الفصل 120
بعد صلاة العشاء
بيت سعد بن فيصل
الجلسة الخاصة بأولاد سعد
مريم تسمع صوت التلفاز وتتجه ناحيته حتى تطلب من فهد أن يتعشى معها
لأنها تعلم أن فيصلا ذهب به والده ليعزي معه على أهل متوفٍ... أخوه في كتيبة سعد..
وبعد ذلك سيعودان ليتعشيا في المجلس
كانت مريم تتجه بخطوات اعتيادية هادئة لأنها أصبحت تعرف الاتجاهات وأماكن قطع الأثاث تماما
كانت وصلت لداخل الغرفة حين سمعت صراخ فهد: عمتي انتبهي انتبهي
ولكن صرخته حدثت بعد أن تعثرت فعلا في أشيائه المبعثرة
لتسقط بشكل حاد ومباشر
على الطاولة الزجاجية التي تتوسط الغرفة
ليتهشم الزجاج
وتسقط مريم على أكوامه المتناثرة
مريم حاولت ألا تتحرك وهي تشعر بالألم في كافة نواحي جسدها
وهي تهمس لفهد: لا تقرب فهد من الزجاج.. قايلة لك يأمك بلاها ذا المقالب أنا ما أشوف
صوت بكاء فهد يرتفع بهستيرية: والله العظيم مهوب ودي.. مهوب ودي
أنا كنت ألعب بس
كان يبكي بصوت عالٍ وهو يحاول الاقتراب منها..
مريم بجزع رقيق وهي تتمزق من صوت بكاءه وتشعر بجزع أكبر لأنه تعلم من صوت حركته أنه يمشي باتجاهها:
لا تبكي ياماما.. مافيني شيء.. أنت لا تقرب من الزجاج
روح اركض.. وادعي أم صبري وسونيا والخدامات
فهد نزل ركضا للأسفل وصوت نشيجه يقطع القلوب
عاد بعد لحظات وهو يسحب أم صبري بيدها.. والعجوز تلهث وأنفاسها متقطعة: فيه إيه ياواد.. ئطعت نَفسي
والخادمات وسونيا يركضن خلفهما.. حين وصلوا فجعوا من المنظر..
الزجاج المهشم ومريم تجلس بشكل مائل على وركها وهي تتسند على كفها
دون حراك خوفا من انغراز مزيد من الزجاج في جسدها
سونيا كانت من استلمت زمام التصرف وهي تصرخ بهن أن يحطن بمريم من النواحي الأربعة.. ليرفعنها
وحين أوقفن مريم وأبعدنها عن الزجاج أمسكت سونيا بمفرش صغير كان على طاولة جانبية وبدأت تنفض الزجاج بخفة عن مريم
ثم نقلوها لغرفتها..
وفي كل هذا كان صوت بكاء فهد لم يتوقف
مريم همست له: حبيبي مافيني شيء.. تعال..
كان فهد يتحرق للبكاء في حضنها.. ولكن أم صبري منعته من الاقتراب منها:
ماتجيش جنبها يا بني.. يمكن يكون فيه ئزاز في جسمها
فهد بقي واقفا في مكانه.. وصوت بكائه يتعالى
ومريم تشعر بالتمزق من صوت بكاءه.. فهي لم تسمعه يبكي مطلقا.. بل والده نفسه يقول أنه نادرا جدا ما يبكي..
تشعر أنه بكى بكاءً يكفيه لسنوات.. تود أن تحتضنه وتهدئه.. ولكنها هي نفسها تشعر بآلام في كل جسدها ولا تعلم بالتحديد مدى إصابتها
كانت إصابات مريم غير معلومة بعد.. سارعت سونيا بنفسها للاتصال بطبيبة مريم المعتادة فهي صديقة لمريم وبيتها ليس بعيدا..
وزارت مريم في بيتها الجديد لتبارك لها.. لذا فهي تعرف مكان البيت جيدا
لم تستغرق الطبيبة سوى أقل من عشر دقائق لتصل وهي تحضر معها عدتها..
أخرجوا فهد خارج الغرفة..
