❴🔢❵☟الــبــــ❴ ألأخير ❵ــــــارت☟
ناصرومعين على تدبير شؤون الملك. وهمً بطل أتينا بالكلام، فانعقد لسانه من فرط الدهش، واختنق صوته بالدموع.فخشيت ساحرة أتينا أن يفتضح السر، وأسرعت إلى بطل أتينا تأمره ان يشرب الكأس ? تلبية لمشيئة الملك ? بعد أن همست في اذن الملك ان مصدر ارتباك الفتى وسر خباله، إنما نشآ من تفكيره في جريمته الشنعاء التي يهم باقترافها.ومد الفتى بده فأخذ الكأس. وما أدناه من فيه حتى ارتعدت فرائس الملك وقال له : حذرا ان تشرب قطرة واحدة من هذه الكأس المسمومة، وألا هلكت لساعتك!.وإنما فعل الملك ذلك، لأنه لمح مقبض سيفه الذهبي معلقاعلى منكب ولده تحت ردائه؛ فصاح به مذعورا:أنى لك هذا السيف؟فقال له:بقد خلف لي أبي هذا السيف وهاتين النعلين، فيما خيرتني امي.ثم قص عليه بطل أتينا قصته كلها.فصاح الملك فرحان مسرورا:ما أسعدني بلقياك، يا ولداه!ثم أقبل عليه يعانقه ويقبله، ويحمد الله على ما يسر ( هيأ ) له من أسباب السعادة والهناء.12- فرار الساحرةواما رأت ساحرة أتينا افتضاح السر، وإخفاق المؤامرة، اسرعت إلى كنوز القصر، تنتهب منها كل ما وصلت إليه يدها من حلي ونفائس، حتى ملأت مركبتها المسحورة، وطارب بها الثعابين المجنحة في اجواز الفضاء. وظلت تقذف الجماهير بتلك الأحجار الكريمة، وهي محنقة (شديدة الغضر) تكاد تتميز (تشنق) من الغيظ، حتى غابت عن الانظار.ولا تسل عن بهجة الاهلين، حين عرفوا آخرة تلك الظالمة، وتيقنوا انهم قد ارتاحوا من دسائسها وآثانها.وجمع الاهلين كل ما قذفتهم به من الاحجار الكريمة، وذهبوا إلى مليكهم؛ فلم يقبل منهم شيئا مما حاولوا رده، وقال لهم:لقد وهبت لكم هذه النفائس شكرا لله غلى ما يسره لي من السعادة بقرب ولدي الحبيب. وعاش الملك وولده وشعبه ردحا ( مدة طويلة ) من الزمن في يسر وهناء وصفاء، دون ان يفنطوا إلى ما يخبوه لهم القدر من مصائب وأحداث.الفصل الثاني
1 ? يوم الهوللم يدر بطل أتينا ان الزمان غادر قلب (لا يبقى على حال واحدة)، وان السعادة لا تدوم، وان الكرد يعقب الصفو، كما يعقب الظلام الضياء، وان كل ملموم إلى شتات (كل جمع إلى تفرق).وذا صباح استيقظ بطل أتينا من نومه ? وهو غافل عن احداث الزمن، ومصائبه المخبوئة له خلف استار الغيب ? فرأى المدينة في هرج ومرج، وسمع عويل الشاكين، ونواح الباكين، وولولة المفزعين، وأنات المنكوبين. فاستولى عليه العجب، وتعاظمه الدهش، وكاد لا يصدق عينيه فيماتريان، وأذنيه فيما تسمعان.فذهب مسرعا إلى أبيه الملك، يستفسر جلية الخبر؛ فأجابه ابوه محزوما واجما:لقد حل بنا اليوم المشؤووم الذي ترتدي فيه مدينتنا ثياب الحداد.فقال له بطل أتينا:وأي يوم هذا، يا أبتاه؟ ولماذا خصصتموه بالسواد ؟