أسى الهجران - الفصل 100 - بقلم أنفاس قطر - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: أسى الهجران
المؤلف / الكاتب: أنفاس قطر
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 100

الفصل 100

مستشفى النساء والولادة غرفة في الطابق الخامس بعد صلاة الفجر وقبل شروق الشمس يجلس جوارها ويحتضن كفها بين كفيه ويرفعه بين الفينة والفينة ليطبع عليه قبلة عميقة مثقلة بالندم والوجع: تكفين لطيفة سامحيني أنا ماني بقادر أسامح روحي بس أنتي طول عمرش قلبش كبير أنا ما أقدر أتخيل حياتي وأنتي زعلانة علي الدكتورة طمنتي على صحتش.. والله يعوضنا عن اللي راح العوض بسلامتش يأم محمد لم ترد عليه.. ولكنه يعلم أنها واعية وتسمعه.. غاضبة؟؟.. عاتبة؟؟؟ مستعد لإرضاءها حتى آخر يوم في عمره المهم ألا تجفوه.. أو تبعده عن دفء حنانها استمر مشعل يتحدث مطولا يسترضيها حينا.. ويناجيها حينا آخر حتى همست بنبرة رتيبة وعيناها مغلقتان: عيالي حد عندهم؟؟ ابتسم مشعل: أمي عندهم كلهم نايمين.. مابعد حد منهم صحا من نومه حينها لفت جسدها قليلا لتعطيه ظهرها وهي تهمس بذات النبرة الرتيبة: شوف إذا الدكتورة ممكن تكتب لي خروج مافيني شيء يستلزم التنويم ************************* واشنطن بيت يوسف مازال يوسف يغلق عليه وعلى باكينام باب غرفتهما يحاول امتصاص غضبها من غير جدوى هو يراها مخطئة وتبالغ في الخطأ ولكنه لا يستطيع تركها بل يستحيل إذا كان أساسا كان رافضا لتركها وهو يشك بها فكيف بعد أن تأكد من براءتها؟!! إطلاق إسارها هو رابع المستحيلات يوسف يتنهد بعمق: خلينا نتفاهم باكينام ترفع حاجبا وتنزل الآخر: نعم؟؟ نتفاهم؟؟ انته بتعرف تتفاهم؟!! أنته مخلوء همجي.. وأنا مستحيل أعيش معاك يوسف يعاود التنهد ثم يرد عليها ببرود: وأنا مستحيل أطلئك باكينام بغضب: ما تخلينيش أدخل بابا وعمو طاهر يوسف يهز كتفيه ثم يتوجه للجلوس على السرير ويقول بهدوء متمكن: دخليهم لعلمك ولو كنتي ناسية أنا راجل في التلاتين.. مش عيل ومافيش حد هيجبرني أطلئ مراتي باكينام بتحدي ولثاني مرة تقولها بعد زواجها من يوسف: هأخلعك يوسف بابتسامة: ومالو.. وأنا هأعين محامي شاطر.. وكل ما يحكمو لك هأستأنف لا وهاديله وكالة عن الموضوع ومش هاحضر الجلسات وهاريح دماغي والمحاكم حبالها طويلة عدا أنه عشان ترفعي قضية الخلع لازم نكون في مصر فاصبري لحد ما نرجع مصر.. هدنة يا باكينام هدنة ربنا يخليكي باكينام بصدمة: وأعيش معاك لحد ما نرجع مصر.. مستحيل.. مستحيل ثم أردفت بألم: والهدنة مش أنا اللي خربتها قالتها وهي تلمس خدها المشتعل احمرار يوسف يتنهد: اسمعيني باكي.. أنا وأنتي كلها 3 شهور ونخلص دراسة حرام عليكي تشغليني وتشغلي نفسك خلينا نخلص بالطول أو بالعرض باكينام برفض: وأعيش معاك في نفس المكان.. مستحيل مستحيل يوسف بهدوء: خلاص أنا اللي هامشي.. بس أنتي ما تسيبيش البيت اديني بس ربع ساعة هأخذ لي كم غيار.. واخذ أوراقي واللابتوب بتاعي من المكتب وأمشي بس ما تنزليش لحد ما أمشي أنا مش حمل ستاتك وزعلهم يوسف تناول حقيبة صغيرة ووضع فيها بعض الملابس ثم توجه للباب ولكنه مر بباكينام أولا وقف أمامها يتأملها للحظات وهي