الفصل 1
أجلس لوحدي في المقعد الخلفي أثناء قيادة ابي للسيارة.. يدور بينه و بين أمي حوارا هادئا لم اعره اي اهتمام و نحن متجهون جميعا لذيارة عمتي في مساء ذلك اليوم.. اذ كنت منشغلة بعروستي الصغيرة.. فأقوم بتسريح شعرها بحنان و اخبرها بأسرار يراها الكبار مضحكة.. لاكنها جادة جدا بالنسبة لي كطفلة في السادسة من العمر.. بالطبع.. نحن نحن نتحدث عام 1955.. حين كانت العرائس و الدمي اللعب الوحيدة المتاحة للفتيات في مثل سني.
أختلس النظر الي الطريق من خلال النافذة نصف المفتوحة.. شعري يتطاير بسبب الهواء شاعرة بشئ من الاستمتاع.. قبل ان تفتح ابواب الجحيم فجأة!!!.. إذ راح جسدي الصغر يتقاذف في السيراة مع صرخات أمي و هي تلتفت و تحاول ان تمد جسدها الي الوراء لحمايتي.. لاكنها عجزت بسبب انحراف السيارة عن مسارها و انقلابها اكثر من مرة.. اما أبي فقد لمحته بنظرة خاطفة و هو يحاول بيأس أن يسيطر علي المقود دون جدوى.. ثم.. آلام المبرحة تلف جسدي بأكمله.. إلي أن فقدت إحساسي بالزمان و المكان!!.
لم يتعرض والدي لإصابات بليغة قراء الحادث.. سوي بعض
الكسور والرضوض التي تعافيا منها مع مرور الأيام.. أما أنا... فالأمر كان مختلفا معي !!.. أعلم أن قليلين جدا من جربوا سريان الكهرباء في أجسادهم ليتم إنعاشهم وإنقاذهم من الموت.. لذا لا أظن أن أحدا منكم يعرف ذلك الشعور الغريب الذي لا توجد مفردات بكل لغات العالم قادرة على وصفه !!!... كيف أكون قريبة جدا من الموت وقد توقف قلبي عن العمل لكني - في نفس الوقت أشعر بالكهرباء تسري في جسدي؟!...
إنه لغز لا أملك إجابة له!!.. الكهرباء تسري في جسدي مرة ثانية.. وثالثة.. ورابعة.. الغرفة تتحول إلى خلية نحل لا يتوقف
فيها أحد عن الحركة لإنقاذي من الموت.
لقد علمت فيما بعد أن هذه السرعة لإنعاش قلبي ضرورية للغاية بسبب خلايا الدماغ التي تموت عادة بعد دقائق قليلة من توقف القلب.. فحينها يتم الإعلان رسميا عن وفاة المريض
أو المصاب .. لكن جهود الأطباء نجحت أخيرا.. فقلبي عاد
لينبض من جديد.. وخط الموت الرتيب على شاشة جهاز رسام
القلب يعاود التعرّج * *.. لأتجاوز أخطر لحظات حياتي وأنجو.
حقيقة.
** للعلم فقط فإن جهاز رسام القلب تم اختراعه عام 1901 بواسطة الطبيب الهولندي
2
فیلیم آینثوفین) (Willem Einthoven).. لكن الجهاز كان بدائي بالطبع وكبير الحجم
قياسا بالأجهزة الحالية.. فأدخلت عليه تعديلات كثيرة مع مرور السنوات.. إلى أن أصبح
كما نراه الآن في المستشفيات.إنها حوادث تتكرر يوميا رغم قسوتها ومرارتها.. وربما كنت سأنسى الأمر برمته وأعيش حياتي بصورة طبيعية بعد شفائي من إصاباتي وعودتي إلى البيت.. لولا ما حدث أثناء لحظات احتضاري هذه !!!.. لقد كنت فاقدة الوعي بطبيعة الحال... لكني - وفي نفس الوقت وجدت نفسي على اتصال بواقع آخر مختلف بعيد عن عالمنا.. لا أعرف كيف أصف الأمر.. هل يحلم الإنسان في لحظات احتضاره؟!.. وهل تكون أحلامه شديدة الوضوح بهذه الصورة؟... لا أعتقد.. ربما التيار الكهربائي الذي سرى في جسدي جعل عقلي يبصر فجأة.. وساعدني لأرى لمحة واضحة جدا من المستقبل.. وكأنني أرى المشهد عبر شاشة
تستمر القصة أدناه
عرض بالغة الوضوح !!!.