ليزداد بكاءه هستيرية وهو يتوجه للجلوس على الدرج
كان يبكي بطريقة هستيرية موجعة .. كان يخشى برعب طفولي أن يتيتم للمرة الثانية
فهو تيتم من أم لم يعرفها..
فكان كل رعبه الكاسح أن يتيتم من أمه التي عرفها حتى ولو كانت لفترة قصيرة
ولكنه شعر بحنان سنوات متعاظم في أعطافها الحانية
حنان سيجن إن فقده.. سيجن!!
في غرفة مريم
الطبيبة قصت ملابس مريم بحذر ووضعتها في كيس وطلبت أن يُرمى..
وبدأت تتفحص جسد مريم جزءا جزءا بعدسة مكبرة وبدقة شديدة
ستر الله على وجهها من الإصابة.. والإصابات في جسدها كانت كلها طفيفة وسطحية.. ورأت الطبيبة أنها لا تستلزم الذهاب للمستشفى
استخرجت الزجاج.. وطهرت الجروح ووضعت عليها لزقات طبية.. ثم طلبت أن يلبسوها ثوبا واسعا وخفيفا
وكتبت لها مضادا حيويا
قبل انتهاء الدكتورة بثوانٍ.. كان سعد يدخل مع باب البيت يتحدث مع ابنه فيصل...
فُجع وهو يسمع صوت بكاء فهد الواضح..
ركض للأعلى وفيصل يركض خلفه ليفجع بمنظر فهد على الدرج.. ووجهه المحتقن من كثرة البكاء
سعد شده عن الدرج واحتضنه بقوة وهو يهمس بجزع: وش فيك يأبيك؟؟
فهد بين شهقاته: أمي .. أمي.. أمي طاحت على طاولة القزاز.. والقزاز كله دخل في جسمها..
سعد شعر أنه سيجن.. لم يحتج أن يسأله من أمه..
فهو عرفها.. فهي أصبحت أمهم جميعهم
أصبحت رغم الظلمة التي تعيشها السراج الذي ينير ويدفئ حياتهم الباردة
سأله بهستيرية: وينها؟؟
فهد بين شهقاته: في غرفتها
سعد توجه للغرفة وهو في غير وعيه جزعا وقلقا..
فتح الباب فلم ينفتح فهو كان مغلقا من الداخل
لم يفكر بطرقة بل رفسه بقدمه.. لينخلع قفله من رفسته القوية
حينها كانت الطبيبة انتهت وتجمع عدتها
ومريم تتمدد ببطء بعد أن أبدلن ملابسها
فجعن جميعا من صوت كسر الباب المدوي وأعينهن تتجه ناحيته
ليدخل سعد من خلاله كأعصار أهوج وهو لا يرى أحدا في الغرفة عدا مريم
توجه ناحيتها لينحني عليها بجزع حقيقي وهو يتحسسها بحنان موجوع:
وش فيش ياقلبي؟؟
مريم برقة: والله مافيني شيء كلها إصابات سطحية حتى مستشفى ما أحتاج
هذي الدكتورة واقفة إسألها
سعد انتبه للتو للمتواجدات.. تنحنح وهو يسأل الطبيبة عن وضعها والطبيبة تطمئنه تماما
حينها همس سعد لمريم بحنان: بأروح أدعي فهيدان.. ذبح روحه من البكاء
مريم بحنان: إيه تكفى ادعه
كانت الطبيبة تستعد للمغادرة.. انحنت على مريم وهي تهمس في أذنها:
ما شاء الله.. شو هالرِجال.. يئبر ئلبي.. سوو رومانتك..
مريم بخجل: تدرين إنش متفرغة
الطبيبة تبتسم: إيه متفرغة.. تاركة جوزي وولادي بهالليل منشانك ومتفرغة
ثم أردفت: بمر بكرة تا إتأكد من كِل شي
الطبيبة خرجت.. وسعد استوقفها ليعطيها إجرها.. ولكنها رفضت تماما أخذ شيء وهي تغضب من تصرف سعد الذي كان يجهل أنها صديقة لمريم
بينما فهد دخل باستعجال يتبعه فيصل بخطوات وجلة..