تنظر له بتحدٍ مشبع بالألم حينها مد يده وهي انتفضت برعب أن يكون سيودعها بصفعة ولكنه ربت على خدها المحمر وهمس بعمق وهي تبتعد عن مدى يده: أنا آسف يا باكي وبحبك.. بحبك بجد وعلى ئد ما بحبك وأغير عليكي كان تصرفي متطرف وغير متوقع حاولي تحطي نفسك مكاني مازلنا في بيت يوسف العجوزان تجلسان في الأسفل تتبادلان النظرات المستغربة فباكينام أطالت غيابها في الأعلى نزل يوسف لم يتحادث معهما توجه لمكتبه وغاب قليلا ثم عاد لهما وقف أمامهما ثم همس باحترام: هناك مشكلة صغيرة بيني وبين باكينام وأنا سأغادر المنزل وأنتما اعتبرا نفسيكما في بيتكما وماريا وسانتياغو في خدمتكما في أي شيء ثم حمل حقيبته وغادر بعد دقائق نزلت باكينام كانت تنزل بثقة وهي ترفع رأسها ما أن رأتها العجوزان حتى قفزتا وكل واحدة منهما تفتح عيناها للحد الأقصى ثم بدأت العبارات الحادة بالانهيال.. خليط قديم وجديد من كلمات عربية وتركية وانجليزية وايرلندية بين لغة الأصل ولغة الممارسة: الحقير.. يقول مشكلة صغيرة كل هذا ومشكلة صغيرة؟؟ ثم يهرب كالجبان.. إلى أين ذهب الحقير؟؟ العربي الهمجي اتصلي به ليعود.. إذا كان ضربك ونحن هنا فماذا فعل بكِ وأنتِ وحدكِ؟!! باكينام أوقفت سيل الشتائم والغضب المتدفق وهي تقول بحزم: بس تعرفي يأنّا أنتي وفيكتوريا.. أنتو أخر حد يتكلم الرجاله الاتراك في المركز الاول بين شعوب العالم في ضرب ستاتهم . والرجال الإيرلنديون النساء عندهم كالأحذية التي يرتدونها في أقدامهم . يوسف أول مرة يمد ايده عليا وأنا اللي غلطت عليه وماحدش يتدخل بيني وبين جوزي . العجوزان انقلب حالهما للنقيض فجأة وهما تبتسمان ثم تربتان على كتف باكينام: هذه ابنتنا فعلا باكينام تنهدت وجلست لم تكن تريد الدفاع عن يوسف ولكنها تعرف جدتيها تماما.. لو سمحت لهما بالتدخل سيحيلان حياتها جحيما حربيا لذا فلابد أن تحرص من البداية على تنحيتهما عن مشاكلها حتى تريح رأسها أن تفعل كما فعلتا هما فكلتاهما لم تسمحا لأهلهما بالتدخل في حياتهما أو مشاكلهما مع زوجيهما ***************************** اليوم التالي على كل الجبهات انجلاء غبار المعارك ******************************* قسم راكان موضي لم تنم إلا قليلا فهي من بعد صلاة الفجر لم تنم أعدت فطور راكان ثم التهت على جهازها المحمول لتعد بعض البرامج المطلوبة منها لعملها لأنها تريد الذهاب للعمل لتسليمها ثم تطالب بتمديد إجازتها لأسبوعين آخرين رغم أنها كانت تريد العودة للعمل لتلتهي عن غياب راكان من ناحية وحتى تثبت أقدامها في عملها الجديد من ناحية أخرى ولكنها الآن ستلتهي مع أولاد لطيفة بعد سفرها للعمرة ولابد أن تتفرغ لهم أنهت عملها حوالي الساعة التاسعة ثم توجهت لراكان النائم على فراشه الأرضي جلست جواره وهمست بخفوت رقيق: راكان.. راكان فتح عينيه ببطء ثم ابتسم وهمس بنعاس: تدرين أحلى صباح عندي لما أفتح عيني ويكون أول شيء أشوفه وجهش موضي ابتسمت: الكلام هذا تقوله وأنت بكامل قواك العقلية؟؟!! أو مازلت تحت تأثير النعاس وكوابيس خرعة البارحة علي ومني؟؟ راكان اعتدل جالسا وهو يبتسم: منش أحلى خرعة.. خوفيني كل يوم مازال كلاهما جالسين على الأرض.. همست برقة: زين ياالخواف.. توديني للدوام مثل ماقلت لي البارحة؟؟ راكان بحنان عذب: أودي مندوبش لو جاني أنزلت موضي برأسها بخجل.. دائما يخجلها بلباقته ولطفه وكلامه مع انخفاض رأسها للأسفل تساقطت بعض خصلها الناعمة على وجهها مد راكان يده ورفع الخصل ودفعها لما خلف أذنها وهو يلمس خدها بطريقة عفوية لم تكن عفوية كلاهما التمس والتبس وشررات كهربائية تندلع بين الخد واليد موضي نهضت بارتباك وهي تهمس: يالله غسل عشان نتريق.. انتظرك برا راكان تنهد بعمق مازال عاجزا عن تفهم مايحدث له ولكنه يعلم أن السيطرة على نفسه باتت مرهقة ومؤلمة لا يريد إحراجها أو إيذاءها ولكنه بات يتحرق إلى ملامستها بأي طريقة سيكتفي بمجرد معانقة أناملها أوحتى لمس أطراف أهدابها شيء من عبقها يعطر أنامله ويبرد بعضا من النار التي باتت تستعر في جوفه ولكنه لا يستطيع أن يتناسى أنها قالت: أنها لا تحتمل لمسات أي رجل لذا لجأت له ليكون هو من يحتوي ضعفها ويأسها.. لن يخذلها مرة أخرى ويكفي رسوبه وبجدارة في الاختبار لمرة.. رغم روعة ذلك الرسوب في مخيلته المثقلة ابتسم لمجرد الذكرى وهو يقف ليتوجه للحمام بعد حوالي 40 دقيقة الاثنان في سيارة راكان متوجهان لمكان عمل موضي ويدور بينهما كالعادة حديث ممتع كلاهما مستمتع به لأبعد حد رن هاتف راكان التقطه وهمس بمودة واحترام: هلا والله بأبو محمد .................... ليش؟؟ (تغير وجه راكان) .................... الحين جايينكم (قالها بحزم مخلوط بالقلق) ..................... موضي شعرت بالقلق من المكالمة المريبة همست لراكان بخفوت وقلق: راكان وش فيه؟؟ راكان بهدوء حازم: بسيطة إن شاء الله أم محمد سقطت البارحة.. بس هي طيبة وبخير وفي بيتها الحين وبأوديش تشوفينها موضي بنبرة موجوعة متناثرة: لطيفة سقطت.. ليه هي كانت حامل؟!! ************************** بيت محمد بن مشعل غرفة ناصر ومشاعل الساعة 11 إلا ربع صباحا ناصر يفتح عينيه على صوت حفيف خافت ابتسم بعمق وهو ينظر لها منهمكة في عملها بدت له كالملاك العذب مع طلتها الصباحية الأنيقة.. وشعرها الحريري القصير يتحرك مع حركتها الدؤوبة كانت تسحب صندوقا بخفة حتى لا توقظ ناصر وتضع فيه الشموع المتناثرة في زوايا الغرفة ابتسم ناصر وهو يرفع رأسه ويسنده على كفه ويهمس بصوت عميق مثقل ببقايا النعاس: صباح الخير يا قلبي التفتت مشاعل وابتسمت برقة: صباح النور ناصر بعمق ودود: كنها الشمس شرقت عندنا اليوم في الغرفة وصباح النور حاف ما يمشي حالها مشاعل بخجل عذب: صباح النور.. حبيبي ابتسم ناصر: شاطرة وبعدين وش ذا الأشغال الشاقة اللي بادية فيها نهارش؟؟ مشاعل برقة: وش أسوي؟؟ مايصير أخليها منثرة في الغرفة كذا ناصر باستغراب: إذا أنا هلكت البارحة وأنا أطفيهم أشلون أنتي شلتيهم وفرقتيهم وولعتيهم بروحش مشاعل تتذكر نصيحة موضي تبتسم وترد بعذوبة: عشان رضاك أسوي أي شيء ناصر بشجن: راضي يا قلب ناصر.. والله العظيم راضي.. ولو فيه شيء فوق الرضا راضي.. مشاعل أنهت مهمتها وتريد حمل الصندوق ولم تستطع لثقله ناصر هتف لها بهدوء: خليه حبيبتي .. بأركب ساقي وأشيله أنا قالها وهو يمد يده تحت السرير ليسحب ساقه حينها توجهت مشاعل ناحيته