اماريتا - ❴🔢❵☟الــبــــــ❴ 3️⃣ ❵ـــــــارت☟ - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: اماريتا
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: ❴🔢❵☟الــبــــــ❴ 3️⃣ ❵ـــــــارت☟

❴🔢❵☟الــبــــــ❴ 3️⃣ ❵ـــــــارت☟

أستطيع القول أنَ ما حدث بقصر الملك قبل هذا اليوم شيء وما حدث بأيامنا اللاحقة شيءٌ آخر تماماً، أذكر أن اجتمع القائد جرير بالملك لأمر بدى لنا جميعا مدى أهميته ثمَ إنتهيَا فَأمر القائد جنوده بأن يدخلوا مَن وصفها بخائنة البلاد، فزادت ضربات قلبي واندفع الدم بعروقي حين وجدت الجنود يَدلفون ووراءهم الطبيبة أسيل قصيرة الشعر مكبلةً اليدين والقدمين بأغلال حديدية ترتدي زياً رجاليً مهترئاً لأراها للمرة الأولى منذ فراقنا يوم جئنا إلى أماريتا قبل أربعة أشهر كاملة بدت قسوتها واضحة على وجهها الرَقيق. وقفت الطبيبة أمام مَلِكَنا الشاب الجالس على عرشهِ بزيهِ العسكريِ ساكنة تنظر عيناها إلى أسفل دون أن ترفعَها إليه فنَظر إليها للحظات طالت قليلا ثمَ حَدَثها هادئاً: لقد أخبَرني القائد جرير بأمر خيانتك وعزمُك الهروب مِن بلادنا سيدتي. أنها المرة الأولى التي يحاول أحدهم الهروب مِن بلادي.. هل تَعلمين جزاء تلك الخيانة؟ فأومأَت الطبيبة برأسها دون أن تنطق أو ترفع عينيها إلى مَلِكَنا .. وأدركناَ جميعا أن موت الطبيبة بِساحة القصر أمام أهل أماريتا بات قريبا للغاية قبل أن يسألها: مِن أي بلد جئتِ؟ فأجابته: بيجاناَ سيدي ولماذا أردتي أن تُغادري وقد أخبرتكُم منذ يومكم الأول أنكم لستم عَبيداً؟ .. تعملون وتأخذون أجركُم مثلكم مثل شعبي مَن يعمل منكم يستطيع أن يكَوِن ثروتَه ويدفع ضرائبَه وَمن يتكاسل ينال مِن العِقاب ما يستحقُه .. لكم عشر سنوات تنعمون هنا بكل الحقوق.. قالت الطبيبة وهيَ تنظر إلى الأرض: عشر سنوات لا نستطيع مغادرة بلادكم عشر سنوات أصبحنا خلالها أرقاماً لا أسماء لنعود بعدها كما جئنا فاقدين كل شيء وأضافت: إنَ اتفاقيتكم ليست إلا درجة مِن درجات العبودية يا سيدي.. قال: وَمن يرُد ديون بلادكم غيركُم أيتها الفتاة .. لقد أعطينا بلادكم الكثير ثمَ عجزت بلادكم عن سداده فاختارتكم بلادكم لتعملوا مقابل ديونها لِيستمر دعمُنا إليكم لدينا من الخيرات ما يفيض ولديكم من البشر ما يكفي .. إنني أَخدم بلادي وأنتم تخدمون بلادكم .. لم يعُد هناك مكان للكُسالى بهذا العالم أليس ذلك عدلاً؟ أجابت الطبيبة وكانت لا تزال تخفِض عينيها: لم يكونوا كَسالى سيدي كانوا فقراء نَهب خيرهم سادتهم .. ووِفق عهدكم سيأتي فقراء غيرهم وغيرهم ليدفعوا ثمن فساد حُكامهم أهذا هو عَدْلكُم؟ قال: لو لم يكن عدلا لَما أحبَني مَن جاء مِن بلادكم مثلما أَحَبني شعبي.. رفعت الطبيبة عينيها إلى سيدي للمرة الأولى وقالت هادئة: لَطالما رضيَ الفقير بالسَيّء خِشية الأسوأ .. مَن يحبونك حين يشتاقون لِأهلهم ولِبلادهِم سيمْقُتونك وسيمْقُتون بلادك كما مَقَتوا حُكامهُم لن تغفر لكم زوجةُ أحدهِم أو ابنته ذلك الفراق .. كان عليك أن ترى دموعَهُم أمام سجن بيجاناَ يوم رحيلنا كنت ستعلم وقتها سيدي أنه لا يوجد ميزان عَدْلّ كانت إحدى كفتَيه حرية امرئ.. فصَمت الملك قليلا ثمَ قال: تتحدثين عنهم ليس عنكِ لستِ فقيرة مثلَهم .. ما الذي جاء بك إلى هنا؟ فابتسمت الطبيبة وقالت: تركت روحي للقدَر وعلِمّت أنهُ لن يخذِلني.. فسألها: ما اسمكِ أيتها الفتاه؟ أجابته: اسمي أسيل سيدي يسألها مجددا: وما قصتُكِ؟ كانت الطبيبة أسيل جميلة حقا جمالٌ اصطبغ بقسوة أيامها فباتت كالماسة التي أثقلَتُها النيران وبدأت تتحدث إلى الملك عن حياتها بزيكولا منذ دخولها إليها حتى أصبحت طبيبة زيكولا الأولى دون تفاصيل كثيرة كانت أخبرتها لي حين عَبرنا بحر مينجا معا تحدثت عن قوانين زيكولا التي كانت تفخر بها لسنوات طويلة ثمَ مَقتَهَا حين عاشت عناء الفقر وأهله وابتسمت ابتسامة مُرة وقالت: كنت أنا مَن يختار الأفقَر ليخوض الزيكولا فلَفحني قدَري وجاء الوقت ليذبح مَن أحب.. ثم صمتت لحظة ونظرت إلى الأرض أمامها وابتلعت ريقها وأكملت: لم يكن يستحق الموت .. أعطيتهُ مِن ثروتي قبل ذبحه لِينجو وغادرت زيكولا فأعلنني حاكمها خائنة وساقني القدَر إلى هنا.. فقال الملك: إذن أعتدتي أن تخوني قوانين بُلّدانك أجابته: القوانين غير العادلة ليست بقوانين سيدي فقال: وإلى أين كانت جهة سفينتكُم؟ فسألَته باسمة: هل ستَعبُر بي مجدداً؟ فأجابها باسماً: لا لست مثلكِ لا أحيد عن قوانين بلادي فابتسمت وقالت: إذن فلتسمح لي أن أحتفظ بهذا السر يا سيدي.. فقال الملك: ألا تخشين موتك بساحة قصري؟ أجابته: لن يختلف كثيرا عن موت على سفينة مشتعلة كان يحيطَها الماء مِن كل جانب.. فابتسم الملك ثمَ فوجئنا به يشير إلى أحد الجنود بأن ينزع أغلال الطبيبة قبل أن يشير إليَ قائلاً: اصعدي بالطبيبة إلى الغرفة الشرقية وإهتمي بِشؤون معيشتها إنها ضيفتي مِن اليوم.. وقتها أدركناَ أنَ الطبيبة باتت على حافة شأن عظيم.. غادرنا البهو الملكي فابتسمت لي الطبيبة وإحتضتني والدموع تلمع بِعينها ثمَ صعدتُ بها إلى الغرفة الشرقية أفخم غرف القصر لم تتحدث كثيراً كنت أُدرك حاجة جسدها المُنهك إلى الراحة فتركتُها بعد أن أخبرتها إنني وثلاث مِن الوصيفات سنتولى شئون ضيافتها .. ما إن نالت الطبيبة راحتها وبدَلت ثيابها الرثة بِفَساتين صممت خصيصاً مِن أجلها حتى أبهرت مَن بالقصر بجمالها وبنقاء روحها التي عبقت بكافة أرجائه منذ اطلالَتِها الأولى وسرت همهمات الفتيات مِن حولي عن نظرة الملك إلى الطبيبة وتوقف الشراب بحلقِه حين دَلَفَت إليه بِفُستانها الأنيق بعدما طلب لقائها للمرة الثانية يومها الثالث بالقصر .. ثمَ تعددت لقاءاتها كثيراً إما بِبهو القصر الرئيسي أو بِمكتبتِه أو بِحديقتِهِ الخلفية .. كانا يتسامران لساعات وساعات كأنهما لا يشعران بالوقت مِن حولهما يتناقشان بأمور شتى وقضايا مختلفة كانت إن تحدثت استمع إليها وإن تحدث جادلته فَينهض إلى أرفُف مكتبتِه ليُحضِر كتاباً مُدعما قوله بما ذَكره مؤلفه فَتزيد جدالها جدلاً فإن أقنعته ألقى بِكتابه إلى نيران مدفأته معلناً إنتصارها وإن أقنَعها قالت مداعبةً لهْ: - ربما قبل أن تُكمِل باسمة: ولكن لنا جولة أخرى سيدي.. وعلى نحو أربعة أشهر لي بالقصر لم أرى تلك النظرة على وجه الملك لإمرأة مثلما رأيت نظرته إلى الطبيبة خلال تلك الأيام سبعة عشر يوماً كانت كافية لنُعلِن أن قلب ملِكَنا قد تعلق بِذكاء ابنة بيجاناَ طبيبة أماريتا الجديدة .. سارت الأمور جميعها على خير ما يرام أُقسم أنني لم أشعر بِبهجة هذا القصر مثلما شعرت بها تلك الأيام قبل أن تنقلب فجأةً رأسً على عقب دون مقدمات .. فجر تلك اليوم حين أيقظتنا صرخات شديدة مدوية مزقت سكون الليل فنَهضنا جميعاً وركضنا نحو الغرفة مصدر تلك الصرخات يتقدمنا الملك تميم بثياب نومه لتتسمر أقدامنا وتجمُد أجسادنا حين دَلَفنا إلى الغرفة ووجدنا الطبيبة راقدة على أرضيتها زائغة العينين ينتفض جسدها لا إرادياً بقوة وتصرخ صرخات ترُج الجدران مِن حولنا ممسكه برقبتها تُنازع إختناقها ثم توقف جسدها عن إنتفاضاته رويداً رويداً لتنظر إلى سيدي الذي أقترب منها نظرة لن أنساها ما حييت كأنها تتوسل إليه بأن ينقذها قبل أن تغمض عينيها وقد أصبحت شاحبة شحوباً لم أرى مثيله في حياتي ..... ########### يتبع *قانون جديد ـ الحلقة السابعة عشر* لِسنوات طويلة كانت عُمّر القصر الملكي لم يشهد خلالها قدوم هذا العدد من الأطباء، فمنذ إن غابت أسيل عن الوعي ولم يمر يوم واحداً إلا ودَلف إليه جماعة منهم غير الذين سبقوهم دون ان يجد أحدهم تفسيرا لِحالة الطبيبة الشاحبة ما يستطيعون قوله أن وظائفها الحيوية تعمل بانتظام ولا يوجد عرَضٌ آخر يوحي بإصابة مخها الغائب عن الوعي بعلة ظاهرة، ثبت كبيرهم بذراعها أنبوبا معدنياً رفيعاً تدلى من زجاجة بها سائل مغذي مطعم بِمُنَشطات للعقل، وحَدّث الملك أملاً أن يستجيب مخها لِدوائه وآسِفا بسوء المصير إن لم يستجِب. ثمانية أيام لم يفارق الملك غرفة الطبيبة إلا إن اجتمع بمجلسه فتقوم قمر بتدليك جسدها بالزيت قبل أن يعود ويجلس أمامها لا تُفارق عينيه وجهها أو الزجاجات المغذية التي تتبدل واحدة تلو الأخرى دون أن يحدث جديد. ثمَ جاء صباح اليوم التاسع ودَلف إلى القصر طبيب شاب جاء من بيساناَ وحين إنتهى من فحص أسيل أخبر الملك بما أخبره به من سبقوه من أطباء وغادر الغرفة إلى المَمر أمامها فسَمَع إحدى الوصيفات تتحدث إلى أخرى بأن قمر تجلس بغرفة الطبيبة فسألها بفضول: أي طبيبة؟ فأجابته الوصيفة: السيدة أسيل المريضة كانت طبيبة زيكولا.. فعاد مرة أخرى إلى الغرفة وسأل الملك أن يفحص أسيل مجدداً ثمَ وضع بين إصبعيه ثنية مِن جلّدها وأكمل فحصه ثمَ حدَق بها مفكراً قبل أن يلّتَفت إلى الملك قائلاً: سيدي لقد تجاهلت شيئاً أنا وغيري ممن سبقوني من الأطباء. لقد عاشت الطبيبة عمرها بزيكولا ولقد قرأتُ قديماً الكثير عن حياتهم هناك قبل أن ألتقي ذات مرة بطبيب خرج من زيكولا وحدثني عن قوانين بلدهم التي مُيِزوا بها وعن شحوب فُقرائهِم المميز الذين يصابون به دون اختلال وظائف جسدهم الحيوية إن فقدوا وحدات ذكائهم وعلمني كيف يميزونهم عن مرضاهم بفقر الدم. فقال الملك: هذا هناك، في تلك الأرض الملعونة ليس في بلادنا فقال الطبيب: لكني سَمعت خَبرً عابراً بالأمس، أن زيكولا قد طبقت قانونا جديدا يقتص من خائنيها. كانت الأشهر الخمس الماضية الأصعب بحياتي ومازلت لا أُصدِق إنني حي حتى هذهِ اللحظة، فمنذ أن أخبرتني نادين فتاه المنطقة الشمالية بعد أيام مِن رحيل خالد عن إبلاغ أحد تُجار المنطقة الغربية عن نفق أسفل بيته يَعبُر سور زيكولا وبدئهُم البحث عن مرتكبي تلك الخيانة خالد والطبيبة أسيل وكل من رؤي مع خالد ونادين بعد وشايه هلال النذل بها ونحنُ نختبئ بالمنطقة الجنوبية لقرابة الخمسة أشهر علّنا نستطيع مغادره زيكولا يوم يفتح بابها.. قبل أن يعلم إياد يوماً عن تكليف حاكم زيكولا المجلس الزيكولي الأعلى بوضع قانون جديد بشأن خونة زيكولا لكن حقاً ما نخشاه كثيراً لن يأتي أفضل منه لقد أعلن كبير قُضاة زيكولا قبل أيام عن قانون بلادنا الجديد الذي يقتص من خونتها، وقد نص هذا القانون على أمرين: الأول .. أَلا يستطيع الخائن التعامل بواحدات ذَكَائه داخل زيكولا ويحظر على أهل زيكولا التعامل معه ومن يخالف ذلك يُتَهم بالخيانة مثله بِمعنى آخر لن يستطيع الخائن العيش داخل زيكولا.. الأمر الثاني: أنهُ يحق لأهل زيكولا جميعهم إسترداد وحدات ذكائهم التي دفعوها للخائن من قبل حتى إن نالوا مقابلاً لها خلال يوم واحد فقط بعد إعلانه خائناً.. المثير للدهشة إن هذا القانون قد وُضع