فقال ملك أتينا:هذا هو اليوم الاسود: يوم الهول الذي نجمع فيه الضحايا ? من خيرة شبابنا ? لنقدمهم إلى عجل مينو زلفى له وقربانا.2 ? عجل مينوفصاح بطل أتينا مدهوشا، ما عجل مينو هذا الذي تذكره، يا ابتاه؟ ولماذا تقدمون له الضحايا والقرابين؟ وأي نوع من الغييلان ذلك الوحش الذي يلتهم النفوس الطاهرة البريئة؟ وما بالنا نستسلم لشراسته، ونخضع لجبروته؟ إن الحياة لتهون ? يا أبناه ? في سبيل القضاء على أمثال هذه الغيلان الفتاكة، وتخليص بني إنسان من شرها وأذاها!فهز ملك أتينا رأسه يائسا، وقال لولده متحيرا واجما:إن عجل مينو ? فيما أعلم ? غول هذا العصر، ومصدر إزعاجنا، ومثار آلامنا وأحزاننا. وهو يعيش في جزيرة (( كريت )) ? لهذه الغول قصرا فاخرا، ولم يأل جهدا في إعزازها، وتوفير اسباب راحتها ورفاهيتها، وتقديد لذائذ الأطعمة لها.3 ? ضحايا عجل مينو فقال بطل أتينا لأبيه متعجبا:وما ذنب هذه الضحايا التي يقدمونها لهذا الوحش السفاح؟فأجابه ملك أتينا محزونا:لقد نشبت الحرب ? منذ سنوات ثلاث ? بين أتينا وجزيرة كريت؛ فانتصر علينا أعدائنا وهزمونا شر هزيمة؛ فلم نر بدا من مصالحتهم، والإذعان لما أملوه علينا من الشرائط الجائرة.وكان أشنع ما فرضوه علينا ? حينئذن ? أن نقدم لعجل مينو - كل عام ? سبعة من فتيان وسبعة من فتيات، في مقتبل الشباب و نضارة العمر، ليأكلهم هانئا مسرورا!فقال له بطل أتينا: وأين يعيش هذا الوحش، يا أبتاه؟فأجابه ملك أتينا إنه يعيش في قصر فاخر، لا مثيل له في الروعة والفخامة. وقد أعده ملك كريت لهذه الغول، توفيرا لهنائتها، وتقربا إليها. وقد حل ? في هذا اليوم ? موسم عجل مينو فجمعنا له أربع عشر فريسة من خيرة شبابنا وشوابنا؛ فانزعج الاهلون، ولبسوا ? من أجلهم ? ثياب الحداد.4 ? حوار الوالد وولدهفصاح بطل أتينا هائجا متحمسا:ما أحلى التضحية! وما أجدرني بها في هذا المقام، يا أبتاه! فخبر أهل أتينا ? على بكرة أبيهم ? أنك لن تختار من شبابهم إلا ستة فتيان؛ لأني اعتزمت أن أكون سابع الضحايا الذين تقدمونهم من شبان أتينا.فجزع ملك أتينا مما سمع، وذرف دمعه (سال) حزنا على ولده الحبيب إلى نفسه. وحاول ? جهد حبه له وخشيته عليه ? أن يثنيه عن عزمه؛ فلم يفلح.وقال له فيما قال:لقد كبرت سني، وكادت شيخوختي تسلمني إلى القبر، ولم يعد لي سلوة في هذه الحياة سواك. ولكن بطل أتينا أصم أذنيه، وأنصت (استمع) إلى نداء ضميره، وجعل واجبه نصب عينيه، وحفل أذنيه، وآلى على نفسه لينتقمن، ولينتصفن لأبناء وطنه من عجل مينو، أو يعرض نفسه للبوار والتلف. وما زال بأبيه يستعطفه ويترضاه ويضرع له، حتى اذن له في السفر،ودعا له في سعيه الشاق الخطير.