لقد رأيت نفسي ممددة على الأرض خالية من الحياة وقد
صعقتني الكهرباء حتى الموت بعد أن عبثت في قابس الكهرباء
في البيت !!!.. لا أذكر بالضبط إن كان هذا في غرفة المعيشة أم
غرفة النوم.. فقد كان تركيز المشهد بأكمله على نفسي.. ولم
يكن هناك شيء آخر سوى صرخات أمي التي كانت تنادي
باسمي وتبكي بانهيار على فقدي.وقد أخبرت والدي بتلك الحادثة الغريبة بعد نجاتي من الموت... لكنهما لم يأخذا كلامي بجدية بسبب صغر سني أولا.. ولأنهما ظنا أنها مجرد هلوسات إنسان يحتضر.. وإحدى ألاعيب العقل الباطن كوني كنت شبه ميتة ويفترض ألا أرى أو أعي ما يدور حولي.. هذا ما حاولا إقناعي به باستخدام مفردات يفهمها عقلي الصغير.. إلا أنني لم أقتنع بكلامهما إطلاقا.. أنا وحدي رأيت ما رأيت وأدرك مدى دقة وواقعية المشهد جيدا.. فقد كنت واثقة أنني رأيت بطريقة غامضة - لمحة من المستقبل القريب.. ربما أسابيع أو شهور قليلة من الآن.. وقد علمت بعد سنوات أن ما حصل لي أمر نادر جدا.. إلا أنه معروف في علوم ما وراء الطبيعة.. إذ يطلق عليه اسم (التحذير السبقي) ... المهم.. وبسبب تلك التجربة غير المفهومة.. تولدت في أعماقي
فوبيا الكهرباء ** منذ الصغر.
لقد ظنها والداي مشكلة بسيطة في بادئ الأمر.. لكنهما أدركاحجمها حين خرجت من المستشفى وعدت إلى البيت بعد أسابيع طويلة من تلقي العلاج.. فقد صرت أخشى التعامل مع الكهرباء وأتحاشاها تماما.. حتى الضغط على زر الإنارة في غرفة النوم بدا أمرا شاقا وعسيرا للغاية بالنسبة لي.. فذلك المشهد المخيف الذي رأيته بكل وضوح أثناء عملية إنعاشي بدا لي بمثابة حادثة مستقبلية ستتحقق لا محالة.. إلا إذا تجنبت التعامل مع الكهرباء.. حتى باتت حياتي جحيما لا يطاق... إننا نتعامل مع الكهرباء في كل لحظة من حياتنا.. وبطريقة تلقائية دون تفكير.. فكيف أتجنبها؟!.
لا أنكر أن أبي حاول كثيرا أن يساعدني بنفسه كي أتغلب على الفوبيا.. فوصل به الأمر ذات مرة بمحاولة إجباري على لمس مفتاح الكهرباء.. لكني صرخت بجنون وبكيت بحرقة وأنا أرجوه أن يرحمني لأنني سأموت وسيتحقق ما رأيته.. فكان يشفق لحالي ويحتضنني بحنان معتذرا عن تصرفه.. ثم يقرر مرة أخرى بعد أسابيع أن يفعل الشيء ذاته وتكون ردود
أفعالي أكثر حدة وقسوة.. فأصبت بالإغماء ذات مرة من شدة
الرعب.. لأستيقظ على صراخ أمي وهي تبكي وتعاتب أبي على
ما فعله.لذا - وبعد شهور قليلة - قرر أبي أن يأخذني إلى المستشفى لعل أحد الأطباء يتمكن من إقناعي أن المنظر الذي رأيته أثناء عملية إنعاشي ليس حقيقيا.. لكن دون جدوى.. إذ ظللت أقول للطبيب وبعناد طفولي أنني واثقة مما رأيت.. وأنني سأموت قريبا لا محالة.. إلا إذا تجنبت الكهرباء.. عندها طلب الطبيب من أبي أن يترك معظم غرف البيت مضاءة كي لا أضطر للتعامل مع الكهرباء.. على أمل أن أكبر وتموت تلك الفوبيا مع مرور الأيام.. لكنه كان مخطئا مع الأسف.
