسك ليه في شيء ميخصكش؟
كل شيء بيحصل في النادي هنا يخصني علي فكرة، عارف ليه؟
قال طاهر متوجساً:
ليه؟
اقترب منه يقول بغضب:
لإني صاحب النادي.
اتسعت عينا طاهر قائلاً بصدمة:
انت...
أيوة أنا، والحقيقة ميشرفنيش وجود عضو بأخلاقك دي في النادي بتاعي، من النهاردة اعتبر نفسك مطرود منه وقدامك بالظبط...
نظر إلي ساعته مردفاً بصرامة:
خمس دقايق تلم فيهم حاجتك ومشوفكش هنا تاني وإلا هطلب من الأمن يتصرفوا معاك وأظن واحد بمكانتك اللي فرحان بيها قوي دي مش هينبسط لما افراد الأمن يجرجروه برة زي الحرامية، ولا إيه؟
انتفخت أوداج طاهر غضباً وكاد أن يقول شيئاً حين قاطعه الرجل قائلاً بصرامة وهو ينظر إلي ساعته:
4 دقايق.
زفر طاهر بقوة وهو يسحب حقيبته الرياضية ويغادر المكان بسرعة خشية أن ينفذ الرجل تهديده ويصير حديث الناس والمجتمعات الراقية، فمما سمعه عنه يدرك بكل يقين أنه رجل لا يرحم أعدائه وقد بدا كعدو له في هذه اللحظة ليلعن غباءه وضيق خلقه اللذان جعلاه يخسر عضويته في النادي الذي يتوق العديدين للاشتراك فيه وكان من سوء حظه أن ضُبط بسوء التصرف أمام صاحب النادي ومالكه الوحيد.
تأمل جسدها الذي تستره الآن بارتداء ملابسها قائلاً برغبة شعت من مقلتيه:
ماتخليكي شوية كمان ياسوسو، مستعجلة علي ايه بس؟
أغلقت أزراز سترتها وهي تقول:
ماأنا قايلالك ان ورايا ميعاد مهم مع المحامي اللي رشحتهولي ميار عشان أشوف لو أقدر أطعن في الورق اللي سابه صادق وأخلص بقي من المصيبة اللي في البيت دي بدل ماأنا كدة قاعدة تحت رحمتها.
أزاح عنه الغطاء وهو ينهض مقترباً منها قائلاً:.
ماأنا قلتلك سيبك منها وتعالي عيشي معايا، انتِ اللي مرضيتيش.
وضع يديه علي خصرها يضمها إلي حضنه فاستندت بيديها علي صدره تتنهد قائلة:
انت عارف ان اليوم اللي أكون فيه معاك دايماً قدام الناس من غير خوف هو يوم المنا ياعزت، أنا عمري ماحبيت ولا هحب غيرك انت، بس قولي هنصرف منين وهنعيش ازاي؟
من شغلي.
رفعت أناملها تمررها علي وجنته بنعومة قائلة:.
شغلك ده يادوب بيجيب سجايرك ومزاجك وبنزين عربيتك، بقية المصاريف هنظبطها ازاي؟ احنا اتعودنا علي مستوي في العيشة مختلف خالص عن زمان ياحبيبي.
نرجع زي زمان.
قبلته علي وجنته بنعومة قائلة:
قول للزمان ارجع يازمان.
لتزيح يديه من علي خصرها قائلة:.
احنا اتغيرنا ياعزت وبقي صعب نرجع نعيش زي الأول، لا انت هتقدر تتنازل عن مزاجك ولا أنا هقدر أتنازل عن الوضع اللي بقيت فيه، الناس دلوقت كلها بتعملي ألف حساب وبتناديلي سندس هانم بعد ماكانوا بيتهربوا مني، كانوا بيفكروني همد إيدي ليهم وأستلف منهم، منكرش اني أوقات كتير كنت علي وشك أعملها لولا قابلت صادق وقررت أوقعه في شبكتي ولما حصل أبواب السعد اتفتحتلي.