5 ? ساعة الوداعولما طلع الفجر، ركب بطل أتينا ? ورفاقه من الضحيات ? مركبا حربيا كبيرا، بين ولولة الباكين، ونواح اليائسين، وعويل المحزونين. وانحنى ملك أثينا ? الشيخ الفاني ? على ولده يعانقه ويقبله، وعيناه غاصتان بالدموع، ثم قال له وهو يودعه: لقد جعلنا أشرعة السفينة سودا ? كما ترى ? لأنك ذاهب إلى غاية مخوفة. فإذا قدر لك الحظ السعيد، أن تفوز على خصمك العنيد؛ فأبدل هذه الأشرعة السود بأخرى بيض، وانشرها على جنبات السفينة، لنعلم ? متى رأيناها ? أنك عائد إلينا عودة الظافر المنتصر، ونحتفي بك احتفاء لم تسمع به اتينا بمثله في كل عصورها.فوعد أباه بتحقيق رغبته، وودعه متألما.ثم أقلعوا سفينتهم ناشرة في الفضاء أشرعتها السود.6 ? العملاق النحاسيوسارت بهم السفينة في ريح طيبة لينة، حتى قاربو جزيرة كريت؛ فرأى بطل أتينا شبح آدمي هائل الجسم، في مثل طول النخلة السامقة (العالية)، وهو يسير بخطوات واسعة سريعة، على شاطئ الجزيرة، ويجتاز ما بين ك ل هضبتين أو رأسين بخطوة واحدة، وتتكسر الأمواج الثائرة الهائجة تحت قدميه. وقد لمعت ملامحه ? حين انعكست على حسمه أشعة الشمس ? ولاح جسمه لرائيه كأنه قطعة من النحاس اللامع المتألق، وقد حمل على كتفيه هراوة (عصا ضخمة) نحاسية اللون. فدهش بطل أتينامن رؤية هذا الشبح الراعب (المخيف)، وسأل ربان السفينة عن هذا العملاق. فأجابه الربان:هذا هو العملاق النحاسي الهائل، الذي يطوف بالجزيرة ثلاثمرات ? كل يوم ? ثم يقف على هذا المضيق، حيث تمر كل باخرة تحت قدميه.وبعد قليل مرت السفين تحت قدمي العملاق النحاسي، وهو ممسك هراوته بيده، يلوح بها في الفضاء، فيخيل لراكبيها انه سيحطمها بها ? في لحظة واحدة ? ويسحق من فيها سحقا.وقد صاح العملاق ? حين دانته (اقتربت منه) السفينة ? متوعدا بصوت مثل جلجلة الرعود القاصفة:من اي البلاد قدمتم، أيها الغرباء؟فأجابه الربان متوددا: من أتينا قدمنا. فصاح العملاق مدويا بصوت كالرعد، وهو يلوح بعصاه ( يرفعها ويهزها )، لغيظه على اهل اتينا اعداء جزيرة كريت:ولأي غرض جئتم أرضنا؟ فأجابه الربان: لقد أحضرنا الضحيات المفروضة علينا لــ عجل مينو ! فقال العملاق:ادخلوا الميناء ? إذن ? وسيروا على طريقكم آمنين.7 ? في حضرة الملكولما استقرت السفينة على شاطئ الجزيرة، أقبل الجند عليها، وأحاطوا بالأسرى، وساروا بهم حتى مثلوا بين يدي الملك. فوقفوا ? أمامه ? يرتجفون فزعا ورعبا، وقد اصفرت وجوههم، وانتظمتهم الرعدة، ما عدا بطل أتينا؛ فقد بقي رابط الجأش (ثابت القلب)، عالي الرأس، ونظر إلى ملك الجزيرة مستهينا بكل ما هو مقبل عليه من أخطار ومهالك.فدهش الملك من جرأة الفتى، وسأله بصوت أجش:كيف لا تبدو عليك أمارات الجزع، أيها الفتى؟ألا تعلم: أى خطر ينتظرك غدا؟