لِيَسري على جميع الخائنين حتى وإن غادروا زيكولا، وأعلن كبير القُضاه البدء في تطبيقه قبل أن يعلن قائمة بأسماء الخائنين، فرُدت إلينا الحياة مجدداً لعدم شمول القائمة اسمائنا بعدما لم يستطيع جنود زيكولا الإمساك بنا لقد اعتمدوا على وصف خادم التاجر وهِلال الثمِل دوما، وأنا وَإياد ونادين مثلنا مثل الآلاف ممن يعيشون بأرض زيكولا ولن يعرفنا أحد طالما بعدتُ عن المنطقة الشرقية وإبتعد أِياد عن المنطقة الغربية وأبتعدت نادين عن المنطقة الشمالية.. خمسة أشهر كنا ننتتظر بفارغ الصبر أن يفتح باب زيكولا ونغادرها ثمَ جاء هذا القانون ليُبعد عنا أعين حُراس زيكولا إلى خَوَنَتها الذين سيصبحون أكثر شحوباً، فلا يخرج ذبيح زيكولا عنهم ثمَ فتح باب زيكولا وعلِمنا عن اتفاقيه البشر مقابل الديون التي خضعت لها بلادنا المجاورة، وكما أبدو لا أملك غير ملابسي وإن غادرنا زيكولا لن تجدي وحدات ذكائنا خارجها بِشيء ولن يكون هناك أفقر منا فقررنا أن نبقى في زيكولا حتى أوان آخر وأن نعمل ونكمِل حياتنا بمناطق لا يعرفنا بها أحد لتصبح عدم شهرتنا ميزة ندين لها بحياتنا.. و اتجه إياد إلى المنطقة الشرقية ليعمل بتقطيع الصخور وبقيت أنا بالمنطقة الجنوبية لِأعمل بالزراعة وأتجهت نادين لتبحث عن عمل بالمنطقة الوسطى متيقنة بأنها لن تجد هلالاً هناك، وإحتضنتني وهيَ تُغادرُنا باسمة بعدما لم تكن تتوقع أن تترُك الرذيلة والمنطقة الشمالية يوماً ما غير مصدقة بأنها قد فعلَتها لِخمسة أشهر وتنوي أن تبحث عن عمل آخر حقيقي كما أخبرها خالد من قبل. خالد الذي سَماه القاضي في قائمته بالغريب الناجي مِن زيكولا دون أن يعلم إن قانونه لن يجدي معه بشيء لقد غادر منذ أشهر ولا يحتاج إلى التعامل بالذكاء مجدداً حتى مَن ينوي أن ينال وحداتهُ منه فلا أتذكر أن هناك مَن دفع لخالد وحدات كان هو من يدفع دائماً ما أحزنناً حقاً أن القائمة قد شملت الطبيبة أسيل بتهمتين للخيانة، الأولى: التعامل مع ذبيح زيكولا، والأخرى: تَوَرُطَها بذلك النفق بالمنطقة الغربية بعدما وشى بها خادم التاجر الذي عرَفها. ولأنني أعرف أهل بلدي جيداً وإنتهازهم أي فرصة لكسب وحدة ذكاء واحدة في الوقت الذي تعاملت فيه الطبيبة مع الكثيرين منهم وبهذا القانون الذي يعطيهم حق إسترداد وحدات ذكائهم كاملة أصبحت الطبيبة كنزاً لِيوم واحد وجده أهل زيكولا فجأة سيسرعون جميعاً لإلتهامه قبل أن ينضب وحسب تفكيري المحدود أن تفقد الطبيبة هذا العدد مِن وحدات الذكاء مرة واحدة فإنهُ لا يعني إلا الموت المحقق. لم يكن هذا قانونا فحسب بل كان إنتقاماً شرساً لزيكولا، إنني أشفق عليها حقاً لقد تحملت الطبيبة بمفردها ثمن عودة خالد إلى بلاده. أخبر الطبيب الملك تميم بأمر قانون زيكولا، وصدّق على حديثه أحد مستشاري المجلس الأماريتي عجوز أشيَب الرأس اسمهُ سدير عُرف عنه كَثرَت ترحاله ومعرفته الجمة بِشؤون البلدان الأخرى، وخَتم الطبيب حديثهُ إلى الملك قائلاً: سيدي إن طالت هذهِ الإغماءة لن تُجدي سوائلنا المغذية بشيء أخشى أن تُصاب أحشاء الطبيبة بإختلال و قصر لا رجعة لَه.. ثمَ قال السيد سدير هادئاً: ليس هناك حل لِنجاتها إلا إسقاط خيانَتِها.. ولم تمُر ساعة واحدة إلا وإنطلقت سفينة مَلَكية على متنها رَسول يحمل رسالة مِن الملك تميم إلى حاكم زيكولا يطلب فيها إسقاط خيانة الطبيبة مقابل ما شاءت زيكولا، وأمَر قائدهُ جرير أن يحضر له كافة الكتب التي تتحدث عن زيكولا ودَلف إلى مَكتبتِه. *** ستةُ أيام لم يغادر طاولة مكتبته حتى إلى حُجرة أسيل يُقَلِّب صفحات كتبه التي تحدثت عن زيكولا كتاباً تلو الآخر يقاوم إرهاق جفونه ليدَوِن ما يجده مُختلفا عما قرأهُ من قبل وأن غلبه النعاس لم يفارق كرسيه وغفا على طاولته ثم ينهض لِيكمل تصفُحه لا يدلِف إليه إلا خادم شرابه وطعامه القليل وطبيب القصر لِيحدثه عن حالة الطبيبة التي لا تتحسن والقائد جرير مساء كل ليلة والذي حدثهُ مازحاً ذات مرة حين لاحظ إرهاق وجهه: لو علمت أنَكَ لن تُفارق هذهِ الغرفة لِأيام مِن أجلها لَما أرسلتُها إلى القصر.. فأجابهُ باسماً: لقد كان أفضل ما فعلت بحياتك يا صديقي.. فقال جرير متعجبا مِن أمرِه: لدينا مِن الجميلات الكثيرات فأجابه وهوَ يُقلب صفحة كتابه: لا شأن للجمال بذلك، ثمَ أغلق الكتاب. وأكمل: حين طلت عليّ الطبيبة مكبَلَة اليدين للمرة الأولى أدركت أنَ وراء هذهِ الفتاه الضعيفة أمراً عظيماً ثمَ تحدثت فأيقنت أنني على وشك جُرم كبير إن أقررتُ خيانتها، ثمَ تحدثنا لِأيام فَأَحَب قلبي حديثها ثمَ جادلتني فَأَحَب قلبي حِكمتها، فقال جرير: لكنها تظل خائنةً لزيكولا سيدي. فنهض واتجه إلى أحد رفوف مكتبته وقال وهوَ يلتقط كتاباً آخر: إننا مَن نضع قوانيننا يا جرير لقد تناقشنا كثيراً عما فعَلَته كان بيدها أن تُغير قدر ذلك الغريب فغيَرته لم ترى أنهُ يستحق الموت كانت نقية الروح فحسب. ثمَ عاد إلى مقعده وتابع: لن أجد مثلَها يا صديقي. *** ثلاثة أيام أخرى ودلَف إلى الملك فجراً رَسوله حاملاً رداً مِن حاكم زيكولا الذي أجاب برسالة مُقتضبة يقول: حين يتعلق الأمر بأمن بلادنا لن يكفينا مقابلاً نرفض طلَبكم . فَأخرج الملك زفيراً دون أن ينطق بكلمة ثمَ اتجه إلى غُرفة الطبيبة وألقى نظرة مطولة عليها قبل أن يتجه إلى شُرفة قصره وينظر إلى تمثاله المنتصب بمنتصف ساحته