ورجعت اتقفلت من تاني لما مات، غدر بيكي وكتب ثروته لبنته.
مطت شفتيها قائلة:
بنت عامية كل مفاتيحها في ايدي رغم انها عنيدة حبتين لكن قلبها طيب وبتحب باباها قوي وفعل الخير وأنا بدخلها من البابين دول ولغاية دلوقت ناجحة وبامتياز في اني أخليها تحت طوعي.
طب مادام مسيطرة عليها قوي كدة رايحة للمحامي ليه؟
خايفة ياعزت، خايفة يوم البساط يتشد من تحت رجلي، خايفة يوم تعرف حاجة عني وتطردني برة النعيم ده كله، محتاجة أطمن وخصوصا ان مشروع جوازها من ابن اختي نتيجته مش مضمونة بعمايله السودة معاها، الواد مش قادر يكسب قلبها ويخليها زي الخاتم في صباعه، خايفة في يوم حد تاني يضحك عليها ووقتها هيكون هو الآمر الناهي في حياتها ومش بعيد أكون له زي اللقمة في الزور ويطردني هو كمان أو يتحكم فيا، ده غير اني مش عارفة أتجوزك و أكون معاك علطول وده خانقني وتاعب أعصابي.
والحل؟هنفضل كدة كتير؟
هزت كتفيها قائلة:
أديني بحاول أهو عشان ألاقي حل ولو المحامي اللي رايحاله ده شاطر بجد زي ما ميار قالتلي تبقي هانت ياقلبي وأكون معاك اللي فاضل من عمرنا.
بجد ياسندس؟
قبلته في وجنته هامسة بنعومة:
بجد ياقلب سندس.
تمسك بخصرها مجدداً قائلاً بحرارة:
انتِ قلتي ميعاد المحامي الساعة كام؟
سبعة.
الساعة لسة ستة ياقلبي يعني قدامنا وقت.
كان يحل أزرار سترتها بينما يتحدث يلامس بشرتها العارية بنعومة فأصابها باضطراب في أحاسيسها لتقول من بين أنفاسها اللاهثة:
وقت لإيه ياعزت؟
ألقي بسترتها جانباً يسحبها لحضنه يمرر يده علي ظهرها يثير أعتي المشاعر بكيانها قائلاً برغبة:
للحب ياقلب عزت.
استمعت إلي هاتفها الذي يردد رقم ماجد خطيبها، أغمضت عينيها في حركة لا إرادية تبغي تجاهلاً في جوف ظلام تعيشه بالفعل، لا تريد وهي في هذه الحالة ان تستمع إلي حوار لا فائدة تُرجي منه، هكذا حواراتها الهاتفية مع ماجد، تدور كلها حوله وحول انجازاته اليومية والتي أكبر انجاز فيها أنه استطاع تحقيق الرقم القياسي في صد ضربات الجزاء بالنادي، أو كسب رهاناً مع صديقه استطاع فيه حبس أنفاسه تحت الماء لمدة أطول من كل رفقائه.
زفرت بقوة وهي تشعر بالملل الشديد بعد أن ألغت درس الموسيقي لهذا اليوم تأثراً بما حدث بالنادي صباحاً حيث تركت كلمات الرجل القاسية أثراً سيئاً في نفسها وأحدثت جُرحا مازال يقطر دماً.
فتحت عيناها حين تناهي إلي مسامعها صوت هاتفها يعلن عن اتصال جديد من رقم غريب، كادت أن تتجاهله بدوره ولكنها وجدت في نفسها شعور قوي يخبرها أن عليها الإجابة عليه ففعلت دون تردد.
تناهي إلي مسامعها صوت رجولي عميق النبرات يقول:.
مساء الخير ياآنسة ريم.
مساء النور، مين حضرتك؟
أنا جهاد الجرسون اللي...