ألم تسمع بعجل مينو قبل هذا اليوم؟ فقال بطل أتينا:لقد وهبت حياتي فداء لأنبل غاية، وهي الانتصاف (الانتصار) للمظلومين. وما أسعدني بهذه التفدية (التضحية) في سبيل الواجب.أما انت، فقد وقفت حياتك الأثيمة على الاذى والجور (الظلم)، وكنت ? بفظاظتك وقسوتك ? أشد إجراما من عجل مينو !فاهتاج الملك من جرأة الفتى، وصاح بحراسه متوعدا بطل أتينا:لتقدمن هذا الوقح إلى عجل مينو غدا قبل رفاقه، وليكونن أول ضحية يفترسها بلا رحمة!
8 ? حسناء الجزيرةوكانت حسناء الجزيرة ? وهي ابنت ملك كريت ? حاضرة هذا الحوار. فامتلأت نفسها إعجابا بهذا الفارس الجرئ. وكانت رحيمة القلب، تحنو على المظلومين، وتعطف على المنكوبين؛ فارتمت على قدمي أبيها متشفعة به ألا يهلك هؤلاء المساكين؛ فلم يلق تضرعها أذنا واعية، بل انتهرها، وسفه رأيها، وأبى إلا التمادي في قسوته وعناده.وصبرت حسناء الجزيرة إلى منتصف الليل، فذهب إلى سجن الاسرى، وفتحت بابه خلسة؛ فرأت بطل أتينا ساهرا يقظان. فقالت له : لقد جئت لإنقذك من الهلاك؛ فانج بنفسك، وعد سالما إلى وطنك. فقال له متحمسا: لقد آليت على نفسي أن أقتل عجل مينو، وانقذ رفاقي من فتكه، أو أموت دون هذه الغاية.فقالت له معجبة بشجاعته:ما دمت مصرا على مناجزة هذا العدو الراعب، فخذ حسامك الذي انتزعه منك حراسك، وهلم لأرشدك إلى قصر ذلك الوحش، داعية لك بالنصر والتوفيق.9 ? قصر التيـهوما زالت سائرة معه حتى بلغا قصر التيه. ففتحت له الباب، وقالت له: إن هذا القصر العجيب هو قصر التيه الذي عرفت انباؤه، وذاع صيته في الآفاق. وإنما أطلق عليه ذلك الاسم لان من دخله لا يسير فيه بضع خطوات حتى يتيه في أرجاؤه الحلزونية، وبضل في أثناء شعابه الكثيرة المشتبه، ولا يزال ضالا تائها مدى حياته. والرأي عندي أن تمسك بطرف هذا الخيط الحريري، حتى تأمن الضلال ? إذا عدت منتصرا على عدوك الوحش السفاح ? فإن في يدي طرف الخيط الآخر.فشكر لهابطل أتينا معاونتها إياه، ودخل قصر التيه وفي يمناه حسامه، وفي يسراه الخيط الحريري. وما سار بضع خطوات، حتى اشتبهت عليه طرقات القصر؛ فلم يعرف أي طريق يسلك. وإنه لفي ضلاله وحيرته، إذ سمع خوارا عاليا يدوي مجلجلا كالرعد القاصف؛ فأدرك أن (( عجل مينو )) على كثب ( قريب ) منه. فسار في منعطفات قصر التيه صوب الصوت، وهو يتوقع ? بين لحظة وأخرى ? أن يراه.10 ? المعركة الحاسمةوسار بطل أتينا ? في طريقه المتعرج ? زاحفا مرة تحت جسر منخفض، وهابطا بضع در كات من سلم في ممر ملتو منعطف، وصاعدا درجات أخرى، ومارا خلال فتحة باب ضيق، وسامعا فرقعة وجلبة عاليتين؛ حتى خيل له أن الجدران تدور به، وكاد الدوار يعتريه من فرط الحيرة والدهش.