للحظات ثمَ اتجه إلى بَهوه وأمر كبير رجال القصر بِحشد أهل أماريتا صباح يومهم التالي بساحات قصره لِترُج أبواق الخِطاب الملكي سماء أماريتا بوقاً تلو الآخر أطلقها عمال كثيرون سُموا البوقيون كانوا ينتشرون بكافة مناطقها ما إن يطلق أولهم بوقه حتى يسمعه البوقي الأقرب فيطلق بوقه ثمَ الأقرب فالأقرب لِترُج أرجاء البلاد بنَفير أبواقها التي يختلف إيقاعها حسب أغراضها ويميزها كل مَن يعيش على أرض أماريتا مِن أطفالها حتى شيوخها ثمَ أرسل إلى مستشاريه لِيحَدثَهُم بِأمرٍ هام قبيلَ خِطابه إلى شعبه. طاولةٌ بيضاوية ألتَف حولها أحد عشر مِن مستشاري الملك بينهم جرير يتهامسون فيما بينهم عن هذا الخِطاب الطارئ وتسمع آذانهم هتاف وصَيحات أهل أماريتا الذين أحتشدوا خارج القصر منذ شروق الشمس وموسيقاهم التي إعتادوا أن تُصاحبهم كل خِطاب قبل أن يدلف إليهم الملك بزيه العسكري حاملاً بيده كتابً لم يتبَيَنُوه ثمَ جلس هادئاً وقال : لم أهتم بِشؤون زيكولا مِن قبل مثلما إهتممت بها خلال أيامي السابقه لأعلم كم يمتلك حُكامها مِن كِبرٍ وكِبرياء لقد رفضت زيكولا العفو عن الطبيبة ولا أُخفيكم سراً لقد عاهدت نفسي وعاهدت الطبيبة النائمة إنني لن أدعها تموت ثمَ أَخرج زفيراً وتابع: ولم يَعُد هناك مزيد من الوقت لإضاعته فقال السيد سدير: لم يعُد بيدينا شيء سيدي طالما رفضت زيكولا العفو عنها. فنهض الملك وتحرك إلى شُرفة قصره ونظر مِن وراء ستائرها إلى حشود شعبه الذين تَجمعوا في إنتظار خِطابه وطالت نظرته لِلحظات قبل أن يقول: أيها السادة إن لم يعُد أمامي سوى أن أُغير خريطة هذا العالم مِن أجل نجاة الطبيبة وسأفعل. ثمَ ألتفت إليهم وأردف: سأحتَل زيكولا مِن أجل أسيل..... ########## يتبع *عهد الرسل القديم ـ الحلقة الثامنة عشر* ساد الصمت رجال الطاولة ونظر بعضهم إلى بعض كأنهم لم يتوقعوا أبدا ما قاله مَلِكَهُم الذي نظر إليهم في إنتظار ردة فعلهم ثمَ أكمل بعدما وضع أمامهم الكتاب الذي كان بيده: لم أجد أمامي إلا هذا العهد .. عهد الرسل القديم .. إنَ زيكولا مَن أبرمته عنوة بينها وبين بلد مينجا قبل قرون كنا بين تلك البلدان ووفق ذلك العهد مَن ينتصر بالحرب ويحكُم قبضته على الأرض المنهزمة يحق له إن شاء إخضاع قوانينها لقوانينه وإن كانت مُقدسَة أو مِن الثوابت. كنت أوقِن أنَ حاكم زيكولا مغرور لن يقبل العفو عن الطبيبة وبحثّت كثيراً خلال أيامي السابقة عن كل صغيرة وكبيرة بِشأن زيكولا ولم أجد سَبيلا لنَجاة الطبيبة إلا هذا العهد. سَنضرب زيكولا بكل قوة ستعلو راياتنا أرضها سَأخضع قوانينها لي لأُعلن براءة الطبيبة مِن الخيانة.. فقاطعه جرير: لكننا سمعنا كثيرا عن قوة زيكولا.. قال الملك: سيحارب معي كل أماريتي سيُحال كل مَعدَن مِن مَناجم الريميوز إلى سيف أو رمح أو درع.. قال احد الجالِسين قلقاً: إن هُزِمّنا ستأتي إلينا زيكولا وستذيقُنا مِن الهلاك ما لم نَرَه مِن قبل.. فأجابه: لن يستطيعوا عبور الريكاتا فقال الرجل نفسه: لا نضمن ولاء كل أماريتي سيدي لَطالما إختبأ بين الشُجعان ضُعاف النُفوس.. وقال آخر: سَيموت الكثيرون مِن أجل إمرأة واحدة يا سيدي.. وقال غيره متعجِباً: تريد أن تدمر ما فَعلته خلال سنواتك الماضية مِن أجل إمرأة.. ثمَ قال أكبرهم سِناً: عفوا سيدي لقد كنا عونا لك على شؤون بلادنا نقدم مشورتنا فيما نراه يخدمها تحكُمُنا قوانين لا نحيد عنها أبدا لكننا اليوم نرفض قرارك لن نخاطر بدماء أماريتي واحد مِن أجل إمرأة غريبة.. فقال الملك: مَن رأى منكم جيش زيكولا مِن قبل فليُحدثني عنه؟ فَصمتوا جميعاً فقال هادئاً: إذن لتتخذوا أماكنكم بِشُرفات القصر أيها السادة. امتلأت ساحة القصر بالمئات مِن رجال ونساء أماريتا قبل أن تدور أعمدة جدرانها الرُخامية الرَقيقة دورة ربع دائرة لتغلق جدرانها، وأُغلقت أبوابها وعلت صيحاتهم وغنائهم حين أُطلق بوقٌ ظهر بعده رجال المجلس الأماريتي بشُرفة القصر الجانبية ثمَ وصل هتافهم ذروته بعد إطلاق البوق الملكي وَظُهور الملك تميم بشُرفة القصر الوسطى رافعاً يده إليهم بالتحية بعدها عم الصمت كافة الأرجاء ليبدأ خِطابه بصوت رخيم قائلاً: ايها السادة أُدين لكم تلبية ندائي ولن أطيل عليكم. ثمَ صمَت برهة وأكمل: لقد إعتدنا دائماً أن أُشرك مجلسي في قرارات بلادنا الحاسمة لكن هذهِ المرة لابد وأن تكونوا شركاء أنتم أيضاً.. وتابع باسماً: أعلم أنكم تنتظرون اليوم الذي تحتفلون به بِزواجي. فَنَظَر بعضهم إلى بعض بوجوه فَرِحة في ترقب وقال: اليوم أُخبركم دون خجل إنني قد وجدت خير نساء هذا الزمان. ثمَ أشار بعيداً في اتجاه البحر: شمال بحر مينجا توجد بلاد زيكولا حيثُ عاشت بين أُناس يَقتُلون فُقراءهم لكنها كانت نقية القلب أنقذت أحدهم فعاقبوها بِقوانينهِم الظالمة لتغدو بين جدران قصري تُصارع حياتها الوقت .. ثمَ رفضوا بِغرور طَلَبنا بالعفو عنها ولم يعُد لنجاتها سبيلا سِوى إخضاع قوانينَهِم لبلادنا. ثمَ صَمَت وأكمل: لقد أحب مَلِكُكُم هذهِ المرأة أيها السادة وسأعبُر هضاب ريكاتا بإسطول لم يشهده بحر مينجا مِن أجلها واليوم أترك لكم خياركم بعبورها معي .. لن تنجو مَلِكَتِكم إلا بأياديكُم. فإنفرجت أسارير الوجوه قبل أن يُكمل: إنني في حاجة إليكم. فصاحوا جميعاً وهتفوا بإسمه هتاف رَج جُدران القصر وعلت زغاريد النساء وعزَفَت الموسيقى ورفع الجنود أياديهِم بِسيوفِهم ودروعهِم وظل الملك بشُرفتهِ ثابتاً ينظر إليهم وإلى تعابير وجوههم المُتقدة بالحماس حتى أُطلق بوقٌ فَفُتَحَت أبواب الساحة مجدداً وعاد الملك إلى مكتبة قصره لِيجتمع بالقائد جرير دون غيره وأَمَر جميع عمال القصر رجالاً ونساء بالمُغادرة فبادره جرير باسماً: إذن سيعبر أسطولُنا للمرة الأولى هضاب ريكاتا فأومأ الملك برأسه شارداً. فتابع جرير: لقد أمرتُ أن تُرفع رايات الحرب بكافة أرجاء أماريتا سيعمل كل أماريتي فوق خمسة عشر عام مِن أجل إعداد الأسطول دون شيء آخر.. فسأله الملك: كم مِن الوقت نحتاج لِتُبحِر سفُنُنا؟ ليس أقل مِن ثلاثين يوماً يا سيدي سأضُم إلى سفُنُنا الحربية سفن الصيد والتجارة وكل أماريتي بالغ قادر على حَمل سيفه وَسيُبِحِر رُسُلُنا إلى كافة الجزر الجنوبية للإستعانة بِسُفُنُهِم ورجالهِم إنهم يحبونك ولن يتأخروا عن الإبحار بأسطول يرفرف شعاره بأمرك يا سيدي.. فقال الملك: بأمرك أنت يا جرير .. سَأُغادر الليلة إلى زيكولا فإرتسمت الدهشة على وجه جَرير فَتابع الملك: أنت مَن سيقود أسطولُنا دون أن يدري أحد برحيلي .. فقال جرير: أُعذرني سيدي لا أفهم ما تقصده .. فقال: كما قلت يحتاج أسطولُنا إلى أكثر مِن ثلاثين يوماً لإعداده لِحرب كبرى مع بلد كبرى مثل زيكولا لكن أسيل قد لا تملك كل هذا الوقت .. ستُكمِل أسطولَك وقواتك وستُبحِر بهم يا جرير لكن الحرب لن تكون خيارنا الأوحد .. لقد قرأت كثيرا عن زيكولا وعلِمت مدى كِبر وَكِبرياء ذلك البلد ووضعت خطتي على هذا الكبرياء.. ستَتنَاقَل أخبار خِطابي سريعاً بين العامة وبين التُجار وسَتطير إلى جميع بلدان بحر مينجا بينهم زيكولا أسرع مما تتخيل سَتُحمل الأقاويل مدى الجدية التي تحدثت بها والحماسة التي يستعد بها مُقاتلينا ستنتشر الأخبار بين عامتهم إننا قادمون مِن أجل مَلِكَتُنا طبيبتهِم السابقة عائدون لنَنقِذِها أو ننتقم لها عما فَعَلوه بها.. على مدى العصور لم تُحارب زيكولا بأرضها ولم تسمح لبلد آخر بِحصارِها، سيعدون جيشهم بوقت قصير ليصدونا قبل أن نصل إلى أرضهم كما فعَلوها من قبل مع خصومَهم منذ قرون مضت سيفتح بابها ليخرج جيشهم ويحتل شاطئ مينجا الشمالي في إنتظارنا .. لا أريد غير ذلك أن يفتح بابها مرة أخرى إن الطبيبة في حاجة ماسة إلى دخول زيكولا مرة أخرى ولكن بابها قد أُغلق بعد مرور يوم عيدهم .. سأحرِك كبرياء زيكولا لِتُخرج جيشها ولن يُغلَق حتى تنتهي الحرب على شاطئ مينجا وكعادة تُجار الشمال سيجتمعون أمام بابها ليدخلوا إليها مطمئنين بخُروجهم مالم تنتهي تلك الحرب .. سأُبحر الليله مع أسيل كَتاجر للذهب وسأعبُر بابها بين تُجار البلدان الأخرى لا يعرفني أحد هناك، سأبَدِل ذهبي ذكاء لأُعطيه للطبيبة، ستُكمل بناء أسطولُنا لِتُبحِر بعد شهر مِن اليوم لكننا لن نخوض الحرب إن نجت لا يعلم بهذا غيرك. وتابع: لا توجد سهام النجدة المضيئة ببُلدَان غيرنا.. وأقترب مِن الخريطة المُجسمة على الجدار أمامهُما وأشار بإصبعه عليها: سيتخذ جيش زيكولا أقصر الطرق إلى ساحل مينجا وحرك أصبعه على الخريطة قليلاً إلى أعلى وقال: هذا الوادي يسمى وادي بيجاناَ وادي ضيق لا يصلح لمرور عربات أو مجانيق وتفصله جبال شاهقة عن الوديان الأخرى وأقرب لبيجاناَ منه إلى زيكولا لذا لا حاجة لزيكولا إليه سيكون موضع إطلاق سِهامي سيظُن مَن يراها إنها شُهُب سماوية غير رِجالنا. وحرك أصبعه إلى بحر مينجا: تحتاج السفن بعد هضاب ريكاتا إلى مسيرة خمسة أيام لتصل إلى الشاطئ الشمالي ستتناثر خمسة سفن مِن سفننا بين كل واحدة وأخرى مسافة يوم يعلو صواريها حادين البصر. تستطيع أقرب السفن رؤية السهام لِتطلق سِهامها لتراها السفن المتناثرة مِن بعدها حتى هضاب الريكاتا ستوقف بعدها أبحارك لن تغفر لي أسيل موت الكثيرين في تلك الحرب. فقال جرير: وإن لم تطلق السهام؟ صمَت الملك ثمَ قال: ستمضي وقتها في طريقك مِن أجل عهد الرسل لن أغفر لزيكولا موت الطبيبة. فهز جرير رأسه ثم قال باسماً: لن يَنسى التاريخ ذلك الملك الذي عرَض حياة شعبه ونفسه للخطر مِن أجل أمرأة أَحبها.. فقال الملك: على قدر الحلم تكون التضحية يا صديقي. فقال جرير :حسناً سيدي ستجد مِن الجد بالعمل وإنتشار الأخبار ما يجعل زيكولا تعلم إننا قادمون لاقتلاعها لتخرج لنا كل مقاتليها عبر بابها.. وكاد يغادر فقال الملك: هناك شيء آخر.. ثمَ حَمَل ورقة مُصفرة مَختومة بالختم الملكي كانت ترقد على الطاولة أسفل كتاب ومد يده إليه بها وقال: سيكون أول قرار لك باسمي في غيابي. فانطَبعت دهشة بالِغه على وجهه وهوَ يقرأ ما بها ثمَ سأله: هل هذا صحيح؟ فأجابه باسماً: نعم.... ######## يتبع *دقات مُخيفة ـ الحلقة التاسعة عشر* نا نُصارع الوقت بحق .. جسد الطبيبة بات نحيلا للغاية .. شُحوبِها كما هو لم يتغير .. كنت أجلس بجوارها بغرفتها أثناء خِطاب الملِك وعلِمت ممَن حولي إنَ سيدي قد عَزَم على غزو زيكولا مِن أجلها .. وتأكد حَدسي بأنها ستصبح سيدةَ أماريتا الأولى .. قبل أن تخبرني السيدة نجود بعد ساعات مِن الخِطاب بأن أستعد للرحيل مع سيدي والطبيبة على متن سفينة كانت ستغادر شاطئ أماريتا مع غروب شمس ذلك اليوم.. غرُبت الشمس وانطلقت بنا سفينة مَلَكِية عُمالها كثيرون حَمَلتني أنا وسيدي والطبيبة وإثنين مِن حُراس القصر لم يغادروا جِوار عربة خشبية كانت معنا على متنها .. علمت فيما بعد أن أحدهما قد زار زيكولا مِن قبل، وقُسِمّ قبو السفينة إلى غرفتين اتخذ الملك إحداها وأمرني إن أمّكُث بجوار الطبيبة بالغرفة الأخرى .. بعد أن أطمأن أنني أستطيع تثبيت سوائلها المغذية بِذراعها كما علمني طبيب القصر. و مرت أيام سبعة ببحر مينجا دون أن أعي بم يفكر سيدي أو إلى أين تتجه سفينتنا ما أوقِن أن مَلِكنا لا يضع بباله شيئا سوى شفاء الطبيبة .. وحين أشرقت شمس يومنا الثامن دَلَف إلى حُجرتنا وقال لي دون مقدمات: اليوم سنصل شاطئ مينجا الشمالي .. ستحملنا العربة إلى مَقرُبة مِن أرض زيكولا .. وسَنتخذ مبيتاً لِأيام بصحرائها حتى يُفتح بابها .. بعدها سنعبر إلى أرضها .. منذ أن تطأ أقدامنا الشاطئ ولم أعُد مَلِك أماريتا .. إنني السيد تميم تاجر الذهب القادم من الشمال إلى زيكولا .. والحارسان معي ليسا إلا مساعديّ. فأومأت برأسي إيجاباً .. وأدركت سر ذلك الشرود الذي لم يفارق وجهه أيامنا السابقة. مع غروب شمس ذلك النهار حملنا زورق صغير إلى الشاطئ بينما حَمَل آخر العربة وجواديها والحارسَين .. ثمَ أبحرت السفينة مُبتعدةً عنا وغابت شيئا فشيئا عن أنظارِنا مع إنسِدال ظلام الليل. بِتِنا ليلتنا الثامنة بخيمة أعدها لنا الحارسان على شاطئ مينجا .. وإبتسمت حين تَذَكرت القافلة التي حملَتني أنا والطبيبة مكبلتين إلى هذا الشاطئ قبل خمسة أشهر .. كانت الطبيبة وقتها تَشُع طاقة وأملاً .. ودارت برأسي كلِماتها إلَي قبل مغادرتنا السجن الغربي بأنَّ أماريتا طريقها إلى سرداب فوريك قبل أن تُعيدها إلى حين غلبني الفضول وسألتها مجدداً بِعربة الفُقراء عن ذلك السرداب التي تحدثت عنه .. فقالت إنا أماريتا ستصبح طريقها إلى زيكولا ومِن ثمَ إلى أرض حبيبها .. لا أعلم إن كانت تدري بأننا نمضي قدماً في ذلك الطريق الذي تمَنته أم لا. ثمَ بلغت دهشتي ذَروتها وكدت لا أصدق عيني حين نظرت إلى السماء ووجدت ذلك النجم اللامع بها .. أُقسم أنهُ هو ما أرَتني إياه قبل ليلة رحيلنا .. وأخبرتني أنَ حبيبها قد سماه بأسمها .. كان يلمع وحيداً مميزاً كانه يحتفل بعودة سيدته إلى بلاده مرة أخرى. وفي صباح يومنا التالي وجدت سيدي قد بدل ثيابه العسكرية ليرتدي قميصاً قماشياً واسع الجيب وبنطالاً أسفل عباءة مُزَركَشة ليشبه تُجار بلادنا .. وقاد الحارِسان العربة نحو وادٍ رمليِ امتد بين جبلَين لاحا في الأُفق .. وجلست في صومعة العربة أمام سيدي شارِد الذهن بجواري سيدتي الطبيبة النائمة .. وَكعادته لم يحرك عينيه عنها إلا للَحظات غاب معها نظرَهُ عبر نافذة العربة التي أسرعت بنا تَعبُر سهولاً وودياناً في طريقها إلى صحراء زيكولا.. ومضت ساعات أخرى لم تقف خلالها العربة مرة واحدة .. حتى وصلت بنا أعلى إحدى الهِضاب مع اقتراب الشمس مِن المَغيب .. ثمَ أبطأت مِن سرعتها وتوقفت للمرة الأولى وهبطنَا إلى الأرض .. وبدأ الحارسان يعدان الخيمة مرة أخرى .. بينما حَمَل سيدي الطبيبة بين ذراعَيه وتقدَم بها ثابتاً تجاه حافة الهضبة .. فأسرعت خلفه حتى توقف على حافتها ونظر إلى أسفل بعيداً حيث ظهرت مدينة كبيرة ذات منظر بديع مِن أعلى بِها مبانٍ شتى تتخلَلُها مساحات خضراء كأنها أراضي زراعية ومسطحات مِن الماء يحيطَها سور صخري شاهق فاق كل أسوار المدن الأخرى التي رأيتها مِن قبل .. وبعدما طالت نظرته سمعته يهمِس إلى الطبيبة قائلاً: تمنيت لو تدركين أين نحن الآن، ثمَ أكمل بعد لحظات: لنرى ماذا تخبئ لي ولك هذهِ الأرض الملعونة.. كانت المرة الأولى التي أرى بها أرض زيكولا .. لَطالما سمعت عنها وعن لعنتها .. لكنني لم أظن يوماً أن أقترب منها إلى ذلك النحو .. حدَثني شاب بيجاني ذات يوم عن رحلته إلى تلك المدينة .. وعن تعامُلَهِم بوحدات الذكاء دون غيرها مِن البلاد .. وعن يومهم الذي يحتفلون به .. فيذبحون الأفقَر بِها .. فلَعنَتُها في نفسي .. وزاد حبي لبلادي قبل أن تدور الدائرة .. وتصبح بلادي أكثر لعنة وتُرسلِنا إلى أماريتا .. وها أنا أجلس بخيمة على أقرب الهِضاب إليها .. في إنتظار أن تحدُث المعجزة ويُفتح بابُها كما خَطط سيدي.. مَكثنا في خيمَتِنا لِأيام .. يمر وقتنا ببطء .. لم أشهد لهُ مثيل .. لا أذكر أن فارق سيدي حافة الهضبة إلا قليلاً .. كانَ ينظر بعيداً إلى زيكولا ويظل شارداً لِأوقات طويلة .. قبل أن يهبط ظلام الليل فيعود بظَهَره إلى الرِمال ليُحَدق بنجوم السماء حتى يغلبه النعاس .. ثمَ ينهض مع شروق نهارنا التالي .. فيشبه يومنا سابقه .. فإن شَعر بتسرب اليأس إلى قلوبنا اقترب مِنا وحدثنا بأنها ستُفتح بابها .. ثمَ يمسح بيده على وجه الطبيبة ويَهمس إليها بأنها ستنجو.. ثمَ حدث التغير الأول يومنا التاسع .. حين فوجئت بسيدي يصيح فجأة بِثلاثتنا - أنا والحارسَين - بأن نقترب مِن الحافة .. وأشار إلى عَربتين تسيران بطريق يتجه إلى زيكولا .. ثمَ حدث الأمر نفسه في يومنا العاشر والحادي عشر ومرت عربات أخرى كانت أكثر عدداً بالطريق ذاته .. ثمَ انخلع قلبي يومنا الثاني عشر .. حين حاصَرَنا مِن كل جانب صدى صوت لِدقات طبول إنطلقت فجأة مع شروق الشمس .. كان إيقاعها قوياً مخيفاً .. ثمَ توقفت لِتصرخ الأبواق عالياً .. ثمَ دُقت الطبول مرة أخرى إيقاعاً منتظماً رَج صداه الصحراء مِن حولنا .. فوجدت سيدي يقف منتصباً على حافة الهضبة .. لا يحرك ساكناً فاقتربنا منه لنرى رايات حمراء كبيرة قد عُلقت على سور زيكولا .. ولاح بالأفق بعيداً غبار كثيف يتصاعَد إلى السماء تلاشت معه رؤية ما خلفه من سور زيكولا ومبانيها .. فَنَطق الملك هائماً: - اليوم، كُتبت النجاة للطبيبة... يتبع *جيش ڪبير ـ الحلقة عشرون* استمرت دقات الطبول وصدى صوتها مِن حولنا وبلغ الغبار عنان السماء كُسِيَ معه الطريق الرملي أمام زيكولا بِغطاء أسود لامع .. نما زاحفاً بإنتظام كبُساط يخرج مِن زيكولا دون نهاية كونت أنسجته ألوف من الجنود الذين أصطفوا كالنمل بخوذهم ودروعهم في صفوف متساوية بلغ الصف الواحد المئات منهم كانت صيحاتهم عالية تدوي في تناوب مع دقات الطبول .. دق قلبي خوفًا واحمرت وجنتاي ونظرت إلى سيدي الواقف بجواري مُحدقا بتلك الجحافل التي تخرج مِن زيكولا دون إنقطاع .. ثمَ قطع صمته الطويل ونظر إلى الحارسَين خلفنا قائلاً: أعِدّا العربة كما أخبرتكما سابقاً. ثم نظر إليَّ وقال: انزعي سوائل الطبيبة سنبدأ طريقنا إلى زيكولا. فَعُدت إلى الخيمة وفعلّت ما أمَرَني به .. ثمَ جاء الحارسان بصندوق كبير كان مثبتاً بمؤخرة العربة منذ تحركنا .. و وضعاه بجوار الطبيبة وفتحاه فوجدته مبطن بوسائد بيضاء رقيقة ثمَ حمَل سيدي الطبيبة وأرقدها برفق بذلك الصندوق ومد يده إلى جوانبه وإطمئن إلى وجود ثلاث ثقوب دائرية صغيرة واحد بكل جانب من جوانب ثلاثة .. ثمَ غطى سيدتي بلوح خشبي رقيق طُلي جانبه العلوي بماء الذهب وجاء الحارسان بصندوقين آخرين كانا معنا داخل صومعة العربة وفتحاهما لأجدهما ممتلآن بسبائك ذهبيية لَمعت بشدة مع إشعة الشمس التي تسربت إلى الخيمة وبدءا يصفان تلك السبائك أعلى اللوح الخشبي حتى انتهيا فبدا الصندوق وكأنه ممتلئ عن آخره بالذهب .. ثمَ حملاه إلى داخل العربة وتبعتهما لأجلس بجواره .. ثمَ دلف سيدي إلى صومعة العربة بعدما أزال الحارسان الخيمة وإنطلقنا في طريقنا إلى أرض زيكولا. إتخذنا طريقاً متَعرِجاً هبط بنا مِن الهضَبة إلى الطريق الترابي إلى زيكولا .. ثمَ إنحرَفت بنا العربة إلى جانب الطريق بعيداً خلف عربات أخرى كانت في طريقها إلى زيكولا .. ثمَ توقفنا بأمر مِن سيدي حين توقفت تلك العربات أمامنا بعدما أقتربت منا طلائع الجيش الزيكولي. وهبط سيدي إلى الأرض ووقف بجوار العربة حين بدأت صفوف الزيكولين تمُر على الطريق أمامنا بينما مَكثت بالعربة أُراقبهم عبر النافذة بجواري كان وقع أرتطام أقدامهم بالأرض قوياً يهز الأرض مِن أسفلنا تُحلق معه صيحاتهم الحماسية إلى السماء وتلمع أسلحتهم ودروعهم مع إشاعة الشمس دون أن يلتفت أحدهم جانبا كأننا غير مرئين يتوسطهُم حاملي الطبول التي لا يتوقف إيقاعها ويتناثر بينهم حاملي الرايات التي ترفرف عالياً بين الصفوف. لم أتخيل أن يكون عددهم كبيراً إلى ذلك النحو وظللنا واقفين حتى أقتربت الشمس مِن منتصف السماء فإنتهى الثلث الأول منهم .. ثمَ ظهر الثلث الثاني مع دقات طبول اختلف إيقاعها كانوا فرساناً تغطي وجوههم خوذ مخيفة ويحيط أعناق بعضهم عقود مِن الورد تسير جيادهم ببطء في محاذاة تتمشى بدقات الطبول مِن حوله كان عددهم كبير للغاية لا يقل عن بضع آلاف بأقل تقدير .. ثمَ دقت الطبول إيقاعاً آخر فظهر أمامنا الثلث الأخير مِن جنود تجُر خيولهُم أبراجاً شاهقة لم تتضح لي معالمها بعدما غطت بأغطية قماشية كان عددها بالعشرات تتبعها عربات كثيرة تغطي صناديقها الممتلئة بأقمشه هي الأخرى ويجُرها خيول بدت غير قادرة على جرها لولا سياط الجنود المُنهالة على أجسادها فسمعت أحد الحارسين يقول للآخر: إنها مجانيق زيكولا الزيتية يستطيع الواحد منها إحراق مدينة كاملة.. فَنظرت إلى سيدي الواقف بجوار العربة وأدركت أنهُ شَعر بما شعرت به .. ما رأيته أن ذلك الجيش لم يخرج لِيُدافع عن أرضهِ فحسب .. بل خرج ليعبر بحر مينجا إلى أماريتا. أكملّنا طريقنا إلى زيكولا بعد ساعات من إنتظار مرور جيشها .. وابتلعت ريقي رهبةً .. حين ظهر أمامنا سورها الشاهق وبابهُ الضخم المفتوح على مصراعيه .. كانت الساحة أمامه مليئة بالهرج والمرج مِن أهالي زيكولا الذين خرجوا نساءً ورجالاً وأطفالاً ليودعوا جنودَهم حاملين عقود الورد ومطلقين الأغاني مع عازفين إنتشروا بينهم .. ومِن عربات التُجار التي تزاحمت أمام باب زيكولا في إنتظار عبورها إلى داخل المدينة .. ثمَ أبطأت عَربتنا مِن سرعتها بين الزحام وتوقفت فجأة وفتح بابنا ليسألنا احد الحُراس باقتضاب: مَن أنتم؟ فَرَد سيدي في هدوء: السيد تميم تاجر للذهب جئت مِن الشمال. ثمَ فتح صندوقهُ فلمَعت سبائك الذهب وزاغت عيناَ الحارس قبل أن يومأ برأسه إلينا إيجاباً ويرحب بنا في زيكولا ويصيح بآخر كي يفسح لنا الطريق .. تحركت العربة لتعبُر باب زيكولا فأمسكت برأسي بعدما أصابها ألمٌ شديد مفاجئ حتى إنني إنزلقت بين مقعدي العربة وأغمضت عيني لألتقط أنفاسي بصعوبة .. سَرت بجسدي رَعَشة لم أشعر بها مِن قبل .. بينما أغمَض سيدي عينه دون أن يظُهِر ألمه .. ثمَ بدأ الألم يتلاشى شيئاً فشيئاً .. فسألني سيدي إن كنت بخير .. فعُدت إلى مقعدي و أومات برأسي إليه إيجاباً فقال لي: إنها لعنة هذا البلد .. لمن يدخلها مرتهُ الأولى. فَدَق الخوف بقلبي ونظرت إلى باب زيكولا الذي عَبرناه وجال بخاطري للمرة الأولى: ماذا لو أُغلق ذلك الباب ولم نكن قد خرجنا