قاطعته قائلة:
أيوة أيوة، خير ياأستاذ جهاد؟
صمت من جانبه للحظة قبل أن يقول:
انتِ بخير ياآنسة؟
هل أخبره صوتها بما تمر به الآن من سوء وألم أم أخبرته طريقتها الجافة في الحديث معه؟ هل جرحته؟ أكان يريد منها شيئاً؟ ربما مالاً أو دواءاً لوالدته؟ شعرت بالذنب علي الفور فأسرعت تقول:
أنا بخير الحمد لله، مامتك كويسة؟ محتاجة حاجة؟
تسللت نبراته الحانية إلي قلبها وهو يقول:
ماما بخير الحمد لله، الحقيقة أنا بكلمك مخصوص عشان أبلغك شكرها وامتنانها ليكي علي اللي عملتيه معايا.
انا معملتش حاجة، الموضوع بسيط متكبرهوش.
بسيط بالنسبة لك لكنه كبير قوي بالنسبة لنا، اللي زيك في الزمان ده بقوا قليلين قوي ياآنسة ريم، تقريباً يتعدوا علي الصوابع.
مش قليلين صدقني، اللي زيي كتير، رسولنا الكريم قال الخير في أمتي ليوم الدين.
عليه أفضل الصلاة والسلام.
صمت للحظة أخري قبل أن يقول:
آنسة ريم.
آفندم.
أنا لو طلبت أكون قريب منك، صديق يعني وقت ماتحتاجيه متتردديش في طلبه أكون بكدة طمعت زيادة في كرمك.
انك تعرض عليا صداقتك وخدماتك ده كرم منك انت ياأستاذ جهاد.
آنسة ريم..
نعم..
ربنا خلق مابينا ناس بيبقوا مصدر للسعادة والخير لكل اللي حواليهم، الناس دي مش بتشبه حد من البشر، بيبقوا شبه الملايكة، وانتِ من الناس دول اللي ربنا بيحبهم، واللي بيحبه ربنا مفيش حاجة في الدنيا ممكن تسبب له حزن لإنه بيكون متأكد ان أي ابتلاء هو خير من عند ربنا، عسر بعده يسر، ربنا عايز يقولك ان الدنيا مهما ضاقت بيك ياابن آدم فأنا جنبك ومش هتخلي عنك أبداً مهما حصل، فاهماني؟
فاهماك.
يبقي امسحي دموعك دلوقتي وانفضي عنك حزنك وبكرة لو حبيتي ممكن نتقابل قبل الشيفت بتاعي أو بعده ونتكلم أكتر.
مسحت دموعها لا ارادياً وهي تتعجب من ادراكه أنها تبكي رغم محاولتها المستميتة اخفاء ذلك، لتقول بهدوء:
متشكرة قوي علي عرضك الكريم ده بس الحقيقة أنا بكرة مشغولة ومش هقدر أقابلك.
أدرك محاولة تهربها منه فلم يضغط عليها قائلاً بهدوء:
مفيش مشكلة، وقت ماتحتاجيني كلميني، تصبحي علي خير.
تلاقي الخير.
أغلقت الهاتف تشعر ببعض الندم علي رفض عرضه وقد بدا طيب القلب يبغي رد معروفها دون إلحاح رغم أنها تشعر أنه التصرف السليم، فلا حاجة لها لتعقيدات جديدة بحياتها وقد بدا مهتماً بها حريصاً علي راحة نفسها وقلبها علي عكس خطيبها الذي لم يعاود الاتصال بها مجدداً وكأن الاتصال بها هو واجب يقوم به علي مضض، انتفضت علي صوت رنين هاتفها يعلن عن رقم خطيبها، في هذه المرة أجابت وياليتها مافعلت فقد ضج رأسها بحديثه العقيم عن حفلة الليلة التي كان يحضرها وكم كانت رائعة وسؤال الجميع عنها ثم رغبته في اصطحابها المرة القادمة حتي لا يلومه أصدقائهم مجدداً، اختتم المحادثة دون أن ينتبه لصوتها أو يشعر بحزنها لتعقد مقارنة علي الفور بينه وبين النادل جهاد الذي أدرك مابها من أول كلمة، لتتأكد أنها كانت محقة حين أغلقت الأبواب أمامه فربما ان تعمقت صلتها به وجدت نفسها تقارن بينه وبين ماجد مجدداً ليخسر الأخير دون شك.