وكان يتوقع ? بين لحظة وأخرى ? أن يفاجئه عجل مينو في إحدى المنعطفات. وقد صدق ظنه، ولم يكذبه حسبانه؛ فقد باغته عجل مينو بعد لحظات يسيرة. وما ان رآه العجل، حتى هاج اشد هياج، وصوب قرنيه حتى ينطح خضمه ? وقد استولى عليه ما يشبه الجنون ? ونشبت بينهما معركة حاسمة.ولو أن قرن العجل أصاب جسم بطل أتينا لمزقه أشلاء (قطعا).ولكن بطل أتينا كان يقظا، لا يعرف الجبن إلى قلبه سبيلا؛ فانحرف عن طريق العجل ? برشاقة نادرة ? فاصتدم قرنه بالجدار، قانكسر القرن.واشتدت ثورة العجل وحنقه (غيظه) على خصمه؛ فتراجع خطوات، متحفزا (متهيئا) للفتك به. ووقف الخصمان الباسلان متقابلين، وجها لوجه، وسيفا لقرن. ثم قفز عجل مينو قفز جبار، ليطعن خصمه بقرنه الايسر، وفتح فاه ليبلعه؛ فكانت فتحة فيه بمقدار ما بين اذنيه. ولكن بطل أتينا خيب ظنون العجل، ولم يمكنه من إدراك بغيته. فقفز في الهواء قفزة هائلة ثم أهوى بسيفه على عنق خصمه؛ فانفصل الرأس عن الجسد وهوى عجل مينو صريعا إلى الأرض، يتشحط بدمه.وهكذا خلص الناس من شرور ذلم الوحش وآثامه، وأراحهم من قسوته ووحشيته، وأدى واجبه لوطنه وللإنسانية كلها، بما أسداه (صنعه) من عمل جليل، وصنيع (معروف) نبيل.الفصل الثالث1 ? خلاص الأسرىولما كتب النصر لبطل أتينا، فكر في العودة. فعاد طريقه ? دون عناء ? مسترشدا بالخيط الحريري الذي امسك به، حتى بلغ باب قصر التيه؛ فرأى حسناء الجزيرة تنتظره، وهي على احر من الجمر. فلما رأته صفقت بيدها طربا، وهنأته على انتصاره الباهر الذي فاق كل انتصار، ثم قالت له:أسرع بالعودة ? مع رفاقك ? إلى بلدك قبل ان يطلع الفجر، فينتقم أبي منك أشنع انتقام.فذهب بطل أتينا مع (حسناء الجزيرة، وأيقظا الأسرى، فهبوا من نومهم وهم لا يكادون يصدقون بالنجاة من الهلاك.ولما بلغوا السفينة، شكر بطل أتينا لحسناء الجزيرة ما اسدته إليه من معونة وفضل، وتوسل إليها ان تعود معه إلى بلده، حتى تنجو من سخط ابيها وعقابه؛ فقالت له: لا سبيل إلى العودة معك؛ فإن في ذلك عقوقا لأبي، وهو شيخ هرم، لا يجد غيري في الحياة كلها عزة وسلوى وسيغضب علي أول الامر، ثم يصفح عني بعد قليل؛ لأنني لم أقم بما استحق عليه اللوم والتثريب (التوبيخ)، بل اشتركت في تخليص بني الانسان من وحش فاتك سفاح. فشكر لها بطل أتينا كرمها، واخلاصها للحق والواجب، ثم ودعها، بعد ان اثنى عليها بما هي اهله من الثناء.ثم اقلعوا السفينة عائدين إلى ارض الوطن الحبيب. وما زالت تمخر عباب البحر، وتنهب الماء نهبا، حتى اقتربت من ارض الوطن.ثم اقلعوا السفينة عائدين الى ارض الوطن الحبيب. وما زالت تمخر عباب البحر، وتنهب الماء نهبا، حتى اقتربت من ارض الوطن.