تستمر القصة أدناه
فقد بدا علاجي من حالة الفوبيا هذه مستحيلا.. حتى بعد أن أنجبت أمي شقيقين لي في السنوات التالية حيث ملأا أسرتنا الصغيرة بهجة.. ومرورا بفترة مراهقتي ثم تجاوزي المراحل الدراسية ودخولي الجامعة.. تخيلوا أنني تجنبت التعامل المباشر مع الكهرباء طوال هذه السنوات.. إذ لم أضغط يوما على زر إنارة أي غرفة أو حتى زر تشغيل مجفف الشعر !!.
أعلم أنه سيتبادر إلى أذهانكم تساؤل بديهي للغاية سمعته من
أقاربي وصديقاتي كثيرا.. فالزمن أثبت لي أن التحذير السبقي)
المزعوم هذا كان مجرد هلوسة طفلة صغيرة تحتضر.. إذ كان
يفترض أن أموت في طفولتي بسبب المس الكهربائي كما رأيتأثناء فقدان الوعي.. لكني كبرت الآن وكبرت معي أمي - أطال الله بعمرها دون أن يحدث شيء.. لماذا إذا ما زلت أعاني من فوبيا الكهرباء ؟!!.. ربما لأن الفوبيا غالبا ما تكون لأسباب غير عقلانية أصلا.. فصورتي وأنا جثة هامدة ظلت ملتصقة في مخيلتي رغم كل شيء ورغم علمي التام أن خوفي هذا بلا
معنى.
أما بخصوص الزواج.. فقد رفضت بإصرار كل من تقدموا لخطبتي.. وذلك لقناعتي التامة أن من يرغب بالزواج مني سيواجه صعوبات كثيرة في تعامله اليومي معي.. لذا ظللت مصرة على رأيي.. إلى أن بلغت الـ 25 من العمر عام 1973... ففي ذلك العام تحديدا رضخت و انهارت مقاومتي.. بسبب قريبي الذي أحبني بصدق وظل فترة طويلة يتصل بي ويحاول إقناعي بالزواج منه.. وأن الفوبيا المزمنة هذه لن تؤثر أبدا
على حياتنا الزوجية.
كانت هذه نقطة التحول الجديدة في حياتي.. إذ لم أكن أدرك
أن كل مخاوفي من الكهرباء ستنهار في لحظة واحدة !!!.. فبعد
حفل الزفاف المبهر الذي أقيم في أحد الفنادق الفخمة.. ومع
اقتراب تلك الليلة الرائعة من نهايتها. نهضت مع زوجيمن على الكرسي وسط تصفيق واحتفال المدعوين متجهين إلى غرفة الفندق حيث سنبيت ليلتنا على أن نذهب لعش
الزوجية غدا.
كنت أسير مع زوجي بفخر إلى الغرفة وأنا أنظر إلى الجميع مبتسمة.. إحدى قريباتي تحمل فستاني من الخلف كي لا يزحف على الأرض كما يحدث دوما في حفلات الزفاف.. أمي تطلق زغرودة وتلحقها زغاريد أخرى من قريباتي.. ثم.. زوجي يتوقف عند باب غرفتنا وهو يمسك بيدي وينظر إلي بحنان
جارف.. قبل أن نودع أقرباءنا وندخل الغرفة.
إضاءة الغرفة خافتة حتى لتظن أنك تعيش حلما جميلا... زوجي يقف مقابلا لي وينحني ليهمس في أذني بسر ظل يحتفظ به لتلك اللحظة تحديدا على حد قوله.. يخبرني أنه أحبني منذ زمن طويل.. منذ سن المراهقة ربما حين كان يراني في الزيارات العائلية.. وقد أقسم لنفسه أن يتزوجني وأن أكون سعيدة
تستمر القصة أدناه
معه إلى الأبد.. فدمعت عيناي تأثرا .. ليمسح دموعي بيد وهو
يمسك بيدي الأخرى بحنان.. إنارة الغرفة الخافتة تزداد فجأة
وتضيء كل ركن فيها.. ألتفت حولي دون فهم.. ليقول مبتسما :لقد فعلتها يا حبيبتي وتغلبت على مخاوفك أخيرا!!!!.
لم أفهم.. فنظر إلي مبتسما بهيام ليكمل:
ألم تشعري بما فعلته للتو؟!.. لقد أمسكت بيدك ومددتها لتضغطي على زر الإنارة الإضافية للغرفة!!.