يتبع.....
1
الفصل الرابع
آه والله زي مابقولك كدة، إيناس صاحبتي اللي بلغتني وقالتلي إن صاحب النادي طرده منه وحرمه من دخول النادي هو وأي فرد من عيلته.
معقول!
معجبوش ياستي اللي عمله معاكي وسمعه كلمتين انما ايه في الجول، وبعدين طرده، علي فكرة اللي اسمه طاهر ده طلع فعلاً حكاية، فلوس وعلاقات مقولكيش، ان صاحب النادي يطرده هو وعيلته حاجة مش سهلة لكن قصاد انعدام الأخلاق مترددش ثانية واحدة، النادي كله ملوش سيرة غير الموضوع ده أصلاً.
لسة الدنيا بخير زي ماقلت.
ذكرتها عبارتها بحديثها مع جهاد فوجدت نفسها تردد كلماته بعقلها..
ربنا خلق مابينا ناس مش بتشبه حد من البشر.
بيبقوا شبه الملايكة
انتِ من الناس اللي ربنا بيحبهم
اللي بيحبه ربنا مفيش حاجة في الدنيا تضره او تسبب له حزن
عايز يقولك ان الدنيا مهما ضاقت بيك ياابن آدم فأنا جنبك ومش هتخلي عنك أبداً مهما حصل.
عادت من شرودها تستمع لصديقتها التي قالت بحماس:
الراجل ده بصراحة الكل بيتكلم عنه وعن أخلاقه وعن فعله الدايم للخير، ماشي علي نهج والده الله يرحمه ووالدته المعروفين في المجتمع الراقي بأخلاقهم العالية وكرمهم الحاتمي.
مش قصدك جواد الجمال؟أنا فعلا سمعت عن والده كتير من بابا الله يرحمه وانه من الأوائل اللي رفضوا استيراد البن أو غشه وعشان كدة اشتري أرض في البحيرة وقرر يزرع البن في مصر، ولان بذور القهوة وأوراقها مبتحبش الشمس عمل حاجة اسمها الزراعة المظللة، يزرع البن يعني تحت شجر المانجة عشان توفر الضل للبن وفعلا نجح وبدأت الناس تقلده، في توشكي وفي محافظة القليوبية كمان.
أهو ابنه بقي مكمل وراه، اتوسع في شغله وخلي اسم عيلته علامة تجارية للي عايز يشرب بن حقيقي مظبوط وبسعر بيضارب بيه كل الأسعار العالمية، ده غير ان كافيهاتهم مالية البلد وكل واحد فيهم ماشي زي التاني بأعلي مستوي خدمة، أنا سمعت انه زارع في كل كافيه عيون ليه بتعرفه لو فيه أي تقصير ووقتها عقابه بيبقي عالمي.
ماجد دايماً ياخدني لكافيه من كافيهاتهم، الحقيقة بشرب هناك فنجان قهوة مشربتوش في أي مكان تاني.
اللي مزعلني ان الواد مز كدة ولا ممثلين السينما ولسة عازب لحد دلوقت، مش عارفة أهله ساكتين عليه ازاي مع انه وحيدهم؟هي البنات راحت فين طيب؟ مفيش واحدة قادرة توقعه في حبها وتدخله عش الزوجية، طب يقولولي بس وأنا أتصرف.
ابتسمت ريم قائلة:
واحنا مالنا ياديجا؟ وبعدين ماتركزي شوية مع يحيي ولا ناوية تغيري؟
اتسعت عيناها باستنكار قائلة:.
أغير ايه بس؟ ده يحيي اللي في الحتة الشمال، ساكن ومقيم كمان، أنا بس نفسي أخدم لو مش لاقي عروسة أجيبله.
اتسعت ابتسامة ريم وهي تهز رأسها في يأس.
