الفصل الثالث : صدى الظلال
__________________
في الأيام التالية، لم يكن كريم قادرًا على تجاهل حضور "ظل المرآة". كان يتساءل عمّا إذا كان هذا الكيان حقيقيًا، أم مجرد إسقاط لعقول مرضاه المتعبة. ومع كل جلسة، كان الظل يعود، أقرب وأخطر. كان أشبه بعدو خفي، يُراقب من بعيد، لكنه لم يكن مستعدًا لمهاجمة كريم مباشرةً.
في ذلك الصباح، وبينما كان كريم يجلس في مكتبه محاولًا تنظيم أفكاره، قرر فتح ملف مريض قديم يُدعى "سعاد". كانت سعاد إحدى أصعب الحالات التي واجهها في مسيرته. امرأة في أوائل الأربعينات، تعاني من انفصام الشخصية وذكريات طفولة مليئة بالصدمات. كانت جلساتها مليئة بالتحولات الغريبة، لكن الأمر الأكثر رعبًا هو أنها في آخر جلسة قد تحدثت بصوت غريب لم يكن لها، صوت يشبه ذلك الظل الغامض.
أمسك كريم بالملف، وقرأ التقارير القديمة: "المريض يعاني من رؤية كيانات خيالية تتربص به في الزوايا المظلمة." كانت تلك الكلمات تعيد إليه ذكريات لم يكن يريدها. قرر أنه لا بد من مواجهتها.
اتصل بسعاد ودعاها لجلسة جديدة. بعد تردد بسيط، وافقت على العودة، رغم أن غيابها الطويل كان مريبًا. في اليوم التالي، وصلت إلى العيادة، وكانت تبدو أكثر توترًا من ذي قبل، عيناها محمرتان وكأنها لم تنم منذ أيام.
"أهلاً، سعاد. كيف حالك؟" سألها كريم بصوت هادئ وهو يحاول تهدئتها.
"لا أعرف، دكتور. هناك شيء معي... يتبعني في كل مكان. إنه ليس خيالًا. لقد رأيته." قالت سعاد وهي ترتجف.
كريم شعر بشيء غريب في حديثها. كان يعرف أن ظل المرآة يعود إلى الظهور، لكن هذه المرة بطريقة أكثر وضوحًا. قرر أن يبدأ الجلسة على الفور.
بدأت الجلسة بهدوء، لكن كريم كان يعلم أن الأمور لن تبقى كذلك لفترة طويلة. أغمض عينيه، محاولًا الغوص في عقل سعاد كما فعل مع الآخرين. الدوامة التي شعر بها عادةً أثناء انتقاله إلى عوالم مرضاه كانت هذه المرة أكثر عنفًا وسرعة. عندما فتح عينيه مجددًا، وجد نفسه في مكان أكثر ظلامًا وغرابة من أي مكان دخله من قبل.
كان العالم الذي دخل إليه الآن مختلفًا عن تلك العوالم السابقة. لم تكن هناك متاهات أو مدن مشوهة، بل فقط ظلام دامس وصدى أصوات بعيدة. كان المكان فارغًا، لكنه مليء بالقلق والخوف. فجأة، ظهرت أمامه صورة مشوشة لسعاد، جالسة في وسط الظلام، تمسك بيديها رأسها وكأنها تحاول الهروب من شيء لا يمكنها رؤيته.
"سعاد؟" نادى كريم، لكنه لم يتلق أي رد.
بدأ يسير نحوها ببطء، محاولًا الاقتراب. كل خطوة كان يتخذها كانت تصاحبها تموجات في الظلام، وكأن المكان بأكمله يتنفس. فجأة، ظهر ظل المرآة من جديد، لكن هذه المرة كان مختلفًا. كان أقرب، أكثر وضوحًا، وأكثر تفاعلًا مع المكان.
"من أنت؟" سأل كريم، محاولًا جمع شجاعته. "لماذا تتدخل في عقول مرضاي؟"
لكن الظل لم يتحدث، فقط استمر في الاقتراب منه. كان شيئًا مرعبًا بوجوده، ليس بسبب مظهره، بل بسبب الشعور الذي يزرعه في النفس: الشعور بأن لا مفر.
بينما كان كريم يحاول التواصل مع سعاد، بدأ يشعر بأن الظل ليس مجرد وجود غريب. كان يتفاعل مع خوف سعاد، يغذيه ويكبره. كان أشبه بكائن يتغذى على الصدمات النفسية والألم، ويحاول السيطرة على عقول مرضاه من خلال أعمق مخاوفهم.
فجأة، بدأت أصوات تتردد في عقل كريم. كانت أصوات مألوفة، أصوات مرضاه السابقين، جميعهم يتحدثون عن نفس الكيان. "إنه هنا... لا يمكنك الهروب... الظل يراقب."
كريم شعر بأن عقله نفسه كان ينجرف نحو الظلام. كلما حاول المقاومة، كلما زاد تأثير الظل عليه. لكن في تلك اللحظة، قرر أن يقاتل. بدأ يركز كل طاقته على تحرير سعاد من قبضة هذا الكيان.
"لن أدعك تأخذها!" صرخ كريم، واندفع نحو سعاد.
مع اقترابه منها، بدأ الظل يتراجع ببطء، لكن أثره كان لا يزال حاضرًا. أمسك كريم بيد سعاد وحاول سحبها من هذا العالم المظلم. كانت تقاوم في البداية، لكن مع مرور الوقت، بدأت تستجيب له. شيئًا فشيئًا، بدأ الظلام يتلاشى، وعاد كريم إلى وعيه.
وجد نفسه جالسًا في غرفة العلاج، وسعاد أمامه، لكنها كانت مختلفة. عيناها كانتا أكثر وضوحًا، وكأن عبئًا كبيرًا قد أزيل عن كاهلها.
"دكتور... هل انتهى الأمر؟" سألت بصوت مرتعش.
"ليس بعد، سعاد. لكننا على الطريق الصحيح." رد كريم، وهو يحاول استيعاب ما حدث للتو. كان يعلم أن هذا الصراع لم ينته بعد، وأن ظل المرآة سيعود. لكنه كان مصممًا على مواجهته حتى النهاية، مهما كان الثمن.
__________________