وقفت مشدوهة لفترة طويلة وأنا أحدق به بذهول.. لا أصدق أنني - وبمنتهى البساطة فعلت شيئا عجزت عنه سنوات طويلة.. لقد حاول أبي خداعي ذات مرة وجعلني أضغط على زر الكهرباء بطريقة مشابهة.. لكني أدركت خدعته بسرعة وملأت الدنيا صراخا وبكيت وانتحبت و و... إلخ.. أما الآن
فأجد نفسي مستسلمة لزوجي !!!.
ضحكته تتسع وهو يقول:
كنت على يقين أنني سأنجح بمساعدتك يا حبيبتي... وها قد جاءت اللحظة التي استعددت لها وتدربت
عليها أياما طويلة قبل زفافنا.
ظللت متسمرة في مكاني وأنا أنظر إليه وأنقل بصري إلى زر
إنارة الغرفة غير مصدقة.. ليكمل بحنانما رأيك أن نكرر الأمر ؟!.. سنضغط على زر الإنارة سويا مرة أخرى.. وأخرى.. إلى أن تتعودي على ذلك وتنتهي الفوبيا من حياتك.
بدأت أتوتر رغم كل شيء.. لكن نظراته العاشقة بدت وكأنها خير علاج لتوتري.. يبدو أن الحب هو علاج الفوبيا الحقيقي!!... إذ وجدت نفسي أنجرف لإرادته دون وعي.. هل يعقل أن أقع في غرام زوجي منذ يوم زفافنا ؟!.. لا تنسوا أنني أتحدث عن فترة السبعينيات قبل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي... حين كانت العلاقات بين الجنسين مقطوعة تماما.. لذا كان من السهل آنذاك أن تقع الفتاة بغرام أي شاب يتقرب لها .. ربما ليس حبا بالمعنى المعروف.. بل حب الحب !!.. تمثيل الحب الذي كنا نراه في المسلسلات العربية ونحلم أن نعيشه.. لكن...
أظن أنني أحببت زوجي بالفعل.
المهم.. وبعيدا عن تبرير ارتباطي العاطفي السريع هذا...
وجدت نفسي أمتلك شيئا من الجرأة.. فمددت يدي إلى
زوجي.. ليمسكها مبتسما.. ويقرب إصبعي من زر الإنارة...
أشعر بتوتر.. لكنه أقل بكثير مما كنت أشعر به تجاه الكهرباء
منذ دقائق قليلة فحسب.. ها هي يدي المبللة بالعرق تضغطعلى زر الإنارة.. مرة.. مرتين.. إلى أن شعرت أن سدا هائلا انهار فجأة أمام تيار جارف من الحب حطم كل حواجز الخوف
أمامه.. حقا أن النفس البشرية لغز لا يمكن أن نفهمه!!.
كانت هذه البداية.. ثم أصبحت أكثر جرأة تدريجيا.. حتى بت كأي إنسان عادي يضغط على زر إنارة الكهرباء ومجفف الشعر ويستخدم الكهرباء عموما بآلية دون تفكير.. لتعود حياتي إلى طبيعتها بعد سنوات طويلة من المعاناة.. ولكم أن تتخيلوا فرحة أهلي وأقاربي جراء هذا التغيير الذي حدث في حياتي.. وهذا العلاج الذي بحثوا عنه طويلا .. ليأتيهم على
تستمر القصة أدناه
طبق من ذهب.. وعلى يد زوجي الحبيب.
كم مضى على هذه القصة؟!.. أكثر من 40 عاما !!.. فها نحن في عام 2017 وقد تجاوزت أعمارنا السبعين.. حيث أستذكر سنوات عمري شاعرة أنني حققت فيها كل ما تحلم به أي
امرأة.. إذ تقاعدت من عملي منذ فترة طويلة بعد أن حققت
الكثير من النجاحات.. وقد رزقني الله بثلاثة أولاد حققوا
بدورهم نجاحات كبيرة في حياتهم لم تشغلهم عن الاهتمام
بوالديهم.. وها أنا أعيش مع زوجي الذي أحبني بصدق ولم
يبخل علي يوما بحنانه واهتمامه.ورغم ذلك.. ما زلت أستذكر مع زوجي بين الحين والآخر تفاصيل الفوبيا التي غمرت حياتي بالسواد وعانيت منها لسنوات طويلة.. فها نحن نتحدث في تلك الليلة عن محاولات والدي - رحمهما الله والطب النفسي بأكمله لإيجاد علاج لي دون جدوى.. وأن زوجي وحده ساعدني على التخلص من مخاوفي هذه بواسطة الحب فقط .. فيمسك بيدي بحنان ويرد
بكلمات عميقة أدركت الآن معناها:
لهذا يقال أن الحب يصنع المعجزات يا حبيبتي.