أصبحت الآن أدرك سر تجنبي الحضور إلي هذا المكان، أخشي اقتراباً منه يعلقني بروح طيبة توسمتها فيه، بات اللقاء بشخص كهذا يرعبني وكيف لا أرتعب ولم أعد حرة لأكون مع صديق قد يتسلل لقلبي دون ارادة مني؟لا تنكر أيها القلب ولا تستبعد مخاوفي فلم تره سوي مرة واحدة ولم تتحدث إليه سوي مرتين وها أنت من وقتها ولا يمر يوماً دون أن تردد كلماته وتستعيد الحنان والاهتمام بصوته، تقارن بينه وبين هذا الجالس جوارك فيخسر الأخير وتنتابك الحسرة، حتي أنك تتساءل عن مكانه الآن وهل يراك؟ أتراه قريباً؟ اذا ما الذي يؤخره؟
أفاقت من أفكارها علي صوت ماجد الذي أغلق هذه المحادثة التي كان يجريها وهو يقول بحماس:
أهم جايين ياستي، قلتلك هايدي متقدرش ترفضلي طلب، هنقعد شوية ونقوم نروح النادي نكمل قعدتنا.
مش هقدر ياماجد أنا ورايا تدريب...
قاطعها قائلاً بحنق:.
تدريب ايه بس اللي يخليكي تفوتي فرصة زي دي؟ انا مش عارف فايدته ايه التدريب مادام في الآخر مش هتعزفي؟فلوس بتترمي في الأرض وخلاص وبعدين انتِ لازم تشوفيني وأنا بكسب أصحابنا كلهم في لعبة الكريكيت.
أنا مبشوفش ياماجد.
قالتها بسخرية مريرة جعلت ماجد يقول بسرعة:
أنا آسف ياريم أكيد مقصدش.
ولا يهمك.
تأمل ماجد المكان قائلاً:
تعرفي أحلي حاجة النهاردة في المكان ده ايه؟إن الجرسون المستفز ده مش موجود.
انتبهت لكلماته تعقد حاجبيها متسائلة عن سر غيابه، كانت تتوقع ان يحمل لها هذا الخبر ارتياحاً ولكنه علي العكس جعلها تتوجس خيفة من اجابة سؤالها حين أردف ماجد بنبرات متشفية وهو يقول:
إمبارح قابلت مدير المكان، طلع جار مؤنس صاحبي وصديق والده، عرضت عليه مبلغ عشان يطرد الجرسون ووافق، عشان تعرفي بس ان محدش ممكن يقف قصادي من غير ماياخد جزاؤه واني دايما بكسب في الآخر.
وتفتكر لما قطعت عيش الغلبان ده وخليته دلوقت بيدور علي شغل عشان يقدر يجيب أكل وعلاج لوالدته تبقي كسبت؟ أكيد خسرت وخسرت كتير كمان.
قال ماجد بضجر:
وأنا مالي ومال قصصه دي، ياستي غلبان زي مابتقولي كان مشي جنب الحيط وموقفش قدام أسياده، علي فكرة ياريم انتِ قلبك رهيف قوي وعشان كدة الناس بتعرف تستغلك، الحمد لله اني موجود دلوقت في حياتك عشان أوقف كل واحد عند حده وأحميكي من النصابين دول.
همست بحنق:.
احمي نفسك الأول.
أشار للنادل قائلاً:
بتقولي حاجة؟
نهضت تقول بعصبية:
بقول اني لازم اقوم أمشي عشان اتأخرت عن التدريب بتاعي اللي انت شايفه ملوش لازمة لكن أنا شايفاه مهم جداً في حياتي، ابقي سلملي بقي علي هايدي وشيري وقولهم كان نفسها تكون معاكم بس قلبها رهيف ومش هتستحمل تشوفني خسران قدام الكل.
انا مبخسرش أبداً.
النهاردة هتخسر، سلام ياماجد.
ابتعدت يتابعها بعيون متسعة من الصدمة قبل أن يقول بحنق:.