فهد ارتمى في حضن مريم التي كانت تجلس بشكل مائل.. مريم أنّت بخفوت.. انتفض فهد وهو يبتعد عنها: أجعتش؟؟؟
مريم شدته وهي تحتضنه بخفة: لا حبيبي.. بس خلني أنا اللي أحضنك
فهد عاد ليبكي بخفوت وهو يشهق ويقول: تكفين لا تزعلين علي يمه.. والله مهوب ودي
مريم شهقت بسعادة
(أ قالها بصراحة؟!!
أ حقا قال: أمي.. قال: أمي؟!!
أ حقا سمعتها أخيرا؟!!)
مريم احتضنته أكثر رغم ألمها وهي تختنق بعبراتها: أزعل عليك وأنت تقول يمه؟!
اللي ما زعلت ولا قاله الله
سعد وفيصل كانا يراقبان الموقف بتأثر
فهد رفع رأسه وهو يهمس لوالده بخجل: يبه.. ماعليه أنام عندكم الليلة
بس الليلة.. يمكن أمي تحتاج شيء.. وأنت نومك ثقيل
تجمعت عبرة كبيرة في حلق مريم.. بينما هز سعد رأسه وهو يهمس بحنان: حياك الله.. تنورنا
فيصل بتأثر: زين خلو لي مجال أسلم على عمتي..
فهد تأخر عن مريم.. وفيصل قبل رأسها وهو يهمس بمودة واحترام: ما تشوفين شر..
مريم تمسك بيده وتهمس بمودة: الشر مايجيك يالغالي
فيصل بمودة: الغلا شكل فهيدان خذه وخلانا
مريم بحنان: غلاكم واحد.. وكلكم عيالي
سعد بتأثر عميق: الله لا يحرم العيال وأبيهم منش
***************************
ذات الليلة
بيت مشعل بن محمد
الساعة التاسعة والنصف
لطيفة تعود لغرفتها بعد أن نام أولادها.. تشعر أنها مرهقة وعظامها محطمة تماما.. من بعد الاستنزاف الذي حدث بعد رعبها اليوم
كانت تريد أخذ جود لتنام معها.. ولكن مريم رجتها أن تتركها لأنها لن تستطيع النوم وهي ليست معها
استحمت ولبست بيجامتها وصلت
ثم قررت أن تنام
وهي تتقلب على فراشها.. دخل مشعل..
جلست احتراما له حين رأته يدخل..
ألقى غترته على الأريكة وهمس بحنان: تو مريت غرفة البنات.. ماشاء الله جود رايحة في النوم
لطيفة بألم وهي تتذكر موقف الليلة: الحمدلله ألف حمد وشكر ..بنتي ماتت إلا شيء
لولا أنت بعد الله اللي كتب إنك تكون موجود أو كان ماتت بسم الله على روحها
مشعل توجه ناحيتها وهو يجلس جوارها ويحتضن كفها..
لطيفة استغربت.. ورعشة دافئة تجتاح أوصالها
كان حنونا في موقفهما السابق مع جود.. ولكن لأن الموقف اضطره لذلك
فما الذي يضطره الآن؟!!
همس لها بحنان: يعني نسيتي إن حمود ومريوم وعبودي كلهم بلعوا أشياء غريبة
لطيفة بألم عميق: بس ماحد منهم صار له مثلها.. كانت بتروح يا مشعل.. بتروح مني
مشعل شدد احتضانه لكفها وهو يهمس بهدوء: لا تفاولين عليها.. بسم الله عليها
لطيفة التمست بعنف مع تشديده المقصود على كفها.. بدأت دقات قلبها بالتعالي وهي تشعر أن بطنها بدأ يؤلمها
تخشى أن تبادر لإرضاءه للمرة الألف فيصدها.. أو تتجاهله فتخسر الفرصة
قررت ترك قلبها يقودها..
مدت يدها لوجهها.. لتمسح عارضه بأطراف أصابعها وهي تهمس بعمق أنثوي شفاف: قلت قبل وش أكثر أحبك؟!!