فأرد مستذكرة الماضي:
يظهر أن كل ما رأيته أثناء عملية إنقاذي بالكهرباء مجرد هلوسة بالفعل كما ظل يردد أبي رحمه الله... تخيل أنني أضعت حوالي 21 عاما من عمري في فوبيا
أعاقت حياتي كثيرا.. ثم اتضح أنها هراء.
ينظر إلي مبتسما ليقول:
لا تلومي نفسك يا حبيبتي.. فالأمر لم يكن متعلقا
بالفوبيا وحدها كما كنت تقولين دوما.. بل بمسبب
الفوبيا.. التحذير السبقي) الذي أخبرتني به مرارا.تنهدت وأنا أقول:
-
صدقني.. هذا التحذير السبقي) المزعوم لغز لن أعرف إجابته أبدا.. فقد كان المشهد الذي رأيته في لحظات احتضاري واضحا يستحيل أن يكون وهما أو
هلوسة رغم ثبوت بطلانه الآن!!.
يبتسم بحنان وهو يهم بقول شيء ما.. لكن.. صرخة
مدوية انطلقت فجأة من الصالة:
ثم صراخ وبكاء جعلني أنهض من مكاني بسرعة وخفة رغم كبر سني بسبب تدفق الإدرينالين في دمي.. زوجي يتبعني ملتاعا ليستوضح الأمر.. لأجد.. يا إلهي.. لأجد المشهد الذي التصق بذاكرتي منذ طفولتي!!!.. التحذير السبقي) الذي رأيته في لحظات احتضاري وتسبب بفوبيا الكهرباء.. إنني أراه واقعا الآن.. سارة).. حفيدتي الصغيرة التي تحمل اسمي.. لقد صعقتها الكهرباء أثناء عبثها بالقابس في لحظة غفل عنها أبواها !!!!.
أنظر إلى حفيدتي مشدوهة وهي واقعة على الأرض خالية منالحياة !!!.. الدنيا تدور بي وأنا أنظر حولي بذهول.. الحقيقة كاملة ومضت في عقلي فجأة بعد أن وجدت نفسي في هذا المشهد المألوف.. لقد فهمت أخيرا.. لقد عشت التحذير السبقي) بالفعل أثناء احتضاري.. لكني لم أر مستقبلي أنا.. بل مستقبل حفيدتي !!!.. نعم.. الفتاة الميتة التي رأيتها أثناء احتضاري كانت
حفيدتي (سارة) التي تحمل اسمي.. وليست أنا!!.
الآن فهمت كل شيء.. لكن ما الفائدة من اكتشاف الحقيقة بعد أن حدث ما حدث وتوفيت حفيدتي؟!!.. زوجي يهرع لإنعاشها.. ولدي يتصل بالإسعاف على أمل أن يفعلوا شيئا لإنقاذها.. زوجة ولدي تصرخ وتنتحب.. أعلم أن كل محاولاتهم ستفشل.. فقد رأيت هذا المشهد أثناء احتضاري... رأيت المستقبل منذ طفولتي وقد فهمته بطريقة خاطئة!!.
وفي غمرة يأسي.. أطلقت صرخة مدوية عبرت فيها عن كل ما
شعرت به
-
الأمور واضحة الآن.. المرأة التي سمعتها تصرخ ملتاعة ظنا
مني أنها والدتي هي في واقع الأمر أنا !!!.. فأنا من أصرخ بلوعة و أنادي باسم( سارة) دون توقف وأنا أدفن وجهي بكلتا يدي... وأجهش بالبكاء ندما على سوء فهمي لـ (التحذير السبقي) الذي رأيته بطريقة غامضة منذ سنوات طويلة.. لكن فسره الجميع - بمن فيهم أنا - بطريقة خاطئة.. لتموت حفيدتي دون أن نتمكن من إنقاذها .. كم ألوم نفسي.. كم ألوم أهلي وأقاربي... كل هذا لا يهم الآن.. لقد فات الأوان.. فات الأوان!!!.