بتقولي اني هخسر في وشي، ريم الظاهر اتجننت، مش عارف اتعصبت عليا كدة ليه؟كل ده عشان كنت السبب في طرد الجرسون؟ وإيه يعني؟ ماقلتلها هو اللي وقف قصادي وكان لازم أعلمه الأدب، مثاليتها دي تخنق والله، لولا فلوسها وزن خالتي كنت كبرت منها خالص واتجوزت هايدي أو حتي شيري الاتنين فرافيش كدة وحلوين، مش خنيقة زي ناس، والله ماانا عارف شايفة نفسها علي ايه، أمال لو مكنتش عامية؟
بتقول حاجة يابيه؟
وانت مين انت كمان؟
انا الجرسون، حضرتك شاورتلي.
آه، طب روح هاتلي قهوة مظبوط بسرعة، عايز خدمة فوق المستوي، أنا مش هستني حضراتكم اليوم بطوله عشان تجيبولي القهوة، مفهوم؟
هز النادل رأسه قائلا:
تحت أمرك يافندم.
وما ان ابتعد قليلاً حتي قال حانقاً:
والله لو عليا هجيبلك قهوة فيها ملح ولا سم هاري، مش كفاية قطعت عيش الراجل السكرة اللي ملحقش يتهني بالوظيفة، كمان بتكلمني وكأني بشتغل عندك، صحيح تيوس معاها فلوس.
أمسكت هاتفها للمرة التي لا تدري عددها تبغي إتصالاً ترغبه وتخشاه في نفس الوقت، تركت هاتفها تزفر بحنق، قلبها مشغول عليه، تتساءل كيف حاله الآن وكيف حال والدته؟ هل وجد عملاً آخر أم مازال يبحث؟ أكان لزاماً علي ماجد أن يتسبب في طرد هذا المسكين؟هل كانت السبب حقاً في طرده؟ترغب في الاطمئنان عليه وفي نفس الوقت تخشي اقتراباً يحمل العديد من العلامات الحمراء...
ولكن هل ستقف هذه العلامات أمام قلباً رحيماً كقلبها لا يتخيل مجرد التفكير في أن هناك سيدة الآن ينتابها الألم ولا تجد العلاج؟ هل ستدير ظهرها عنه لمجرد أنها تخشي ماشعرت به تجاهه حين تحدث معها علي الهاتف؟ هل هي ضعيفة إلي الحد الذي لا تستطيع عنده التحكم في مشاعرها وتحجيمها؟ لقد نهضت من كل عثرة بقوة ارادتها، قاومت مخاوفها وعادت لحياتها وهوايتها رغم كل التحديات والصعوبات، لذا لا يجب أن تدع شيء كخوفها التعلق بروح جهاد الطيبة وقلبه الحنون يقف في طريق الخير الذي انتهجته دوماً، لذا حسمت قرارها وأمسكت هاتفها تبحث صوتياً عن اسمه تتصل به بسرعة قبل أن تغير رأيها، رن هاتفه فارتفعت وتيرة خفقاتها خاصة حين أجاب علي الفور قائلاً بصوت بدت اللهفة في نبراته:.
ريم، قصدي آنسة ريم، أنا مش مصدق نفسي.
قالت بارتباك:
ازيك ياأستاذ جهاد، أنا آسفة لو بتصل بيك في وقت متأخر...
قاطعها قائلاً:
انتِ تتصلي في أي وقت.
صمتت للحظة قبل أن تتمالك نفسها مجدداً بعد أن أربكتها كلماته، تقول بهدوء:
الحقيقة أنا عرفت انك اترفدت ظلم واني كنت السبب في رفدك.
انتِ السبب؟!ازاي؟ قصدك ايه؟
قصدي يعني ان ماجد خطيبي هو اللي كلم المدير عشان يرفدك بعد الموقف الأخير وخناقتك معاه.
آه بقي هي الحكاية كدة؟ وأنا اللي استغربت قراره الغريب ده رغم اني كنت شغال كويس وتقييمي كان مرتفع، للأسف الدنيا دي بقت ماشية بالواسطة واللي ليه سند محدش بيدوس عليه.