وجلست على الأرض وهي تتناول الساق من يده وهمست بحنان: أنا بأركبها.. وكل يوم أنا اللي باركبها وأفكها إذا الله أحيانا وعطانا العمر ناصر ضغط على يديها الممسكتين بالساق وهمس بحنان موجوع: مهيب سهلة يامشاعل.. خلي منش أنا تعودت خلاص مشاعل وضعت الساق في حضنها ومدت يديها لساقه المبتورة لتجذبها ناحيتها: خلاص حبيبي تكفى.. لا تحط بيننا حواجز لم تكن المهمة سهلة مطلقا على مشاعل الرقيقة وعلى قلبها الرقيق.. أن ترى مكان البتر من هذا القرب وبهذا الوضوح ثم تركب هي الساق... ولكنها ماعادت تريد شيئا يبعد ناصر عنها أو يبعدها عنه تريد أن يتمازجا ويتماهيا للحد الأقصى.. ومادام سيحتفظ بتركيب الساق وفكها لنفسه ستبقى حاجزا بينهما.. وهذا ما لن ترضى فيه تريده أن يعلم انها تتقبله بل وفخورة به على كل حالاته.. بساقه أو بدونها حاولت أن تقوم بالمهمة على الوجه الأكمل تحت بصر ناصر الذي كان ينظر لها بتأثر وشجن كبيرين أنهت مهمتها بإتقان وسرعة رغم أنها محاولتها الأولى ولكن مالم يعلمه ناصر ولن يعلمه أنها حفظت دليل تركيب الساق عن ظهر قلب وكان قد بقي لها أن تجرب.. لذا كانت تجربتها ناجحة تماما ابتسم ناصر وهو يمد يديه ليمسك بعضديها ويرفعها بخفة ليجلسها جواره ويهمس: ماشاء الله عليش.. كنش متعودة على تركيبها أنزلت رأسها بخجل.. مد ناصر يده لوجهها ووضع سبابته أسفل ذقنها ورفعه بحنان ثم همس بخفوت: إشرايش نسافر حبيبتي؟؟ مشاعل باستغراب: نسافر؟؟ ناصر ابتسم: إيه نسافر شهر عسل مثل كل الناس.. هذا فارس والعنود سافروا عقب عرسهم بأسبوعين إحنا نسافر عقب عرسنا بشهرين.. ليش لأ مشاعل بتردد: وشغلي اللي المفروض أبداه ذا الأسبوع؟؟ ناصر بابتسامة: زحلقيه أسبوعين.. أو تدرين؟؟ خليش ذا الفصل عندي ما أبي شيء يشغلش عني ووعد علي أجيب لش الوظيفة اللي تبينها في المدرسة اللي تبينها مع بداية السنة الجايه مشاعل ابتسمت وهزت كتفيها: خلاص بكيفك نسافر.. بس سالفة الشغل خلها لين نرجع ونتناقش فيها ناصر بمرح حنون: حاضرين.. ويا الله تدللي وين تبين تسافرين.. بس أشري مشاعل بخجل: بكيفك ناصر يبتسم: كيفي لا.. أنا أصلا كنت مرتب لش خوش برنامج وحاجز قبل شهرين بس تفركش كل شيء.. ذا المرة ذوقش واختيارش مشاعل ابتسمت: خلاص خلني أفكر ناصر وقف وتحرك بناحية الصندوق: فكري ياقلبي بس لا تطولين انحنى على الصندوق وحمله بخفة وهمس بهدوء: وين أحطه؟؟ مشاعل برقة: تحت السرير ناصر بمرح: ومتي بيطلع من تحت السرير؟؟ مشاعل ابتسمت: السنة الجاية نفس تاريخ البارحة إن شاء الله ناصر يضحك: وعد؟؟ مشاعل ضحكت بخفوت وعذوبة: وعد *********************** جبهة فارس والعنود أم مشعل تفاجأت بوجود العنود عندها في البيت ولكن العنود بررت وجودها مبدئيا أنها تأخرت في سهرة البارحة مع بنات عمها فاستأذنت فارس في المبيت استغربت أم فارس قليلا.. ففارس مطلقا لم يسمح لها أن تبيت من قبل حتى عندما كانت تتأخر في السهرة عندهم كان يحضر بنفسه لإحضارها لأنه يخشى أن يخيفها شيء وهي تعبر الباب الواصل في وقت متأخر العنود كانت متوترة بشدة وتريد تأجيل لحظة المواجهة قليلا عندما عادت مريم من عملها.. سألتها والدتها : تدرين إن العنود أمست هنا البارحة؟؟ مريم باستغراب وهي تخلع عباءتها وشيلتها وتعطيها لسونيا: لا.. ليه هي أمست هنا؟؟ أم مشعل تتنهد: إيه.. مريم يأمش روحي شوفي وش فيها.. أصلا شكلها متغير وما ترفع عينها فيني أنا خايفة إنه صاير شيء بينها وبين رجّالها.. لو كان صاير شيء صحيح.. عقليها وخليها ترجع قدام يدري أبيش وأخوانش مريم تنهدت بعمق.. كانت تعلم أن هذه اللحظة قادمة لا محالة ولكنها جاءت مبكرة كثيرا.. لم يمضِ على زواجهما إلا شهرين فقط تعلم أنها أحسنت تربية العنود ولكنها تعلم أيضا أنها مدللة ورقيقة وأنها احتملت من قسوة فارس الكثير ولكن ليس لها جَلد احتمال طويل لذا ربما حانت لحظة انهيارها مريم وقفت على باب العنود.. طرقته برقة.. ثم دخلت وقتها كانت العنود تتمدد على سريرها ما أن رأت مريم حتى قفزت عن سريرها وارتمت في حضنها باكية فهي منذ البارحة لم تبكِ مطلقا وهي تشعر بالصدمة والقهر والجمود وتحاول إدعاء القوة لذا ما أن رأت مريم حتى انهارت كل مقاومتها وانخرطت في بكاء حاد مريم جلست هي وإياها على السرير وتركتها تبكي حتى أفرغت كل ثورتها الحزينة ثم همست لها بحنان: شاللي صار يا قلبي؟؟ العنود بين شهقاتها الموجوعة: ضربني... ضربني مريم شهقت بجزع: ويش؟؟ ضربش مريم رغم صدمتها الحقيقية وجزعها من مجرد الفكرة.. أن يكون فارس ضرب العنود لأس سبب كان ولكنها في ذات الوقت لا تريد تكبير رأسها حتى تعرف ماهو أساس المشكلة لذا تنهدت وهمست بهدوء: ضربش بدون سبب؟؟ العنود بخجل: لا.. أنا غلطانة.. بس والله العظيم اعتذرت له وقلت له والله ما أعيدها.. ومع كذا ضربني مريم برزانة: زين قولي لي السالفة كلها العنود حكت الحكاية كاملة وبكل صدق لمريم تنهدت مريم بعمق وتفكيرها يتشتت لأول مرة.. أختها أخطأت ولكنها ترى ردة فارس مبالغ فيها كثيرا فالعنود اعتذرت له وطلبت منه السماح ومع ذلك تناسى ذلك وقرر تأديبها بأسوأ طريقة وأبشعها.. الضرب لو كان تجاهل العنود وتعامل معها ببرود وأشعرها أنها أخطأت وهجرها وهجر حتى التحدث معها كان لهذا العقاب أن يكون بالغ الأثر على العنود ولكن أن يلجأ فورا للضرب وهو يعلم يقينا أن هذا الأسلوب مرفوض وأن أحدا لن يقبله منه أو يبحث له عن عذر فهذا الأمر كان خطأ كبيرا منه تنهدت مريم وهي تربت على كتف العنود: أنتي الحين خلش عندنا.. ريحي يومين وعقبها محلولة إن شاء الله فارس بيعرف إنه غلط يوم مد يده عليش وأنتي بعد عرفتي إنه المرة المفروض ما تعصى رجّالها والمرة مالها إلا بيت رجّالها العنود بحزم غريب عليها: لا مريم.. أنا ماني براجعة لفارس.. والشيء الثاني ما أبي حد يعرف إنه ضربني ما أبي مشاكل بينه وبين أخواني ************************* بيت فارس بن سعود الصالة السفلية بعد الغداء فارس يعود من الغداء في المجلس الوضع كان طبيعيا هناك ويبدو أن عمه وأبناء عمه لم يعرفوا بما حدث فقط مشعل كان يبدو عليه الضيق الشديد وعلم فارس أن السبب هو إجهاض لطيفة لذا قرر أن يزورها بعد صلاة المغرب حين دخل وجد والدته جالسة في الصالة ألقى السلام ثم انحنى يقبل رأسها وجلس جوارها همست أم فارس بهدوء: فارس وين مرتك؟؟ فارس بهدوء: في بيت أهلها أم فارس بذات النبرة الساكنة: متى راحت لبيت أهلها؟؟ إذا هي البارحة رجعت البيت قدام أرجع أنا وأنا اليوم من صبح قاعدة وماحد مر علي غيرك وأنت رايح دوامك فارس يتنهد: أحيانا يمه تسألين أسئلة وأنتي مبين إنش عارفة أجوبتها أم فارس بحزم: زين خلنا من الأسئلة والأجوبة وندخل في المفيد متى بترجع العنود؟؟ فارس ينهض وهو يقول بهدوء: ما أدري.. خلها لين تشبع من الزعل ثم بترجع أم فارس أمسكت بكف فارس وهمست بهدوء: اقعد يأمك عاود فارس الجلوس رغم أنه لا يريد الجلوس.. فما يشعر به من الضيق أكثر من كافٍ.. أكثر بكثير همس باحترام: لبيه يمه أم فارس احتضنت كفه بحنان: يأمك يافارس.. مافيه حد يزعل بدون زعل ولا يرضى بدون ماحد يرضيه إذا أنت غلطت على بنت عمك لازم إنك ترضيها فارس تنهد: يمه تكفين ريحي رأسش من ذا الموضوع.. مشاكلي أنا ومرتي أنا باحلها لا تشغلين بالش جعلني فداش أم فارس بحزن: أشلون ما أشغل بالي يأمك.. عقب ما الله رزقني بنية ترادني الصوت ومالية البيت علي ..تبي البيت يرجع خالي علي؟؟ اليوم ما اشتهيت لا ريوق ولا غداء عشانها مهيب عندي وعشاني دريت إنه غيبتها مهيب طبيعية تنهد فارس بألم لم يظهر في صوته وهو يهمس بهدوء ثابت ويقف: يصير خير يمه يصير خير (ياه يمه.. ياااااه إذا أنتي فاقدتها.. أنا وش أقول؟؟ من البارحة وأنا حتى النفس أحسه صعب علي والوسيعة ضايقة علي وقلبي مهوب في مكانه راح معها وخلاني وش يبي فيني وهو ملكها وطوع أمرها؟!! ياه يا العنود تدرين إني عصبي وقاسي ومتكبر.. لا تكسريني سامحيني وارجعي يهون عليش فارس وأنتي متأكدة إنش الهوا اللي يتنفسه أهون عليش ياقلبي؟؟ أهون عليش؟!!) ******************************* بعد المغرب بيت مشعل بن محمد مجلس الحريم نساء عائلة آل مشعل جميعن عند لطيفة بعد معرفتهن بخبر إجهاضها ومعهن بعض جارات لطيفة وضع لطيفة الصحي مستقر تماما فالحمل كان شهرا بالكاد وحتى هي لم تكن تعلم بوجوده ولا تعلم هل كانت فوضى الهرمونات هي من تسببت بجنونها البارحة؟!!أو ماذا؟!! ولكن ما تعلمه أن وضعها النفسي كان شديد السوء ليس من أجل الإجهاض فقط فهذه ليست المرة الأولى التي تجهض فيها فهي أجهضت مرة بين مريم وعبدالله وليس من أجل أن مشعلا هو من تسبب في الإجهاض فهي مؤمنة بقضاء الله وقدره.. وتعلم أنه لم يكتب هذا الحمل لها سواء كان السبب مشعلا أو غيره ولكن أن يحدث هذا الإجهاض مع صفعة مشعل لها وبسببه كان شيئا فوق احتمالها وجعا وألما فهي مازالت عاجزة عن استيعاب صفعة مشعل لها كيف هانت عليه عشرة السنين؟؟!! كيف يمد يده على أم أطفاله وابنة عمه؟؟!! كيف يمد يده على... حبيبته؟!! ( أ لستُ حبيبته؟!! ألم يسكرني بهذه الكلمة طوال الأشهر الماضية وفي كل مرة أرتعش كأني أسمعها للمرة الأولى "حبيبتي" ولكنها الآن ماعاد لها سحر أو أهمية!! كان يعلم أنه يتسلق روحي ويتغلغل فيها يتغلغل في عروقي وخلاياي فلماذا قطع عروقي ونسف خلاياي؟!!) الجدة هيا تهمس بحنان: مجارة من الشر يأمش والعوض برأسش ورأس مشعل أنا يأمش راح علي وسقطت أكثر من اللي جبتهم سقطت 6 مرات وماعاش علي إلا خمسة لطيفة تبتسم وهي تربت على فخذ جدتها التي تجلس جوارها: الحمدلله على كل حال يمه ماني بجازعة من عطاء ربي وقسمته عندي 4 الله يخليهم لي ويصلحهم الجدة هيا باستنكار: ليه تبين تقعدين على ذا الأربعة وأنتي عادش بنية؟؟ لطيفة تتنهد هذا آخر من ينقصها.. الإدعاء والتمثيل مع وضعها الحالي ابتسمت لجدتها باصطناع: ماحد يعترض على رزق ربي واللي الله يكتبه خير وبركة مريم ابتسمت وهي تقول برقة: خلاص يمه خلي لطيفة ترتاح الدور على عرايسنا الجداد موضي ومشاعل .... والعنود (قالت العنود بتقصد وتأني) موضي ومشاعل تبادلتا النظرات بخجل أو ربما بعض وجل بينما العنود انتفضت بارتباك وبعض غضب (ماذا تقصد مريم بهذا التعريض؟!!) بينما أم فارس ارتعشت بأمل عميق فارس أوصاها بعدم التدخل.. وهي لن تتدخل.. ولكنها لا تستطيع منع نفسها من الأمل ومعالي هتفت بمرح: إيه يمه نبي انتاج جديد.. عيال لطيفة لوعو كبودنا ماعندنا بزران غيرهم وهلكناهم دلع وهم قرود ما يستاهلون لطيفة تحاول أن تبتسم وتبدو طبيعية: كذا ياعلوي.. ربي رحمش إنش قاعدة بعيد مني وأنا مافيني حيل أقوم لش وإلا كان وريتش أم الغزلان وش بتسوي فيش رن هاتف أم فارس.. كان فارس هو المتصل كان عند باب الصالة الخارجية الذي يفتح على باحة البيت الداخلية.. كان يريد السلام على لطيفة أم فارس همست للطيفة: لطيفة فارس عند باب الصالة يبي يسلم عليش لطيفة التفتت على العنود بأمر رقيق: العنود فديتش دخلي رجّالش المقلط الداخلي.. شوى وأجي له لطيفة كانت تريد الذهاب للحمام أولا.. تريد التغيير وتغيير ملابسها قبل الخروج لأخيها العنود انتفضت بعنف.. وشبح ابتسامة يرتسم على وجهي مريم وأم فارس العنود كانت تفضل أن تُقاد لقبرها ولا تخرج لرؤية فارس ولكنها لا تستطيع الاعتذار أمام هذا الجمع الكبير من النساء وخصوصا أنه لا أحد يعلم بخلافها معه بعد إلا مريم العنود وقفت وهي تتوجه للخارج وهي تتمنى أن يحدث شيئ ما ينقذها من مقابلة فارس.. معجزة ما وصلت للباب ومازال لم يحدث شيء ينقذها.. فتحت الباب بأنامل مرتعشة كان يقف وظهره للباب.. بقيت للحظات تتأمل جسده الفارع الطول عرض كتفيه.. وحتى عضلات ظهره شعرت بالألم يجتاحها الكثير من الألم وذكرى الأمس تعاود مهاجمتها بوحشية همست بخفوت حتى تنتهي من هذه المهمة: فارس فارس انتفض.. هل يحلم؟؟ هل سمع صوتها؟؟ يبدو أنه بدأ بالهلوسة همست للمرة الثانية بصوتها الساحر الذي يحي عروقه وينفض خلاياه: فارس تفضل ادخل أدار وجهه لها.. لحظات مرت والعين بالعين نظرات عتب وألم وندم واشتياق كانت العنود من كسرت خيط النظرات وهي تهمس بهدوء: تعال للمقلط الداخلي كانت العنود ترتعش والمسافة تبدو لها طويلة لا تنتهي وقلبها المثقل بالوجع والحيرة يتمنى انهاء هذه المهمة بسرعة.. فماعاد بها احتمال وتكاد تنهار باكية وهي تشعر برغبة موجعة في دعك خدها فارس كان ينظر لظهرها وهي تتقدمه بخطوات قليلة لتقوده للداخل كان يحفظ بيت مشعل وغرفه.. ولكنه اليوم تائه وبوصلته هو هذا الجسد الندي الذي يعبر أمامه والذي مافتئ يعبر أحلامه العنود وقفت على باب المقلط وهمست بهدوء دون أن تنظر له: تفضل بتجيك لطيفة بعد شوي كانت تريد العودة لمجلس النساء ولكنها فوجئت بيد قوية تشدها وباب يغلق عليها وعليه همست بغضب: فارس وش ذا؟؟ خلني أروح فارس ثبتها على الباب ليمنعها من التحرك وفي ذات الوقت ليتأكد من إغلاق الباب كان قريبا منها.. قريبا جدا وهو يثبت كتفيها بيديه وينظر لها عن قرب وبتمعن هي كل ما يفتنه ويثيره ويؤلمه بكل تفاصيلها رائحتها المشبعة بعطرها الرقيق الموجع أهدابها الطويلة الجارحة كسهام تنغرز في قلبه استدارة شفتيها ونعومة خديها حضورها المختلف العامر بالمتناقضات.. الأشبه بإعصار يكتسح قلبه والأشبه بنسمة رقيقة تغلف روحه استرقت عينه صفحة خدها حيث زلزلت كفه هدوء حياتهما مازال هناك أثر طفيف لجريمته لا يكاد يُلحظ.. ولكنه لحظه وجرحه وأذاه وهو يتذكر موقف البارحة المؤلم.. الموقف الذي كان من الممكن أن يتفاداه.. وليته تفاداه!!! مازال صامتا وعيناه تطوفان بها وكأنه يريد أن يشبع نظرا إليها وكلما نظر كلما إزداد عطشا العنود ازداد ارتباكها والكلمات تجف على لسانها وكفاه الساكنتان على كتفيها تلسعانها كجمرتين متوقدتين لطالما كانت عاجزة عن مقاومة حضوره الذي يبعثرها ويبعثر مشاعرها ويسلبها الإرادة تكره هذا الإحساس وتكره استسلامها الخانع له الآن.. كانت تعلم أن هذا ما سيحدث.. لذا لم تكن تريد رؤيته لم تكن تريد أن تسمح له بهزيمتها وهزيمة احترامها لذاتها وهذا ما يجب أن تفعله أخيرا تكلم فارس وصوته الخشن العميق بدا غائرا مثقلا بالمشاعر: ممكن أعرف متى بترجعين لبيتش؟؟ العنود أشاحت بنظرها حتى تبتعد عن أسر نظراته وتستطيع الإجابة: ماني براجعة تكاد أن تقسم أنها شعرت بارتعاش لايكاد يُلحظ ليديه الممسكتين لكتفيها ولكنه أجاب بهدوء: وممكن أعرف السبب العنود بألم: أظني إنك عارف السبب فارس تنهد: العنود حن لا حن أول ولا آخر زوجين يصير بينهم مشاكل هل كل مايصير بيننا شيء بتخلين بيتش وتروحين لهلش؟!! العنود باستنكار رقيق: فارس لا تبسط السالفة كذا ولا تسخفها وتحاول تبين إني رحت لبيت هلي عشان شيء سخيف لأنك عارف إنه مهوب شيء بسيط لو أني على قولتك بأروح لبيت هلي كل ما يصير بيننا شيء كنت رحت لأهلي من أول يوم في زواجنا.. وكل يوم عقبها ثلاث وإلا أربع مرات فارس بصدمة: لذا الدرجة شايفة نفسش مستحملة الحياة معي؟!! العنود بمصارحة أليمة: ليه فارس أنت تجرح ولا حتى تنتبه؟!! فارس إنت على أبسط الأشياء تقسى علي وتحتد وتعصب ما أقدر أنكر إنك مغرقني في حبك.. لكنك في نفس الوقت غرقتني في قسوتك خلاص فارس أنا صرت أخاف منك.. وشي حلو انكسر بيننا شئ اسمه الإحساس بالإمان في حضنك فارس بألم عميق: تخافين مني؟؟ مني يا العنود؟؟ أنا لو علي ودي أخبيش في عيوني عن كل شيء ممكن يأذيش ودي أخبيش داخل قلبي عن كل شيء ممكن يجرحش العنود بألم مشابه: وإذا كنت أنت اللي بتأذيني وتجرحني.. أشلون تحميني من نفسك؟؟ ارتخت يدا فارس عن كتفيها وابتعد خطوة للخلف وحزن عميق يخترم روحه تنهد ثم همس: أنتي الحين ارجعي بيتش وعقب يصير خير العنود بألم جارح ومجروح وهي تبتعد عن الباب للداخل قليلا: آسفة فارس.. أنت حتى لاحظ طريقتك في الكلام أنت ماحاولت ترضيني أو تسمح خاطري.. أو حتى ذكرت مجرد ذكر إن مدك ليدك علي كان شيء خطأ وماراح يتكرر كان فارس على وشك الكلام لولا أن الباب فُتح ولطيفة دخلت لتغادر العنود وعينا فارس تشيعانها بألم