مشعل تناول أصابعها من خده ليطبع قبلة طويلة على أطرافها ويهمس بعمق:
وأنتي تدرين وش كثر أحبش
ما أسمح لش مرة ثانية تجفيني.. ولا تلاعبيني.. ولا تشكين فيني
والله اللي ما ينحلف فيه باطل.. واللي زرع عروق حبش في قلبي
إنش لا تعيدين ذا التصرفات معي.. إني لـ................
لطيفة أسكتته بوضع أناملها على شفتيه.. وهي تهمس بعذوبة:
بدون تهديدات ما أبي أعرفها.. خلاص حرمت يا قلبي.. حرمت
مشعل احتضن كفيها الاثنين وألصقهما بصدره ثم همس بعمق دافئ جذري:
لطيفة.. شايفة ذا الشيب اللي ملأ رأسي..
كله طلع وأنا معش يوم بيومه..
احشمي ذا الشيبات واحشمي عشرتنا والعيال اللي بيننا
واحشمي غلاش اللي ماله حد
أنا ما أدري أنتي وش كثر تحبيني
بس الوكاد إنه حبش مع الهوا اللي أتنفسه.. مع الدم اللي يمشي بعروقي
ما ينفع عقب ذا الغلا كله تسوين معي كذا
لطيفة بحرج رقيق: خلاص حبيبي.. قلت لك حرمت.. آسفة والله العظيم آسفة
مشعل يفلت يديها ليحتضن وجهها ويغمره بقبلاته الدافئة المشتاقة
ثم يفلتها برقة
ويهمس بخبث رقيق: آسفة كلام ما ينفع
أبي لي رضاوة فعلية..
لطيفة تهمس بوله: تدلل ياعمري..
مشعل يبتسم ويهمس بمرح: أبي لي بيبي.. تبين نويصر وراكان أحسن مني.. ويقولون إني شيبت
لطيفة تبتسم: الله كريم.. ولا يهمك.. إذا الله كتب..
أنا أصلا مشتهية بيبي صغير فوق ما تتخيل.. بس خل خواتي لين يولدون.. أمي مهيب قادرة عليهم كلهم..
وعقب إن شاء الله نوريهم انتاج الشيبان الأصلي.. علامة الجودة
************************
ليل الدوحة
قسم راكان
ذات الليلة
موضي كذلك عادت من بيت أهلها وتعمل على بعض مشاريعها الحاسوبية
دخل عليها راكان.. حين رأته ابتسمت بعمق وهي تغلق جهازها وتضعه على الطاولة
اقترب منها وجلس جوارها وهو يسلم.. ردت السلام برقة
راكان مد يده ليلمس بطنها بخفة ويهمس بحنان: مشعل عاده متعب أمه؟!!
موضي تبتسم: متعبها.. أمي تقول ما بعد شافت وحام ثقيل مثل وحامي
راكان يمسح على بطنها ويهمس بابتسامة دافئة: ولدي مهوب سهل..مايبي يجي بالساهل..
موضي بعمق: جعلني فدا الولد وابيه
راكان تناول كفها وهو يطبع قبلات عميقة على كل إصبع من أصابعها
ويهمس بعمق: والله لا يحرمه هو وإبيه واخوانه منش
موضي فتحت عينيها باتساع: أخوانه؟!!
حرام عليك عادني في وحم الأول تطري علي الباقيين
حينها أسند راكان رأسها لصدره وأنامله تتخلل خصلاتها الناعمة وهو يهمس لها بعمقه الكوني:
تدرين حبيبتي.. الأطفال هذولا نعمة من رب العالمين
اللي بيجي من الله حياه الله
أنا يكفيني أنتي جنبي.. قبلش ياموضي ما كنت عايش
والله العظيم ماكنت عايش.. ماعرفت معنى الحياة إلا بش ومعش
موضي تعلقت في جيبه بضعف: أحس أحيانا إنه ذا السعادة كثيرة علي..
أنت ياراكان نعمة من ربي.. والله العظيم نعمة
راكان يحتضنها بقوة حانية.. يطبع قبلاته على شعرها..
ويهمس بخفوت: النعمة أنتي.. كاملة والكامل وجه الله
أكيد أنتي الله أرسلش لي لأنه راضي علي..
اللهم لك ألف حمد وشكر