بعد؟! دَلَفَت العربة إلى المنطقة الشرقية لِزيكولا .. و وجهت قمر نظرها عبر نافذتها لترى ضواحيها ومبانيها التي كانت تشبه إلى حد كبير مَثيلاتها في أماريتا .. حيثُ البيوت المتلاصقة على جانبي الطرقات المُعبَدة .. ودُهِشت حين وجدت الكثيرين يملؤون شوارعها رجالاً ونساءا بعدما ظنت أنها ستجدها خاوية على عروشها مع خروج جيشها الضخم إلى صحرائها وكأن مَن خرجوا ليسوا إلا جزء يسير منهم.. أكملت العربة تقدمها بشارع واسع مُعَبَد .. ثمَ توقفت أمام إحدى الحانات بأمر مِن المَلك تميم الذي تَرجل ودَلَف إلى الحانة وسأل صاحبها عن بيت يستأجره لعشرين يوما فَدله إلى أحد البيوت مقابل عشر وحدات مِن ذكائه كانت أولى الوحدات التي يفقدها بهذا البلد ونظر إلى يديه كأنه يتأكد من شحوبهما فداعبه الرجل قائلاً: - إنها ليست إلا عشر وحدات أيها الغني. فَأومأ الملك برأسه إيجاباً دون أن ينطق وعاد إلى العربة التي أكملت سيرها في الإتجاه الذي وصفه رجل الحانة حتى توقفت أمام بيت صغير أحاطه سور من قوائم حديدية .. وهبط مع أحد الحارسَين ودلفاَ إلى داخله وإلتقيا صاحبه ثمَ عاد إلى العربة بعدما إستأجر بيته مقابل مأئتي وحدة مِن ذكائه ولاحظت قمر شحوب شفتيه قليلاً لكنها لم تُحدثه بشيء بعدما بدا الوجوم على وجهه .. ثمَ أمَر حارسيه أن يحملا صندوق الذهب إلى داخل البيت .. فَحَملاه إلى رُدهَته وأسرعا يعيدان الذهب إلى الصندوقين الصغيرين و أزالا اللوح الخشبي وحمل أحدهما الطبيبة إلى سرير بإحدى الغرف العلوية فأسرعت إليها قمر ووضعت أذنها على صدرها وسمعت دقات قلبها .. ثمَ ثبتت بِذراعها سن أنبوب سائلها المُغزي وتأكدت مِن سريانه فابتسمت ونظرت إلى مَلِكِها الذي بدا قلِقاً فطمأنته ابتسامتها قبل أن يغادر على الفور ويمتطي حصانه بينما أمتطي حارسه الذي زار زيكولا مِن قبل الحصان الآخر معه أحد صندوقي الذهب وإنطلقا في طريقهما إلى المنطقة الوسطى.. 7كانت المنطقة الوسطى أرقى مناطق زيكولا وميزت بقصورها التي سكنها أثرياء هذا البلد مجاورين لقصر حاكمهم وبعد مرور ساعات مِن إنطلاقهما حل الليل وأُنيرت تلك المنطقة بِمصابيح نارية بيضاء ثُبتت على تماثيل كثيرة نُحتت لِنساء على جانبَي الطرقات، لَمعَت معها أسوار قصورها فزادت جمالها جمالاً. وما إن وصل إليها الأماريتي حتى دله حارسه إلى قصر عُرف بقصر الذهب عَلم كل مَن عاش بأرض زيكولا عن ثراء صاحبه الهائم عشقاً بهذا المعدن وإقتربا مِن بابه فوجدا حارساً فارع القامة فسألاه أن يقابلا سيده قبل أن يرياه صندوقهما فغاب عنهما قليلاً ثم عاد إليهما وأخبرهما بإنتظار سيده. دَلَف الملك الشاب إلى بَهو القصر وخلفه حارسه يحمل صندوق ذَهبه فوجد جدران القصر وسقفه وأثاثه مُرصعين بِنقوش ذهبية تباينت أشكالها وأحجامها .. ثمَ سمع صوتاً جاء من خلفه يسأله: كم لديك من الذهب؟ فإلتَفت إليه ليجده رجلاً مُسناً تبدو الحيوية على وجهه فأجابه بهدوء: لدي الكثير وعَلِمت أنك أكثر مَن يقدر الذهب بهذا البلد فَجئتك مباشرة.. فسأله وهوَ يصب شرابه: من أين جئت؟ أجابه الملك: إنني من وادي السراوي بالشمال. فقال الرجل: لم أسمع عنه فقال الملك باسماً: لسنا بشُهرة زيكولا فسأله: وماذا تفيدك ثروة كبرى من الذكاء؟ قال: إنَ أهلي في حاجة إلى الكثير مِن المؤن سأذهب إلى المنطقة الغربية لِأحمل إحتياجاتهم وأغادر بلدكم. قال الرجل: تكسب الكثير اليوم ثمَ تفقده فجأة قد يؤذيك. فقال الملك: إن جسدي قوي طالما أبتعدتُ عن الحد الآمن مِن ذكائي لن يضرني أيها السيد أليس كذلك؟ أجابه: أنك ذكي حقً، لِتُريني ما لديك فأشار إلى حارسه بِأن يفتح صندوقه وقال: - مائة سبيكة. فَنَظر الرجل إلى السبائك وقال هائماً: رائع .. ثمَ أكمل .. ألم تخشى أن يسرقك قُطاع الطرق؟ فأجابه: - وقتها سأعلن عن مهارتي بالقتال .. وأظهر سيفه بغمده أسفل ردائه. فقال الرجل: تعجبني جراءتُك أيها الشاب .. حسناً خمسون وحده للسبيكة فقال الملك مندهشا: لكن السبيكة لا تقل عن مائة وحدة بأقل تقدير فضحك الرجل بِلؤم: هذا قبل أن تخبرني عن حاجة أهلك إلى الطعام والمؤن .. سأخبرك بشيء لن يستطيع أحد شراء ذلك الصندوق منك خلال تلك المدة القصيرة سينتصر جيشنا وسيعود قريباً إما أن تبيعني الآن أو تنتظر عاماً كاملاً هنا تبيعها سبيكة سبيكة لتحصل على مرادك مِن وحدات الذكاء.. فقال الملك في نفسه: اللعنة عليك أيها الجشع. ثمَ حدثه : حسناً إنني أقبل فإبتسم الرجل وقال: أحسنت أيها الشاب ثمَ أشار إلى خادمه قائلا: فلتأتِ بالخزائن. فغاب الخادم لدقائق قبل أن يعود ومِن خلفه ثلاث رجال وأمرأتان متوردو الوجوه فقال الرجل: إنهم بعض مِن خزائني .. و أردف : لن يتحمل عقلي تجارة ثروتي مع تقدُم عمري لقد أخترتهم بعناية .. أضمَن حياتهم مقابل أن يحتفظوا الجزء التجاري مِن ثروتي.. فسأله الملك: وإن خانوك؟ أجابه ببرود: تتيح لنا قوانين زيكولا قتلَهُم وإعادة ثروتنا في حال خيانتهم .. ثمَ نظر إليهم وقال: - سيحصل تاجرنا الشاب على خمسة آلاف وحدة الف من كل إمرئ منكم.. ونظر إلى الأماريتي وقال: مبارك لك أيها السيد.. ثمَ غادر الملك القصر وامتطى حصانه وامتطى حارسه حصانه وقال لِسيده حانقاً: سيحقق ثروة عظيمة مِن بيع تلك السبائك فأجابه: فليفعل ما يشاء ما يهُمنا الآن هو نجاة الطبيبة ومغادرة هذا البلد الملعون سريعاً...... يتبع