السند هو ربنا يا أستاذ جهاد، لما البني آدم بيبقي كويس وربنا راضي عنه مبيضروش، بيبقاله في كل ابتلاء حكمة يمكن احنا مبنشوفهاش، أكيد شغلك في المكان ده مكنش خير ليك، وحكمة ربنا انك تكون في مكان أحسن.
وفين المكان اللي ممكن يقبل بواحد زيي معندوش خبرة ولا ليه قرايب في مناصب مهمة؟
انت خريج ايه؟
تجارة وادارة أعمال وبتقدير امتياز كمان.
ما شاء الله وليه متعينتش معيد؟
قلتلك ماليش واسطة.
وانا قلتلك واسطتك ربنا، هو اللي ممكن يسخر لك اللي يساعدك ياأستاذ جهاد، أنا ليا صديقة عمها عنده شركة استيراد وتصدير هخليها تكلمه وأكيد هتشتغل بإذن الله، أعتقد شغلك بمؤهلك أفضل كتير من شغلك في الكافيه ولا إيه رأيك؟
صمت من جانبه جعلها تعض بأسنانها طرف شفتها السفلي خشية ان تكون جرحت كبرياءه وأهانته دون قصد لتقول باضطراب وقلق:
أستاذ جهاد أنا...
قاطعها قائلاً:
انتِ مفيش زيك ياآنسة ريم، واحدة غيرك مكنتش اتأثرت باللي حصل ليا ولا فكرت فيه أو قلقت وحبت تساعد واحد زيي.
قلتلك اللي زيي كتير ياأستاذ جهاد، وبعدين تفتكر هعرف ان والدتك معتمدة عليك ومفكرش فيها وفي علاجها، هي صحيح مالها؟ أنا ممكن أدخلها المستشفي تتعالج علي حسابي.
والدتي مستحيل تقبل حاجة زي دي، عموماً حالتها مش مستدعية دخولها المستشفي، بالراحة وبالعلاج بتبقي تمام، أنا هبلغها سلامك وسؤالك عنها، صدقيني ده أكتر من كفاية عشان يسعدها.
تمام، هتصل بيك بكرة عشان تروح الشركة وتقابل آنكل رأفت.
هستني اتصالك.
أستاذ جهاد.
نعم.
هل شعرت بأن حروف الكلمة تضخ في قلبها حناناً تشبع به الأخير حتي أن خفقاتها باتت دافئة كصوته.
نفضت مشاعرها وهي تقول:
مش محتاج أي حاجة؟
لو قصدك فلوس فمستورة الحمد لله أما بسؤالك واهتمامك جبرتي خاطري وأسعدتيني هحتاج ايه تاني؟
وكأني أقرأ مشاعري بين كلماتك التي تمنحني شعوراً جديداً نتج عن مزيج من الاهتمام والحنان افتقدتهما منذ وفاة والدي فعادا إلي مع دلوفك لحياتي، تُري هل أدع قلبي يهنأ بما يشعر أم أحذره للمرة الألف من مغبة الإعتياد ثم الغياب ولوعة الفراق؟
أفاقت من أفكارها علي صوته يناديها باسمها فقالت باضطراب:
أنا مضطرة أقفل دلوقت، تصبح علي خير.
تلاقي الخير.
أغلقت الهاتف وهي تغمض عيناها ليس تجاهلاً في جوف ظلام تسكنه ككل مرة ولكن رغبة منها في استرجاع كل كلمة وحرف داروا بمحادثتها معه، تسترجع كل المشاعر التي أحست بها، لم تشعر قط بالراحة والاطمئنان مع أحد كما تشعر بهم حين تتحدث معه، تتمني لو طال الحديث وطالت تلك الأحاسيس ولكن دوام الحال هنا محال والاقتراب لهيب لا ترغب بلظاه.
يتبع.....
تفاعل لطيف💗
`*