الفصل الأول : خلف الأبواب المغلقة
__________________
كان الدكتور كريم يسير بخطوات متثاقلة عبر ممرات المستشفى النفسي الخاص به. المكان يبدو هادئًا بشكل يبعث على القلق، وكأن الصمت يخفي شيئًا أكبر خلف الأبواب المغلقة. كطبيب نفسي ناجح، كانت لديه القدرة على قراءة أفكار مرضاه من خلال جلسات العلاج التقليدية، ولكن في الأشهر الأخيرة، ظهرت لديه قدرة غير عادية – قدرته على الدخول حرفيًا إلى عقول مرضاه، واكتشاف عوالمهم الداخلية بأشكال غامضة ومربكة.
اليوم كان الموعد مع مريض جديد، "يوسف"، الذي تم تشخيصه بحالة شديدة من اضطراب الوسواس القهري. دخل كريم إلى غرفة العلاج، حيث كان يوسف يجلس متوترًا، يلعب بأصابعه ويمسح يده على المقعد مرارًا وتكرارًا، وكأن كل شيء حوله يلوثه بشيء لا يستطيع تحمله.
"كيف حالك اليوم يا يوسف؟" بدأ كريم الجلسة بصوته الهادئ والمعتاد، محاولًا إضفاء جو من الطمأنينة.
لكن يوسف لم يرفع رأسه، واستمر في تمتمة كلمات غير مفهومة. اقترب كريم ببطء وجلس أمامه. "أريدك أن تسترخي وتأخذ نفسًا عميقًا. اليوم سنحاول معًا أن نكتشف مصدر مخاوفك."
مع كل كلمة قالها كريم، كان يشعر بأن يوسف ليس هنا بالكامل. عقل يوسف كان في مكان آخر، في عالم آخر. كريم قرر أنه قد حان الوقت لاستخدام قدرته. أغمض عينيه، وبدأ بالتنفس ببطء، محاولًا الدخول إلى عالم عقل يوسف.
فجأة، شعر بتلك الدوامة التي تجذبه إلى الداخل. عندما فتح عينيه، لم يكن في غرفة العلاج بعد الآن. وجد نفسه في مكان آخر – مدينة مشوهة ومظلمة. كل شيء كان مرتبًا بشكل مثالي، الأشجار، المباني، حتى الطرقات مرسومة بخطوط دقيقة. لكن كان هناك شيء مريب؛ أي خطأ بسيط في الترتيب كان يتسبب في انفجار فوضوي، وكأن العالم كله يعتمد على هذا النظام المهووس.
بدأ كريم بالسير عبر الشوارع المتناسقة، وفي كل زاوية كان يشعر بمراقبة شيء خفي. لم يمض وقت طويل حتى رأى شخصية مألوفة – يوسف. لكنه كان مختلفًا هنا، يبدو كما لو أنه جزء من هذا النظام. كان يسير بشكل آلي، يعد خطواته بدقة، ويتجنب أي حركة غير متوقعة.
"يوسف!" صرخ كريم، محاولًا لفت انتباهه.
لكن يوسف لم يرد. كان عقله منغمسًا في هذا العالم المرتب بشكل غير طبيعي. فجأة، ظهرت من الظلال شخصية أخرى – ظل المرآة. كانت نفس الشخصية التي ظهرت لكريم في الجلسات السابقة، وجه بلا ملامح، واقف في صمت، يراقب.
كريم شعر برعشة تجتاح جسده. ما الذي يفعله هذا الكيان هنا مرة أخرى؟ لماذا يظهر في عقول مرضاه؟ كان الظل يتحرك ببطء، وكأنه يحاول سحب يوسف بعيدًا عن كريم، يبعده عن الواقع ويعمق اختفاءه في هذا العالم الغريب.
اقترب كريم من يوسف، محاولًا إيقاظه من هذا السجن العقلي، لكن كلما اقترب أكثر، كلما ازداد تأثير الظل. بدأ يوسف بالصراخ بصوت عالٍ: "لا تغير شيئًا! كل شيء يجب أن يبقى كما هو!" كانت الفوضى تحاصر المكان، وكأن أي محاولة لتغيير النظام المثالي ستؤدي إلى انهيار العالم بأكمله.
ثم فجأة، انفجر المشهد بأكمله. كريم شعر بأنه يسحب خارج عقل يوسف بقوة هائلة، وعاد إلى الواقع في غرفة العلاج، أنفاسه متسارعة وعرقه يتصبب.
فتح عينيه ليجد يوسف يحدق به، وكأن شيئًا لم يحدث. لكن كريم لم يكن يستطيع تجاهل الحقيقة: الظل كان هناك، يتربص. واللغز الحقيقي لم يبدأ بعد.
__________________