ولا تسل عن سرور بطل أتينا ورفاقه حين لاحت لهم أعلام بلادهم (جبالها)، وأيقنوا ملاقو أهليهم وأحبابهم سالمين آمنين.2 ? الاشرعة السودأيها الطفل العزيز: كنت أود ان أقف عند هذا الحد من قصة بطل أتينا ، ولكن أمانة النقل تحتم علي أن افضي إليك بالاسطورة كملا (أخبرك بها كاملة وافية)، دون نقص أو تحريف:لقد كان من الطبيعي ان تنتهي القصة نهاية طبيعية، فيلتقي الوالد الحدب (العطوف) الرحيم بولده البار الشفيق.وقد كانت كل المقدمات مؤدية ? بلا شك ? إلى هذه النتيجة السارة. ولكن حدث ما لم يكن في الحسبان، وشاء القدر المتصرف في العباد ? ولا راد لمشيئته ? ألا يلتقي الوالد بولده.أراك تعجب مما تقرأ، ولك الحق في عجبك.على ان مصدر النكبات نشأ ممن خطإ تفه، كان غاية في اليسر، ولكن عواقبه كانت جسيمة، غاية في الخطورة.ألم أقل لك ? في أثناء هذه الاسطورة ? إن ملك أتينا قد أوصى ولده ان يرفع الاشرعة السود، ويحل محلها أشرعة أخرى بيضاء، إذا كتب لك الفوز والنصر، ورزق السلامة والاياب؟فاعلم ? عملت الخير، والهمت الرشد، وسلمت من كل أذا وضر ? أن بطل أتينا ورفاقه لم يذكوا نصيحة الملك، وانستهم لذة الفوز والانتصار ما أوصاهم به ملك أتينا. فعادت السفينة ? كما خرجت من الميناء ? وهي مجللة بالاشرعة السود.وكان ملك أتينا يترقب عودة السفينة ? بفارغ الصبر ? على قمة جبل شاهق، وهو شديد الشوق إلى لقاء ولده العزيز، وقد عظم قلقه عليه. فلما دنت السفينة من الميناء، كان أكبر همه أن ينظر إلى اشرعتها، ليتعرف مصير ولده الشجاع. فلما أبصر الاشرعة السود ? كما هي ? أيقن بهلاك بطل أتينا، وعرف أن عجل مينو قد صرعه كما صرع كثيرا من الضحايا من قبل. فزاغ بصره (اضطربت عينه)، وغشي عليه (ذهل)، ودار مترنحا (متمايلا)؛ فهوى ? من فرط الحزن ? من قمة الجبل العالية إلى البحر مترديا، وابتلعته الامواج الهائجة، قبل ان يملأ ناظريه من ولده الحبيب.خاتمة القصةولا تسل عن حزن (( بطل أتينا )) حين بلغ اسماعه مصرع والده الحدب ( العطوف ) الرفيق؛ فقد انسته هذه المصيبة لذة الفوز والانتصار على عدوه. ولا تسل عن حزن الاهلين لمصرع مليكهم العادل الرحيم، وفرحهم بانتصار ولده: بطل أتينا الذي خلص ابنائهم وبناتهم من عجل مينو.وهكذا امتزج الحزن بالفرح، واختلطت أصوات البشرى والسرور برنات الحزن والاسى (أصوات الباكين).ولكن الايام تنسي المصائب والخطوب (الامور المكريهة)، كما تنسى المسرات والافراح جميعا. فإنه لم يمض زمن قليل حتى هدأت النفوس، واستتب الامر لبطل أتينا ، واحضر امه إلى مقر ملكه وملك ابيه من قبل. وظل يعمل بنصيحتها، ويأخذ برأيها السديد،ولا يعصي لها أمرا. فأصبح حبيبا إلى نفس كل فرد من افراد الشعب، وصار مضرب الامثال ? بين ملوك عصره ? في الرفق بالرعية، والبر بالناس، وإقامة العدل، وتوخي الانصاف.